|
الوصية التي لم تكتب |
|
|
3
- صلح الحديبية : قال أبو وائل : كنا بصفين - حيث أعلن وقف الحرب بين جند
الإمام علي ( عليه السلام ) وجيش ولا تدعوا أنكم تعلمون كل شئ - فإنا كنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوم الحديبية ، ولو نرى قتالا لقاتلنا . فجاء عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله
ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ فقال ( صلى الله عليه وآله )
: بلى . فقال عمر : أليس قتلانا في الجنة ، وقتلاهم في فقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا بن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدا . فرجع عمر متغيظا فلم يصبر - أي إنه لم يقنع بكلام النبي ( صلى الله عليه وآله ) - حتى جاء أبا بكر . فقال : يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ قال : يا بن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا ، فنزلت سورة الفتح . . . . ( 1 ) .
بعده . فقال عمر : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد
غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف من يقول ما قال عمر . فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قوموا . قال عبيد الله : فكان ابن عباس يقول : إن الرزية ما حال بين رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ( 1 ) .
لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا ، فتنازعوا ، وما ينبغي عند نبي تنازع وقالوا : ما شأنه أهجر ؟ استفهموه فذهبوا يردون عليه . قال ( صلى الله عليه وآله ) : دعوني فالذي أنا فيه خير أوصيكم بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ، قال : وسكت عن الثالثة أو قالها فأنسيتها ( 2 ) .
فأما الحديث فقد مدت إليه يد المحرفين بالتحريف والتغيير
فحرفت بعض متنه
وألفاظه ، إلا إنه لم يخل من احتوائه على نكات مهمة ، رأينا لزاما أن نشير إليها وإلى التحريفات فيه : 1 - النكتة الأولى التي
تجب الإشارة إليها والتمحيص فيها هي : إنه قد ذكر اسم الخليفة عمر صريحا في
ثلاثة موارد من الأحاديث السبعة بأنه هو الذي خالف النبي ( صلى الله عليه وآله
) وصده عن كتابة الوصية . فقال عمر : إن رسول الله وفي الأربعة الأخرى لم يذكر اسم المتكلم الخليفة عمر بالصراحة
بل جاء في مورد واحد منها : فقال بعضهم : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
قد غلبه الوجع ( 2 ) ، وجاء في الثلاثة الباقية :
فقالوا : هجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
وأما العبارات الأخرى فقال بعضهم أو فقالوا : هجر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لا يمكن أن تشكك في الحقيقة وتشوهها وتحرف المسألة عن واقعيتها . وإن الاختلاف والنزاع الذي حدث للحاضرين عند الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لم يكن إلا ردا أو إثباتا لقول الخليفة - هجر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله - الذي مال إليه فئة من الحاضرين ، وخالفه آخرون كما جاء في النص : فقال عمر : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت
فاختصموا فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم رسول الله ( صلى الله عليه وآله )
كتابا
لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر . نقل ابن أبي الحديد رواية مفصلة من حوار جرى بين ابن عباس والخليفة عمر . وقد اعترف الخليفة فيه بحقيقة هامة : فقال : إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في مرضه أراد أن يصرح باسمه - الإمام علي ( عليه السلام ) - فمنعت من ذلك . وذكر هذا الخبر أحمد بن أبي طاهر - صاحب كتاب تاريخ بغداد - في تاريخه مسندا ( 1 ) .
إلا أن رواة الحديث وحفاظ أهل السنة لما شاهدوا بأن هذا البهتان العمري وهذه النسبة - التي نسبها خليفتهم عمر إلى رسول الله تخالف صريح الآيات القرآنية التي تصف النبي ( صلى الله عليه وآله ) وخاصة آية ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) ( 2 ) - سوف تعرضهم للنقد وتوقعهم في المؤاخذات والانتقادات ، قاموا
- وكدأبهم الدائم - بتحريف وتغيير الحديث بأشكال مختلفة . ففي الأحاديث التي لم
يرد فيها اسم الخليفة عمر صراحة ، ونسبوا فيها القول المذكور إلى بعض الحاضرين
عند النبي
غير ( 1 ) . وقد أشرنا فيما سلف إلى أن المبدع للمقولة ، والمخترع الأول للشبهة ، والمبادر في إلقائها هو الخليفة عمر ذاته ، ولا أحد غيره ، وإذا تلفظ ونطق الآخرون بها وقالوا : ( هجر ) لم يأتوا بها من تلقاء أنفسهم بل إنهم تعلموا ذلك من الخليفة .
امتنع من كتابة الوصية أوصى بثلاث وصايا ، فنقل الراوي اثنتين منها ، ونسي الثالثة . فقال : وأوصى عند موته بثلاث . . . ونسيت الثالثة . وهنا يتبادر سؤال : ما هي الوصية الثالثة التي نسجت العنكبوت . . . أوتار نسيانها عليه ؟ والحق إن نسيان الوصية الثالثة من وصايا النبي كانت فيه مصلحة ومنفعة لأن تنسى . ولا شك أن هذه الوصية الثالثة المنسية هي نفس الموضوع المهم والمصيري الذي اهتم النبي به وأمر بإحضار الكتف والدواة ليكتبه والذي يكون سدا منيعا أمام ضلالة المسلمين وغيهم . والمهم أن الوصية التي أراد النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يوصي بها كانت من الأهمية والخطورة بحيث استدعت أن يقوم أحد الحاضرين في مجلس النبي بالمعارضة والمخالفة ويلفق على النبي بهتان الهجر والهذيان . وهذه الوصية التي بها تسد أبواب الضلالة والانحراف
ما زالت باقية في ذهن النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى استدعت أن يكتبها بعد
أن أكدها وكررها شفاها ، وذكرها صراحة ، ولا شك في أن الراوي كان يعلمها ويدري
تلك الوصية إلا أن مصلحة النظام ومنافعها هي التي
ألزمته أن يكتم وصية النبي ( صلى الله عليه وآله ) ويدفنها تحت أكمام النسيان والتناسي كما قال : ( ونسيت الثالثة ) .
الوصية عن باله . . وصرح البخاري بأن سفيان بن عيينة - الراوي
الرابع من سلسلة سند الحديث المبتور قال بأن جملة
هل هجر فيما كتبه - والعياذ بالله - أو لم يهجر ؟ كما اختلفوا في ذلك وأكثروا اللغو واللغط نصب عينه ، فلم يتسن له يومئذ أكثر من قوله لهم : ( قوموا ) كما سمعت ، ولو أصر فكتب الكتاب للجوا في قولهم : ( هجر ) ، ولأوغل أشياعهم في إثبات هجره - والعياذ بالله - فسطروا به أساطيرهم ، وملأوا طواميرهم ، ردا على ذلك الكتاب وعلى من يحتج به . لهذا اقتضت حكمته البالغة أن يضرب ( صلى الله عليه وآله ) عن ذلك الكتاب صفحا لئلا يفتح هؤلاء المعارضون وأوليائهم بابا إلى الطعن في النبوة - نعوذ بالله ونستجير به - ، وقد رأى ( صلى الله عليه وآله ) أن عليا وأولياءه خاضعون لمضمون ذلك الكتاب سواء عليهم ، أكتب أم لم يكتب ؟ وغيرهم لا يعمل به ولا يعتبره لو كتب ، فالحكمة والحال هذه توجب تركه إذ لا أثر له بعد تلك المعارضة سوى الفتنة . كما لا يخفى والسلام ( 1 ) .
|
|