|
المنع عن التدوين في
عهد عمر بن الخطاب |
|
|
المنع عن التدوين في عهد عمر : نقل ابن سعد : أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا ، ثم أصبح يوما وقد عزم الله له . فقال : إني كنت أردت أن أكتب السنن ، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها فتركوا كتاب الله تعالى ، وإني والله لا البس كتاب الله بشئ أبدا ( 2 ) .
الضعفاء والمساكين وسلم بيت مال المسلمين لشرذمة ليست لهم أي فضيلة وصلة بالدين ، سوى إنهم كانوا من قرابة الخليفة وعشيرته وملازمي بلاطه ، فاكتنزوا الملايين ، وعاشوا مرفهين ، وبنوا القصور المشيدة ، وفي جوارهم من المسلمين من كان يتضور جوعا .
لم يتماشوا ولم يداهنوا السياسة المتخذة والحاكمة آنذاك ، ودأبوا على قراءة القرآن وترتيله ورواية أحاديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتبليغها إلى الناس ، وهذا مما لا يرتضيه النظام الحاكم والسيرة العثمانية وسياسة حكمه لأن هذه الأمور هي على نقيض سياسة الخلافة الحاكمة ، ولذلك تعرضوا للهتك ، فمنهم من نفي إلى البوادي ، وأقصي عن
المجتمع ، ومنهم من سجن وتعرض للتعذيب الجسدي والروحي والجلد وغيره ، وهذا علاوة على منع الخلافة العثمانية من نقل أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ومخالفتهم للقرآن المجيد .
وإصابته بالفتق ، وكذا الاعتداء ونفي وإهانة العشرات من الصحابة والمسلمين الأوائل ، كلها كانت نتائج سياسة عثمان ( 1 ) وديدنه إلى أن آل الأمر به أن يرقى المنبر ويعلن للناس منعه إياهم رواية كل حديث لم يسمع به . فقال : لا يحل لأحد أن يروي حديثا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لم أسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر ( 2 ) .
ومن هنا اكتسحت المجتمع مفترياته ، وقرئت على الناس مختلقاته ، وحقق معاوية بمكره ودهائه المعروف ما أراده على كلا الصعيدين وذلك عبر جهتين : فهو من جهة أعلن على المنبر عن منع كل حديث لم يسمع به في عهد عمر ( 1 ) ، ومن جهة أخرى عبأ الوضاعين وأكرم كل من يروي حديثا في فضائل عثمان وأصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله ) المناوئون لعلي ( عليه السلام ) وأكرمهم بالعطايا الجزيلة والهدايا الثمينة وحثهم على جعل الحديث ونقل الأكاذيب .
كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل
بيته ، وكان أشد الناس بلاءا حينئذ أهل الكوفة لكثرة لأنه كان منهم أيام علي ( عليه السلام ) فقتلهم تحت كل حجر ومدر ،
وأخافهم ، وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون ، وصلبهم على جذوع النخل ، وطردهم
وشردهم عن العراق فلم يبق بها
معروف منهم . ويضيف المدائني : وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق : أن لا يجيزوا لأحد من شيعة على وأهل بيته ( عليهم السلام ) شهادة ، وأن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم ، واكتبوا لي بما يروي كل رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته . ففعلوا ذلك حتى أكثروا من فضائل عثمان ومناقبه ، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجئ أحد من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه ، فلبثوا بذلك حينا .
ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني وأدحض لحجة أبي تراب ( الإمام علي ( عليه السلام ) وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضائله . قرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة ولا حقيقة لها ، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشاروا بذكر ذلك على المنابر ، وألقى إلى معلمي الكتاتيب ، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى علموا بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله .
وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم نكلوا به واهدموا داره ، فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ، ولا سيما الكوفة ، حتى أن الرجل من شيعة علي ( عليه السلام ) ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ، ويخاف من خادمه ومملوكه ، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمن عليه ، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة ، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك ، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ، ويقربوا مجالسهم ، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق ، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها ( 1 ) .
|
|