طواف سليمان بتسع وتسعون امرأة في ليلة

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 218

 2 - طواف سليمان بتسع وتسعون امرأة في ليلة عن عبد الرحمان بن هرمز قال : سمعت أبا هريرة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : قال سليمان بن داود : لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين ، كل منهن تأتي بفارس ، يجاهد

في سبيل الله ، فقال له الملك - صاحبه - : قل : إن شاء الله ، فلم يقل : إن شاء الله ، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل . والذي نفس محمد بيده ، لو قال : إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون .


وفي هذه الرواية الصحيحة ! ! التي أخرجها البخاري ومسلم في الصحيحين عدة إيرادات :

 أولا : اضطراب نص الحديث : لأن عدة النساء اللاتي أراد سليمان ( عليه السلام ) أن يطوف عليهن في ليلة واحدة ، ذكر تارة إنهن مائة امرأة ( 2 ) وأخرى روي
 

 

* ( هامش ) *
( 2 ) صحيح البخاري 4 : 27 كتاب الجهاد باب من طلب الولد للجهاد ،
      و ج 7 : 50 كتاب النكاح باب قول الرجل لأطوفن الليل على نسائه . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 219

أنهن تسع وتسعون ( 1 ) ، وروي ثالثة أنهن تسعون ( 2 ) ، وفي بعض الأحاديث أنهن سبعون ( 3 ) وفي بعضها ستون
( 4 )
، وكل هذه الأعداد مروية في صحيحي البخاري ومسلم ، وهذا الاضطراب في العدد دليل واضح على كون الحديث

من المجعولات والموضوعات ، ويدل أيضا على أن راوي القصة أراد أن يبدي رأيه في عدد النساء . حتى أن بعض شارحي الصحيحين لم يسعه الكتمان حتى أشار في شرحه إلى هذا الاضطراب ( 5 ) .


 ثانيا : فإن الإنسان مهما كان قويا ، فإنه يعجز عن القيام بمثل هذا العمل الذي يشبه المعجزة والخوارق ، بينما هذا الموضوع والقصة لا تمت إلى المعجزة والإعجاز بشئ إطلاقا .

 ثالثا : من الناحية الزمنية فإن الليلة الواحدة في الغالب لقليلة للطواف على مائة امرأة .

 رابعا : إنه لا يجوز على سليمان النبي ( عليه السلام ) وهو من عباد الله المخلصين ، أن يترك التعليق بقوله إن شاء الله ، حتى ولو سلمنا إنه عرض عليه النسيان ! ! ولكن ما الذي يمنعه عن يقول : إن شاء الله وهو نبي هادي الخلق إلى الحق ! ! لا سيما بعد أن ذكره ونبهه الملك بذلك .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري 4 : 27 كتاب الجهاد باب من طلب الولد الجهاد .
( 2 )
صحيح البخاري 8 : 162 كتاب الأيمان والنذور باب كيف كانت يمين النبي ( صلى الله عليه وآله )
      وص 172 باب الاستثناء في الأيمان ،
      صحيح مسلم 3 : 1276 كتاب الأيمان باب ( 5 ) باب الاستثناء ح 25 .
( 3 )
صحيح مسلم 3 : 1275 كتاب الأيمان باب ( 5 ) باب الاستثناء ح 23 و 24 .
( 4 )
صحيح البخاري 9 : 169 كتاب التوحيد باب في المشيئة والإرادة ،
      صحيح مسلم 3 : 1275 كتاب الأيمان باب ( 5 ) باب الاستثناء ح 22 .
( 5 )
شرح صحيح مسلم للنووي 11 : 120 . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 220

وإنما يترك قول إن شاء الله الذين نسوا الله وجهلوا أن الأمور بيد الله تعالى .

 3 - عزرائيل يفقد عينه عن أبي هريرة قال : أرسل ملك الموت إلى موسى ( عليه السلام ) فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه . فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، فرد الله عينه . وقال : ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت يده

بكل شعرة سنة . قال : أي رب ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت . قال : فالآن . فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ( 1 ) .

أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم ، إلا أن في لفظيهما تفاوت يسير حيث ورد في رواية مسلم : فلما جاءه صكه ففقأ عينه . روى الثعالبي في كتابه ( ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ) القصة في باب لطمة موسى ثم قال : هذا الحديث في

أساطير الأولين ، ويضرب مثلا بين الناس ، وقد اشتهر بعد ذلك بين العوام بأن عزرائيل أعور . وفيه قيل : يا ملك الموت لقيت مكرها * لطمة موسى تركتك أعورا واختتم الثعالبي مقولته قائلا : وأنا برئ من عهدة هذه الحكاية ( 2 ) .


أقول : فكما اعتبر الثعالبي هذه القصة أنها من أساطير الأولين فكذلك نحن نقول بأنها من الأساطير التي ينقلها العجائز للأطفال ، وسوف نوافيك بالأدلة على كون هذا الحديث أسطورة يتناقلها العوام فقط ، وذلك لما تشاهد فيه من المسائل المخالفة للناموس الإلهي وشأن الأنبياء والملائكة :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح البخاري 2 : 113 كتاب الجنائز باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة ،
      و ج 4 : 192 كتاب بدء الخلق باب وفاة موسى ،
      صحيح مسلم 4 : 1842 كتاب الفضائل باب ( 42 ) باب من فضائل موسى ( عليه السلام ) ح 157 .
( 2 )
ثمار القلوب في المضاف والمنسوب : 53 رقم 63 . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 221

 أولا : كيف يليق بعبد اصطفاه الله للنبوة ويصير كليم الله أن يبطش بطش الجبارين والمتكبرين ، ويفقأ عيون الآخرين ، من دون سبب وخاصة إذا كان ذاك مأمورا من قبله تعالى ، ليوحي إلى الكليم أمرا من أوامر الله قائلا له : أجب ربك ؟
 

 ثانيا : إن الله عز وجل كافأ النبي موسى ( عليه السلام ) خيرا ، لأنه ارتكب هذا الفعل المذموم ، ولم يعاقبه على فعله ، ولم يعتب عليه ، بل شرفه بشرافة أكبر ، وبشره بالعيش آلاف السنين . فيا عجبا بطشة واحدة ، وآلاف الجوائز ! !
 

 ثالثا : كيف يتصور أن تنسب هذه القصة إلى موسى الذي اصطفاه الله بالنبوة ، وائتمنه على وحيه ، وانتجبه لمناجاته ، وجعله نبيا من أنبياء أولي العزم ، وقال تعالى مادحا إياه : ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) ( 1 ) .


وقال تعالى : ( واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا )
( 2 )
. وقال تعالى : ( وكان عند الله وجيها ) ( 3 ) .


فهل يتصور أن من نال هذه المرتبة الرفيعة والمنزلة الربانية ، يفر من الموت فرارا يترك لقاء الله والوصول إلى مرتبة أعلى العليين وذلك ببطشة واحدة ؟


 رابعا : فهل يعقل أن الأنبياء وخاصة أولي العزم منهم ( عليهم السلام ) يهينون الملك الذي يأتيهم بالوحي من عند الله تعالى ؟ بينما نحن نتبرأ من الكفار والمشركين والجبابرة كفرعون ونمرود وأبي جهل ، ونعتبرهم أعداء لله عز وجل ، لأنهم رفضوا أوامر الله وعاندوا ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الأحزاب : 71 . ( 2 ) مريم : 51 - 52 . ( 3 ) الأحزاب : 69 . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 222

الأنبياء والرسل ( عليهم السلام ) ، وأهانوهم واستكبروا عن ذلك . فلو صححنا هذا الحديث بمضمونه الوارد في صحيحي البخاري ومسلم ، فلم يبق هناك فرق بين موسى ( عليه السلام ) وفرعون ، لأن الحديث المذكور ، يروي لنا أن الأسلوب

الذي اتخذه فرعون تجاه الرسول موسى ( عليه السلام ) والإهانة التي أهانها إياه ، هو نفس الأسلوب الذي اتبعه موسى
( عليه السلام ) تجاه عزرائيل ملك الموت ورفض دعوة ربه .


 خامسا - أضف إلى كل ذلك ، ما هي حقيقة الملائكة ؟ هل هي جسمانية ومادية ؟ ولها عينان ، كما هي عند الإنسان بحيث تعمى بمجرد بطشة واحدة ؟

إن الجواب عن هذه الأسئلة ليس صعبا ومشكلا خاصة للوضاعين وجعال الأحاديث الذين يروون أحاديث يخرجونها من أكياسهم حينما يواجهون الانتقادات ، فيقرون بأنفسهم من المآزق .

ولذا نرى أبا هريرة - جاعل الحديث - عندما واجه الانتقاد أجاب على ذلك وقال : إن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه . . . . جاء إلى الناس خفية بعد موت موسى ( 1 ) .

بناء على هذه الإشكالات الموجودة في الحديث لم أدر وأني لحائر هل أن بطش موسى وضربه ملكا مقربا إلى الله - عزرائيل ( عليه السلام ) - وهو في لحظة تبليغ أمر الله ، ويفقأ عينه ويعميها تعتبر فضيلة وكرامة لموسى حتى يخرجه مسلم ضمن فضائل موسى ؟ !
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل 2 : 533 ،
      مستدرك الصحيحين 2 : 578 ،
      تاريخ الطبري 1 : 434 تاريخ موسى ( عليه السلام ) . . . . ،
      تلخيص المستدرك للذهبي ذيل المستدرك 2 : 578 . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب