|
انكار ابن حجر دلالة
حديث المنزلة على إمامة علي |
|
|
67 - قال : الشبهة الثانية عشرة زعموا ان من النص التفصيلي على امامة على قوله صلى الله عليه وسلم له لما خرج الى تبوك واستخلف على المدينة " أنت منى بمنزلة هرون من موسى إلا انه لا نبى بعدى " قالوا ففيه دليل على ان جميع المنازل الثابتة لهرون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلي من النبي صلى الله عليه وسلم والا لما صح الاستثناء ، ومما ثبت لهارون من موسى استحقاقه الخلافة عنه لو عاش بعده إذ كان خليفته في حياته فلو لم يخلفه بعد مماته لو عاش بعده لكان لنقص فيه وهو غير جائز على الانبياء وايضا فمن جملة منازله منه انه كان شريكا له في الرسالة ومن لازم ذلك وجوب الطاعة لو بقى بعده فوجب ثبوت ذلك لعلي إلا ان الشركة في الرسالة ممتنعة في حق علي فوجب ان يبقى مفترض الطاعة على الامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم عملا بالدليل باقصى ما يمكن وجوابها ان الحديث ان كان غير صحيح كما يقوله الامدي فظاهر وان كان صحيحا كما يقوله ائمة الحديث والمعول في ذلك ليس إلا عليهم كيف وهو في الصحيحين فهو من قبيل الاحاد وهم لا يرونه حجة في الامامة وعلى التنزل فلا عموم له في المنازل بل المراد
ما دل عليه ظاهر الحديث ان عليا خليفة عن النبي صلى الله عليه وسلم مدة غيبته
بتبوك
كما كان هارون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة وقوله " اخلفنى في قومي " لا عموم له حتى يقتضى الخلافة عنه في كل زمن حياته وزمن موته بل المتبادر منه ما مر انه خليفة مدة غيبته فقط وحينئذ فعدم شموله لما بعد وفاة موسى عليه السلام إنما هو لقصور اللفظ عنه لا لعزله كما لو صرح باستخلافه في زمن معين ولو سلمنا تناوله لما بعد الموت وان عدم بقاء خلافته بعده عزل له لم يستلزم نقصا يلحقه بل إنما يستلزم كمالا له أي كمال لانه يصير بعده مستقلا بالرسالة والتصرف من الله تعالى وذلك اعلى من كونه خليفة وشريكا في الرسالة سلمنا ان الحديث يعم المنازل كلها لكنه عام مخصوص إذ من منازل هارون كونه اخا نبيا والعام المخصوص غير حجة في الباقي أو حجة ضعيفة على الخلاف فيه ثم نفاذ أمر هارون بعد وفاة موسى عليه السلام لو فرض انما هو للنبوة لا للخلافة عنه وقد نفيت النبوة هنا لاستحالة كون على نبيا فيلزم نفى مسببه الذي هو افتراض الطاعة ونفاذ الامر فعلم مما تقرر انه ليس المراد من الحديث مع كونه آحادا لا يقاوم الاجماع إلا اثبات بعض المنازل الكائنة لهرون من موسى وسياق الحديث وسببه يبينان ذلك البعض لما مر انه إنما قاله لعلي حين استخلفه فقال علي كما في الصحيح اتخلفنى في النساء والصبيان ؟ كانه استنقص تركه وراءه فقال له : الا ترضى ان تكون منى بمنزلة هارون من موسى يعنى حيث استخلفه عند توجهه الى الطور إذ قال له " اخلفنى في قومي واصلح " وايضا فاستخلافه على المدينة لا يستلزم اولويته بالخلافة بعده من كل معاصريه افتراضا ولا ندبا بل كونه اهلا لها في الجملة وبه نقول وقد استخلف صلى الله عليه وسلم في مرار اخرى غير على كابن ام مكتوم ولم يلزم فيه بسبب ذلك انه اولى بالخلافة بعده انتهى .
التجا الى القدح في صحته كما هو داب قومه وانما لم يوافقه غيره من المتأخرين في ذلك لما راوه من غاية الشناعة في انكار صحة ما ملا به المتقدمون كتبهم ولعمري لو تفطن متقدموهم لذلك لاخفوه ولم يكثروا من ذكره كما هو عادتهم في جحد الحق والشهادة بالباطل كما يشهد به مؤلفاتهم إذ كل ما ندعيه فيه شواهد من كتبهم . نصوص ائمتهم مما لا يقدرون على انكاره في خيار كتبهم عن خيار مصنفيهم وقد اوضحنا ذلك في هذا التعليق بعون ولى التوفيق ولتوجه الشناعة ترى المتأخرين منهم قد عدلوا عن القدح في صحة سنده الى القدح في دلالة متنه بالتأويل والتخصيص الذي هو اشنع من الاول كما اتى به هذا الشيخ الجاهل ولا يخفى انه يظهر مما فعله الامدي انه لا يبالى بما في الصحيحين ولا يعتقد صحة ما فيهما من الاحاديث كلا أو بعضا فاحفظ هذا .
الدلالة لا في الارادة وانى له اثبات المراد وكيف يبقى بعد ظهور دلالة اللفظ على عموم المنازل دلالة ظاهرة للفظ الحديث على ما ذكره من التخصيص المخالف للاصل والظاهر .
العموم لا طلب التوفيق في وقت دون وقت فكذا فيما نحن فيه يفهم
ان المطلوب الخلافة الثابتة مدة حياة الخليفة لا الخلافة المستعقبة للعزل ولأن
الغرض من ذلك الاستخلاف رعاية مصالح الرعية
وذلك بعد الموت اهم إذ رعايتها وقت الغلبة ممكنة للمستخلف وأما بعد الموت فغير ممكنة وبالجملة لا خفاء في كون ذلك ظاهرا في العموم وبناء الدليل على الظاهر والعدول عنه من غير ضرورة غير جائز وأما تخصيص الخلافة بوقت معين فمن الظاهر انه خلاف الظاهر فكيف يدعى كونه متبادرا .
فيها بعد وفاة موسى عليه السلام إذ الشركة لا تقتضي استقلال التصرف في حصة الشريك بعد وفاته لجواز ضم آخر إليه بدله على انه إذا كان هرون شريكا لموسى في النبوة غير مستقل فيه كما هو صريح عبارته فيلزم منه ان يكون موسى عليه السلام ايضا كذلك ولم يقل أحد بانهما عليهما السلام كانا نبيا
واحدا مستقلا وهو ظاهر وايضا لو صح ذلك لما تميز عن هارون المراد بقوله " اشركه في امرى " المشاركة في دعوة فرعون ونحوه من الامور وكذا المراد باستخلافه بهرون كونه خليفة فيما يختص بموسى عليه السلام من احكام نبوته بل الظاهر انه لا معنى لعدم الاستقلال في النبوة سواء كان النبي مبعوثا على نفسه أو على غيره ايضا فتأمل .
المطالب على خلاف ذلك كما يشهد به كتب اصحابه من الشافعية في الاصول . وأما ما ذكره من " ان نفاذ امر هارون بعد وفاة موسى لو فرض انما هو للنبوة لا للخلافة " مجرد دعوى لا دليل عليه اصلا ولم لا يجوز ان يكون بالامرين معا ففى لوازم نبوة نفسه بها وفي اجراء احكام نبوة موسى عليه السلام بالخلافة عنه ويؤيد هذا ما روى محمد الشهرستاني الاشعري عند بيان احوال اليهود من كتاب الملل والنحل حيث قال " ان الامر كان مشتركا بين موسى وبين اخيه هارون عليهما السلام إذ قال " اشركه في امرى " فكان هو الوصي فلما مات هارون في حياته انتقلت الوصاية الى يوشع وديعة ليوصلها الى شبير وشبر قرارا وذلك لأن الوصية والامامة بعضها مستقر وبعضها مستودع " انتهى وهو نص في ان المراد بالمنزلة في حديث المنزلة هو الوصاية والخلافة .
السلام ولم يعزل عند ما عرف انه آخر غزواته ولو عرف ان غيره يقوم مقامه في الحروب وكشف الكروب لاستخلفه في جميع غزواته ولو عرف صلى الله عليه وآله بوقوع قتال في تبوك ما تركه في المدينة كما قال ابن الجوزى حين قيل له : هل جرى في تبوك قتال ؟ قال : قعدت الحرب الشجاع فمن يقاتل ؟ ولو لم يكن في هذه المنقبة الشريفة إلا عزل الغير وتوليته لكفاه شرفا ونبلا واصحابنا كثرهم الله لم يستدلوا بمجرد الاستخلاف بجميع الامور للاجماع على هذا وعدم القائل بالفرق وهذا اقوى من استدلالهم بامامة أبي بكر في الصلوة على تقدير صدقها كما لا يخفى على انا لو اغمضنا عن دلالة الحديث على الخلافة نصا فنقول لا يشك عاقل ان منزلة هارون من موسى اعظم من منزلة غيره من اصحاب موسى عليه السلام فكذا منزلة علي (ع) يكون اعظم واقوى من منزلة غيره من اصحاب النبي
صلى الله عليه وآله فيكون اولى بالامامة من غيره بعده ومما يؤيد ذلك ما اخرجه
صاحب جامع الاصول في صحيح النسائي عن علي عليه السلام قال : كانت لي منزلة من
رسول الله صلى الله عليه وآله لم تكن لاحد من الخلائق
انتهى وههنا زيادة تدقيق وتحقيق وشحنا بها شرحنا لكتاب كشف الحق ونهج الصدق فليطالع ثمة .
|
|