- دعوة الى سبيل المؤمنين - طارق زين العابدين  ص 31 :

الفصل الأول : عدالة الصحابة

مقدمة في عدالة الصحابة . تعريف الصحابي . تعريف العدالة .

الباب الأول : حديث الاقتداء بالصحابة شرب الخمر . الفرار من الزحف وشماتة البعض . كتمان الشهادة ! شهادة الزور . سب الإمام علي ( عليه السلام ) . اختفاء المنافقين بين الصحابة .

الباب الثاني : حديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء . إشكالات على الحديث . إختلاف علي وعثمان . إخبار النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأبي بكر بالإحداث . محدثات أبي حفص . مخالفة الصحابة للخلفاء الأربعة . مخالفة سعد بن عبادة لأبي بكر وعمر . خلاف بعض الصحابة للخليفة الرابع . مخالفة عائشة لعثمان وعلي .
 

- ص 33 -

عدالة الصحابة

مقدمة في عدالة الصحابة


إن مسألة عدالة الصحابة لهي من المسائل التي وضعت بصماتها بصورة جلية في حياة المسلمين الاعتقادية والعبادية ، ذلك لأن قول الصحابي وفعله أضحى من الأمور التي أولاها الفقهاء وعلماء الحديث والأصول أهمية أدرجتها في مصاف مصادر التشريع الإسلامي ، وصارت من المقدسات الدينية عند المسلمين .


فكثير من المسائل الفقهية ترجع إلى قول الصحابي وفعله وما سنه من سنن ، حتى وإن كانت هذه السنن تخالف تماما السنة النبوية أو صريح القرآن ، كغسل الرجل عند الوضوء دون مسحها ( 1 ) ، وسن صلاة التراويح في جماعة ( 2 ) ،

وقول : " الصلاة خير من النوم " ( 3 ) في آذان الفجر ، وإلغاء زواج المتعة وتحريمه ( 4 ) ، وسن الآذان الثاني في صلاة الجمعة ( 5 ) . وغير ذلك كثير سن من قبل بعض الصحابة ، دون أن يوافق ما كان عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) .


على أن من المسائل التي تدعو إلى التعجب وتبعث على الحيرة ، إدراج كافة الصحابة في صحيفة العدالة دون مراعاة
 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) تفسير الإمام الرازي 3 : 370 - تفسير سورة المائدة .
( 2 ) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري 5 : 4 .
( 3 ) الموطأ ، شرح الزرقاني 1 : 25 - باب ما جاء في النداء للصلاة .
( 4 ) شرح التجريد للقوشجي : مبحث الإمامة .
( 5 ) تفسير القرطبي 18 : 100 الكواكب الدراري 6 : 127 ، إرشاد الساري 6 : 210 ، عارضة الأحوذي 2 : 305 . ( * )

 

 

- ص 34 -

لمدة الصحبة ودرجتها ، من حيث الملازمة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ومستوى أخذ الأحكام منه ودرجة الاهتمام بذلك .


وفي الواقع لم يكن الصحابة من هذه النواحي سواسية ، فكان منهم الذي يكتب ويسجل الحديث ، ومنهم من لم يكن يكتب ، ومنهم من شغلته الصفقات في الأسواق فيفوته الكثير ثم ينقل إليه نقلا ، ومنهم من له أوقات خاصة مع النبي ( صلى الله عليه

وآله ) ، وقد خص بالعلم دون الآخرين ، فإن سأل يعطي وإن سكت عن السؤال يبتدر بالعلوم ( 1 ). ومنهم من يسمع الحديث فلا يعيه ، ومنهم من يحفظ ما يقال ، ومنهم من ينساه .


فالصحابة بشر بلا شك ، فلا يمكن أن يكونوا في ذلك على وفق واحد . على أن الصحابة من حيث الإيمان لم يكونوا على قرار واحد ، ولا في الإخلاص على وتيرة . فهذا هو التاريخ والواقع يبين هذه الحقيقة ، فلماذا الغلو في الصحابة ؟ !
 

لا شك أن وصفهم كافة بالصحبة التي تستوجب العلم والعدالة إسراف مبغوض وتكلف لا يطاق ، إذ لا دليل ينهض بذلك ولا حجة تقوم له. ومهما يكن صاحب هذا الرأي ومهما ينسب إليه من الأوصاف والنياشين العلمية فهو مخطئ وعاثر في رأيه هذا ، إذ أن الخطأ والغلط والنسيان سواءا كان عمدا أو سهوا فهو من لوازمه ، فلا يؤخذ بقول كل من يقول ولا بكل ما يقول .


إن مسألة عدالة كافة الصحابة بقضهم وقضيضهم من المسائل التي عفى عليها الدهر ، وتجاوزها العلم والمنطق . ونحن بقدر ما نرى في ذكرها حلا لمعضلة البعض من الشباب المتعطشين للحقيقة ، نرى البحث فيها مضيعة لوقت أولئك الذين وقفوا عليها .


وقبل الخوض في الموضوع تفصيلا ، علينا أن نرى أولا ما يقوله القوم في تعريف الصحابي ، والمعيار الذي اعتمدوه في تحديد عدالة الجميع .


تعريف الصحابي

يقول ابن حجر في تعريف الصحابي : " الصحابي من رأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) مؤمنا به ومات

 

* هامش *

 
 

( 1 ) نهج البلاغة طبعة صبحي الصالح ص 300 - الخطبة 192 . ( * )

 

 

- ص 35 -

على الإسلام ، فيدخل في من لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت ، ومن روى عنه ومن لم يرو ، ومن غزا معه ومن لم يغز ، ومن رآه رؤية ومن لم يجالسه ومن لم يره لعارض العمى " ( 1 ) . " وأنه لم يبق بمكة ولا الطائف أحد في سنة

عشر إلا أسلم وشهد مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) حجة الوداع ، وأنه لم يبق من الأوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلا دخل في الإسلام ، وما مات النبي ( ص ) وواحد منهم يظهر الكفر " ( 2 ) .

هكذا عرف ابن حجر الصحابي ، وكما وضح فإن رؤية النبي ( صلى الله عليه وآله ) هي المعيار الذي ينال الفرد به لقب الصحبة عنده ، حتى وإن لم يجالس النبي ( صلى الله عليه وآله ) لحظة عمره .


ثم إنه لما جاءت سنة عشر لم يبق أحد في مكة والطائف إلا أسلم ، وبالطبع على يد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فيكون بالتالي لم يبق أحد منهم إلا وقد انضوى في سلك الصحابة ، لإسلامه ومشاهدته النبي ( صلى الله عليه وآله ) .


ثم إنه لما كانت حجة الوداع التي حضرها مع النبي ( صلى الله عليه وآله ) ما يربو على مائة ألف شخص كان هؤلاء كلهم - على قول ابن حجر - من الصحابة ، لأنه يستبعد أن يكون هناك من لم يره .


ثم إنه لما مات النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يظهر من أحدهم الكفر ، فيكون النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد ارتحل وترك الناس كلهم صحابة ، لمشاهدتهم إياه ، وإسلامهم على يديه ، وعدم ظهور الكفر من أحدهم ، وهكذا يكون النبي ( صلى الله

عليه وآله ) قد ترك الناس كلهم صحابة عدولا ، لإسلامهم على يديه ، ولعدم ظهور الكفر من أحدهم حتى رحيل النبي ( صلى الله عليه وآله ) .


فهذه هي الصحبة بحدودها التي عرفت بها .

 

 

* هامش *

 
 

( 1 ) الإصابة 1 : 7 ، الفصل الأول .

( 2 ) الإصابة 1 : 8 ، الفصل الأول . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب