مشروعية المتعة في الإسلام

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 403

  6 - المتعة أو الزواج المنقطع : ومن الأحكام التي غيرها وبدلها الخليفة عمر بن الخطاب كما صرح بهذا الأمر الصحيحان في مضامين أحاديثهما هو نكاح المتعة أو الزواج المؤقت الذي ما زال ممنوعا إلى هذا العصر حسب ما أفتى بمنعه الخليفة

عمر ، وتارة أخذها البعض وسيلة للتشنيع على الشيعة ، وذريعة للنيل منهم ، وعزوا بسببها الافتراءات والأكاذيب إلى الشيعة وعقائدهم . ومن هنا رأينا أنه من الضروري واللازم أن نقوم بالتحقيق والبحث فيها من خلال فصول خمسة :


 1 - تعريفها : المتعة أو الزواج المؤقت الذي هو موضع اختلاف الشيعة والسنة عبارة عن : أن يتزوج الرجل امرأة حيث لا يكون له أي مانع شرعي من نكاحها كالزواج الدائم بمهر وصداق معلوم إلى مدة معلومة ، وبمجرد انقضاء المدة وانتهائها تبين المرأة من الرجل من
 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 404

غير إجراء صيغة الطلاق . ويجوز للرجل أن يفارقها قبل انقضاء المدة بأن يهبها المدة الباقية . والمتعة تشترك مع الزواج الدائم في كثير من الأحكام وتفترق عنه في بعض الأحكام .
 

الأحكام المشتركة : أما الأحكام المشتركة بين هذين النوعين من أنواع النكاح - الدائم والمؤقت - فهي كالتالي :

 1 - وجوب الإيجاب والقبول .

 2 - وجوب المهر والصداق .

 3 - تجب على المرأة في الزواج المؤقت أن تعتد عدة الطلاق إن بني عليها ، ولم تكن يائسة تماما كالزواج الدائم ، إلا إن عدتها قراءان أو خمسة وأربعين يوما .

 4 - عدة الوفاة فيهما أربعة أشهر وعشرة أيام .

 5 - عدة المرأة الحامل فيهما الذي توفي زوجها فهي أبعد الأجلين .

 6 - لا فرق بين الأولاد في مسألة التوارث وغيرها سواء ولدوا بالزواج الدائم أو المنقطع .

 7 - أحكام المصاهرة فيهما مشتركة كحرمة الأم أو الأخت حرمة أبدية .

 8 - حكم الجماع فيهما مشترك من حيث حرمة وطيها في حيضها أو في نهار شهر رمضان .


الأحكام المختصة بكل منها : وأما وجوه الاختلاف والافتراق بين النكاح الدائم والمنقطع تتلخص في عدة موارد .

 1 - يجب تعيين المدة في المنقطع دون الدائم .

 2 - لا يتوارث الزوجان في المنقطع إلا إذا كان ذلك من شروط ضمن العقد .

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 405

 3 - يجب تعيين الصداق والمهر في المنقطع دون الدائم .

 4 - ليس للمرأة في الزواج المنقطع أن تطالب بالنفقة إلا إذا كانت المطالبة شرطا ضمن العقد .

 5 - لا يجوز للرجل أن ينكح أكثر من أربع زوجات في آن واحد في الزواج الدائم على العكس من الزواج المؤقت فليس فيه هذه المحدودية ( 1 ) .


 2 - مشروعية المتعة في الإسلام : إن أصل تشريع المتعة في الإسلام ثابت بالكتاب والسنة القطعية ومتفق عليه عند المسلمين شيعة وسنة .

أما دليل الإجماع : فلأن المسلمين على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم متفقون على أن المتعة أو الزواج المؤقت قد شرعه الله ورسوله ، ولا شك في تشريعة من جانب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولا يشك أحد من العلماء المسلمين بكونه من الضروريات الدينية .


قال الفخر الرازي : واتفقوا - علماء المسلمين - على أنها كانت مباحة في ابتداء الإسلام واختلفوا في أنها هل نسخت أم لا ؟ فذهب السواد الأعظم من الأمة إلى أنها منسوخة ، وقال السواد منهم : إنها بقيت مباحة كما كانت ( 2 ) .


وأما دليل الكتاب : قال تعالى : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) ( 3 ) . قطع مفسرو الشيعة جميعا بأن الآية نزلت بشأن بيان حكم النكاح المنقطع ، وعلى هذا أكثر مفسري أهل السنة ، والمراد من قوله تعالى : ( فآتوهن أجورهن ) أي اعطوهن صدقاتهن في المتعة . وهكذا قرأ بعض القراء الأوائل مثل : أبي بن كعب ، ابن عباس ، سعيد بن جبير
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع فروع المسألة وأحكامها الجزئية في الكتب الفقهية عند الشيعة .
( 2 )
تفسير الفخر الرازي 10 : 49 عند تفسير الآية 24 من سورة النساء .
( 3 )
النساء : 24 . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 406

والسدي : ( فما استمتعتم به منهن إلى أجل ) حيث إنهم جعلوا كلمة إلى أجل أي تعيين المدة في الزواج المنقطع جزءا من الآية . ونقل هذه القراءة الطبري ( 1 ) في تفسيره والزمخشري ( 2 ) عن ابن عباس ، ونقلها الفخر الرازي عن أبي بن كعب ( 3 ) . وكذا روى الطبري عن مجاهد - وهو من المفسرين في القرن الأول الإسلامي - قوله : بأن هذه الآية نزلت بشأن المتعة ( 4 ) .


ومما يؤيد شأن نزولها في المتعة سياق الآيات نفسها من هذه السورة حيث إنه قرينة واضحة وشاهد بين على ذلك ، لأن صدر السورة ( النساء ) تبين حكم الزواج الدائم . قال تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع . . . . وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) ( 5 ) .
 

فلو فرضنا أن الآية - آية الاستمتاع - هي كذلك تتعلق بالزواج الدائم فإنها تستلزم كون تكرار الحكم الواحد في سورة واحدة بنفسها من دون غاية ، وهذا مما ينافي بلاغة القرآن المجيد . وأما لو فرضنا أن الآية تتعلق بالمتعة - كما هي - فإنها تبين حكما ثانيا ومستقلا ، وحينئذ لا يستدعي التكرار ، ولا يرد على القرآن أي نقد .


وبعبارة أخرى يلاحظ من خلال التدبر في سورة النساء أن السورة قد بينت وذكرت النساء اللاتي يحرم نكاحهن ، وتبين كذلك الطرق التي بها تحل النساء للرجال وهي أربع :

 1 - الزواج الدائم بالحرة .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تفسير الطبري 5 : 8 - 10 .
( 2 )
تفسير الكشاف 1 : 498 .
( 3 )
التفسير الكبير 10 : 51 .
( 4 )
تفسير الطبري 5 : 9 .
( 5 )
النساء : 3 .( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 407

 2 - ملك اليمين . 3 - الزواج بالإماء . 4 - الزواج المؤقت .

فأما حكم الزواج الدائم والزواج بملك يمين فقد ورد ذكره في الآية الثالثة من سورة النساء حيث قال تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء . . . . أو ما ملكت أيمانكم ) .


وحكم الزواج بالإماء فهو مذكور في الآية الخامسة والعشرين في قوله تعالى : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) . وفي آية : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن ) .

التي هي محل بحثنا بين الله عز وجل حكم النوع الرابع من الزواج وهو الزواج المؤقت أو المتعة .


وأما السنة : فقد دلت على مشروعية المتعة من خلال تظافر الأحاديث المتواترة التي أوردها الشيعة والسنة . وقد أخرج البخاري ومسلم في بيان مشروعية المتعة روايات عديدة بإسنادهما عن : سلمة بن أكوع ، جابر بن عبد الله ، عبد الله بن مسعود ، ابن عباس ، سبرة بن معبد ، أبو ذر الغفاري ، عمران بن حصين ، وأكوع بن عبد الله الأسلمي .


ولما كان نقل جميع الأحاديث المروية في هذا الموضوع يستدعي الإطالة والأطناب وبحاجة إلى كتاب مستقل اكتفينا بذكر بعض مما روي في الصحيحين .


 1 - أخرج مسلم في صحيحه بإسناده عن سلمة بن أكوع وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا : خرج علينا منادي رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) فقال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد أذن لكم أن
 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 408

تستمعتوا - يعني متعة النساء - ( 1 ) .

وأخرجه مسلم بلفظ آخر : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أتانا فأذن لنا في المتعة ( 2 ) .

وأخرجه البخاري بلفظ ثالث : كنا في جيش فأتانا رسول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : إنه قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا ( 3 ) .

 2 - روى مسلم أيضا عن جابر بن عبد الله قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق ، الأيام ، على عهد رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) وأبي بكر . حتى نهى عنه عمر ، في شأن عمرو ابن حريث ( 4 ) .
 

أقول : ذكر ابن حجر قصة عمرو بن حريث بنحو الإجمال والاختصار فقال : دخل عمرو بن حريث الكوفة وتمتع بامرأة فحملت المرأة منه ، فجاءت به وهي حامل منه إلى الخليفة عمر ، فسأل عمر عمرو عن القصة فاعترف عمرو ، ومن بعدها نهى الخليفة عن المتعة ( 5 ) .


 3 - وأخرجا بإسنادهما عن عبد الله بن مسعود فقال : كنا نغزو مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليس لنا نساء . فقلنا : ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك . ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ، ثم قرأ عبد الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) ( 6 ) . ( 7 )
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) صحيح مسلم 2 : 1022 كتاب النكاح باب ( 3 ) باب نكاح المتعة ح 13 .
( 2 )
المصدر ح 14 .
( 3 )
صحيح البخاري 7 : 16 كتاب النكاح باب نهي رسول الله عن نكاح المتعة آخرا .
( 4 )
صحيح مسلم 2 : 1023 كتاب النكاح باب ( 3 ) باب نكاح المتعة . . . . ح 16 .
( 5 )
فتح الباري 9 : 141 .
( 6 )
المائدة : 87 .
( 7 )
صحيح البخاري 6 : 66 كتاب التفسير تفسير سورة المائدة باب ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ) ،
      و ج 7 : 5 كتاب النكاح باب ما يكره من التبتل والخصاء ،
      صحيح مسلم 2 : 1022 كتاب النكاح باب ( 3 ) باب نكاح المتعة . . . ح 11 . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 409

أقول : أخرجه مسلم بثلاثة أسانيد عن ابن مسعود ، ولا يخفى فإن قراءة ابن مسعود لهذه الآية اعتراض وانتقاد على من حرم هذا النوع من الزواج - المتعة - . وكأنه أراد أن يقول : إن هذا الزواج من الطيبات ، وإنه قد شرع في الدين كسائر

التشريعات والقوانين الشرعية ، وأن حكمه باق إلى أبد الآباد ، وتحريمه يعتبر اعتداء وتجاوز عن الحدود الإلهية . وقال النووي في شرحه لرواية ابن مسعود : فيه إشارة إلى أنه كان يعتقد إباحتها كقول ابن عباس ، وإنه لم يبلغه نسخها ( 1 ) .


 4 - روى مسلم عن أبي نضرة قال : كنت عند جابر بن عبد الله ، فأتاه آت ، فقال : ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين ، فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) . ثم نهانا عنهما عمر . فلم نعد لهما ( 2 ) .


 3 - عمر يحرم المتعة : علم مما ذكرناه في الصفحات السابقة أن مشروعية المتعة كانت ثابتة في عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ثبوتا قطعيا ودلت عليه الآية القرآنية والسنة النبوية ودليل الإجماع . وكذا علم من مضامين ثلاثة أحاديث من

الأحاديث الخمسة التي ذكرناها أن المتعة كان يعمل بها على عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنها كانت مباحة في عهد الخليفة أبي بكر ، وفترة من عهد الخليفة عمر ومن ثم نهى عنها عمر . وهاك أيها القارئ الكريم تصريحات بعض

المؤرخين والمحدثين في هذا الموضوع : أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بإسناده عن أبي نضرة قال : قلت لجابر بن عبد الله : إن ابن الزبير ( رضي الله عنه ) ينهى عن المتعة ، وابن عباس يأمر بها قال : فقال لي : على يدي
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح صحيح مسلم 9 : 182 . ( 2 ) صحيح مسلم 2 : 1023 كتاب النكاح باب ( 3 ) باب نكاح المتعة . . . . ح 17 . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 410

جرى الحديث ، تمتعنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومع أبي بكر ، فلما ولى عمر خطب الناس فقال : إن القرآن هو القرآن ، وإن رسول الله هو الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أحدهما متعة الحج ، والأخرى متعة النساء ( 1 ) .


أقول : ذكرنا آنفا في فصل متعة الحج إن الإمام أحمد بن حنبل قد أسقط المقولة الأخيرة من كلام الخليفة حيث قال : ( وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما ) ( 2 ) .


قال السيوطي : عمر بن الخطاب أول من حرم المتعة ( 3 ) .


وقال ابن رشد الأندلسي : واشتهر عن ابن عباس تحليلها وتبع ابن عباس على القول بها أصحابه من أهل مكة وأهل اليمن ، ورووا أن ابن عباس كان يحتج لذلك بقوله تعالى : ( فما استمتعتم به . . . . ) وفي حرف عنه ( إلى أجل مسمى ) .


وروي عنه أنه قال : ما كانت المتعة إلا رحمة من الله عز وجل رحم بها أمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، ولولا نهي عمر عنها ما اضطر إلى الزنا إلا شقي .


ورواه عنه ابن جريج وعمرو بن دينار وعن عطاء قال : سمعت جابر بن عبد الله يقول : تمتعنا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر ، ثم نهى عنها عمر الناس ( 4 ) .


أقول : إن ابن جريج الذي قال بجواز المتعة والذي نقل عنه الفقيه الفيلسوف ابن رشد هو أفقه علماء مكة في عهده توفي
عام 150 من الهجرة . قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : قلت لأبي : من أول من صنف الكتب ؟ قال : ابن جريج ( 5 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 : 52 .
( 2 )
راجع ص 398 هامش 1 .
( 3 )
تاريخ الخلفاء : 137 فصل في أوليات عمر .
( 4 )
بداية المجتهد 2 : 63 .
( 5 )
تهذيب التهذيب لابن حجر 6 : 403 و 406 ترجمة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي رقم 855 .  ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 411

وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي : استمتع ابن جريج بسبعين امرأة ( 1 ) .

وقال الرجالي المعروف الذهبي : - ابن جريج - هو أحد الأعلام الثقات وكان فقيه أهل مكة ، وهو في نفسه مجمع على ثقته مع كونه قد تزوج نحوا من سبعين امرأة نكاح المتعة ، وكان يرى الرخصة في ذلك ( 2 ) .

قال الفاضل القوشجي : إن عمر صعد المنبر وقال : أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، أنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن وهي : متعة النساء ومتعة الحج وحي على خير العمل ( 3 ) .

وقال محمد بن المنصور : كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة .

فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء : بكرا غدا إليه ، فإن رأيتما للقول وجها فقولا ، وإلا فاسكتا إلى أن أدخل . قال : فدخلنا عليه وهو يستاك ، ويقول وهو مغتاظ : متعتان كانتا على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلى عهد أبي بكر

( رضي الله عنه ) وأنا أنهي عنهما ، ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأبو بكر ؟ فأوما أبو العيناء إلى محمد بن منصور وقال : رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول ، نكلمه نحن ؟ فأمسكنا . فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا وكلمه يحيى وأخبره بقيام الناس . . . فانصرف المأمون عن رأيه ( 4 ) .


 4 - دعوى النسخ في المتعة : لقد تذرع علماء أهل السنة في تبرير مواقف الخلفاء ، وتثبيت مقامهم وتنزيههم من النقد والمؤاخذة بسبب التحريفات والتغييرات التي أوجدها الخلفاء في الأحكام إلى ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تهذيب التهذيب لابن حجر 6 : 403 و 406 ترجمة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي رقم 855 .
( 2 )
ميزان الاعتدال 2 : 659 ترجمة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج رقم 5227 .
( 3 )
شرح التجريد للقوشجي المقصد الخامس : الإمامة : 386 ، شرح نهج البلاغة 1 : 182 .
( 4 )
وفيات الأعيان 6 : 149 ترجمة يحيى بن أكثم رقم 793 . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 412

أحد هذين الطريقين : 1 - جعل الحديث . 2 - ادعاء الاجتهاد .

وأنهم يحاولون أن يثبتوا حكم الخليفة أولا : بأن يوضعوا أحاديث وينسبوها إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ويعبرون عنها بأنها صادرة عنه ( صلى الله عليه وآله ) .

وثانيا : إذا لم تسنح لهم الفرصة في الوضع والجعل فإنهم يعمدون إلى القول باجتهاد الخليفة وينسبون الحكم المخالف لحكم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بأنه مما اجتهد فيه الخليفة .

وثالثا : فإنهم يستفيدون من كلا الناحيتين كما هو في المتعة فإنها ذو جنبتين أي أنهم يقومون بوضع الحديث وادعاء الاجتهاد .


وقد ثبت في كتب الحديث والتاريخ أن المتعة كانت مباحة على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعهد أبي بكر وفترة من خلافة عمر بن الخطاب وكان المسلمون يأتمرون فيها بأمر من الله عز وجل ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) .
 

والذي نهى عنها هو عمر بن الخطاب وهدد من يخالف رأيه بأشد العقوبات ، - وقد ذكرنا فيما سبق بعض الأحاديث وأقوال المؤرخين فيما يختص بالموضوع . - ومع ذلك نرى أن بعض أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذين كانوا رواة وعلماء ومفسرين أعلنوا مخالفتهم الصريحة لأمر عمر وفتواه ، وأثبتوا حكم جواز المتعة قولا وعملا .


ولكن عالج بعض العلماء من أهل السنة حكم الخليفة وتثبيت فتواه بالتوجيه التالي أولا بأن آية المتعة وحكم جوازها هي من الآيات والأحكام المنسوخة ورووا في هذا الادعاء أحاديث موضوعة ، وتارة أخرى يدعون بأن منع المتعة هو من اجتهادات الخليفة عمر ( 1 ) .


ولما كان موضوع النسخ في آية المتعة والحكم بجواز الزواج المنقطع بحاجة إلى تفصيل وتبيين أكثر وكتاب مستقل في الموضوع فإننا نرجو من القراء الكرام مطالعة الكتب الأخرى التي كتبت في هذا الموضوع ( 2 ) .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) كما ذهب الفاضل القوشجي إلى القول بأن المنع مسألة اجتهادية وأن القول بالنسخ في هذه المسألة مرفوض .
( 2 )
راجع : الغدير للعلامة الأميني الجزء السادس ، تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي الجزء الرابع ، المتعة لتوفيق الفكيكي ،
      البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي 333 - 351 .   ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 413

إن الذين قالوا بأن حكم المتعة منسوخ ونسبوا هذا النسخ المزعوم إلى عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أقوالهم متشتتة ومتضاربة ، بحيث لا يمكن الجمع بينها ، وهذا الاضطراب بنفسه دليل آخر على كون ادعاء النسخ تحكم وافتراء . وذلك لأن بعضهم ادعى بأن الناسخ آية ، وادعى آخرون بأن الناسخ هو السنة والأحاديث الصحيحة .


وأما أقوال المدعين في كل من الناسخ سواء كان آية أو حديث مضطربة . فمثلا إن القائلين بأن المتعة نسخت بآية من القرآن يلاحظ أنهم قد اختلفوا في تعيين الآية الناسخة إلى خمسة أقوال :

 القول الأول : بأنها نسخت بقوله تعالى : ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ) ( 1 ) . .

والقول الثاني : فإن الآية الناسخة هي آيات العدة ( 2 ) .

والقول الثالث : إن الآية الناسخة هي آية الإرث ( 3 ) .

والقول الرابع : آية التحريم ( 4 ) .

والقول الآخر : هي الآية التي ذكرت فيها تعدد الزوجات ( 5 ) .

بينما لا نرى بين مفهوم الآيات المذكورة وآية المتعة أي تضارب ولا تناقض حتى تنسخها وكذا نشاهد أن بعض هذه الآيات
( 6 )
مكية وآية المتعة مدنية فكيف يتصور أن
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) المؤمنون : 7 .
( 2 )
البقرة : 228 . ( 3 ) النساء : 12 . ( 4 ) النساء : 23 . ( 5 ) النساء : 3 . ( 6 ) مثل الآية 7 من سورة المؤمنون . ( * )

 

 

- أضواء على الصحيحين - الشيخ محمد صادق النجمي ص 414

ينسخ ما نزل مؤخرا بما نزل مقدما ؟


وأما الذين قالوا : إن آية المتعة نسخت بالسنة والحديث لهم خمسة عشر قولا كذلك ، لأن بعض هذه الأحاديث يقول : نسخت آية المتعة في غزوة خيبر ، وبعضها يقول : في فتح مكة . وقيل : في غزوة تبوك . وقال آخرون : نسخت في حجة الوداع . وادعى آخرون أنها نسخت في غزوة حنين ( الأوطاس ) ( 1 ) .


ولكن القول الحق أن الروايات التي وردت في صحيح البخاري وصحيح مسلم ، تقول : بأن آية المتعة لم تنسخ أبدا لا بآية ولا بحديث ، بل إن المسلمين كانوا يعملون بها على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأبي بكر ونصفا من خلافة عمر ثم نهى عنها عمر ( 2 ) .


وأما الروايات التي قيل إنها ناسخة للمتعة علاوة على ما فيها من التناقضات والاضطراب فيما بينها ، وإنها تخالف الكثير من الروايات الصحيحة التي تقول بعدم النسخ فإنها أخبار آحاد وثبت في محله بأن القرآن لا ينسخ بالخبر الواحد .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) يمكن الاطلاع على هذه التناقضات والتضارب الموجود في المسألة عن طريق التأمل في الأحاديث المروية في هذه المسألة ،
      وقد جمعها ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 9 : 145 - 148 .
( 2 )
راجع صحيح البخاري وصحيح مسلم كتاب النكاح في نكاح المتعة . ( * )

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب