|
استدلال ابن حجر
بزعمه على صحة خلافة الشيخين |
|
|
قلت : إنما جاء الترتيب في اخباره عما يقع من حكم الهى لا في اثباته ( ص ) اياها حكما شرعيا فربما كان الحكم : ثابتا لكن يتاخر وقوعه الى اجل أو لا يقع البتة فاخبر رسول الله (ص) عن ترتيب وقوعها حكما الهيا لا عن ثبوت ترتيبها حكما شرعيا انتهى وأما تتمة الخبر من قصة أبي بكر بالصلوة مع الناس من انكر الموضوعات عند الشيعة كما مر بيانه وتأييده باحدى الروايتين في ذلك للبخاري ويدل على كونه كذبا موضوعا اشتماله على ما لا يتكلم به عاقل فضلا عن امام معصوم مؤيد مطالع للوح المحفوظ كعلى عليه السلام وهو القياس الفاسد الذي نبهنا على فساده فيما مر وقد تقدم لذلك في رد خامس اجوبة هذا الجامد عن خبر " من كنت مولاه فعلي مولاه " ما لا مزيد عليه فتبنه وتذكر .
أمير المؤمنين عليه السلام ، وأبي بكر الاشجع منه ، وعمر المقدام ، بزعم هذا الجامد وغيرهم من بنى هاشم في ملازمته لم يقاتل مع كفار قريش واختار المهاجرة من مكة الى المدينة الطيبة وبعد امتداد المدة وتهيأ القوة والشوكة لما توجه الى مكة للحج وصد عليه كفار قريش في الحديبية صالح معهم صلحا سماه عمر اعطاء الدنية ورجع من الحديبية الى المدينة كما مر ولا ريب ان كل ما يوجه به كف النبي (ص) وأمير المؤمنين عليه السلام وسائر الصحابة والمهاجرين والانصار عن قتال هؤلاء الكفار فهو يصلح وجها لكف أمير المؤمنين عليه السلام عن منازعة الغاصبين للخلافة بطريق اولى ضرورة ان حقية كفار قريش غير متصورة اصلا بخلاف الغاصبين المتظاهرين بالاسلام فتدبر .
كان اضعف قبائل قريش فكفى في تقويتهم وجود مثل عمر الذي روى الجمهور ان النبي صلى الله عليه وآله كان يدعو في بدء الاسلام ويقول اللهم قونى بابى جهل أو بعمر بن الخطاب ولو سلم ضعفهما في نفسهما ايضا لكن اكثر ما عداهما من قبائل قريش كبنى امية وبني مخزوم وبني المغيرة كانوا يبغضون عليا عليه السلام لاجل هلاك آباءهم ، واخوانهم ، واولادهم ، بيده عليه السلام في غزوات النبي صلى الله عليه وآله حتى روى انه لم يكن بيت من قريش الا ولهم عليه دعوى دم اراقة في سبيل الله كما ذكره الاصفهانى الشافعي في جرحه على كتاب كشف
الحق وقد ذكر الشيخ الجامد في مواضع من كتابه هذا ما يدل على بغض القوم وحسدهم
له فيما آتاه الله من فضله خصوصا بنو امية وبنو المغيرة وبنو مخزوم الذين كانوا
من اعاظم طوائف قريش فقد روى هذا الشيخ الجامد فيما ذكره
في اول الخاتمة التي عقدها لبيان ما اخبر به النبي ص مما حصل على آله من البلاء والقتل من قوله " ان أهل بيتى سيلقون بعدى من امتى قتلا وتشريدا وان اشد اقوام لنا بغضا بنو امية وبنو المغيرة وبنو مخزوم " انتهى ولهذا ابتداوا بعقد الرايات لعكرمة بن أبي جهل وعمومته الحارث بن هشام وغيرهم من بني مخزوم على بلاد اليمن وسموا خالد بن الوليد المخزومى الفاسق الذي قال فيه النبي ( ص ) " اللهم انى ابرا اليك مما فعل خالد " سيف الله وسلطوه على مشتهياته من فروج المسلمين ودمائهم واموالهم وسموا عبيدة بن الجراح المجروح امين الامة وجعلوه مشيرا لهم وارضوا أبا سفيان بتفويض امارة الشام ولده يزيد ووجهوا اسامة مع من كان في جيشه من الذين خافوا فتنتهم مظهرين له ابقاءه على امارته ليسكت عن مخالفتهم حتى إذا انتهى الى نواحى الشام عزلوه واستعملوا مكانه يزيد بن أبي سفيان فما كان بين خروج اسامة ورجوعه الى المدينة إلا نحو من اربعين يوما فلما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح يا معشر المسلمين عجبا لرجل استعملني عليه رسول الله ( ص ) فتأمر على وعزلني هذا والسر في ان بنى مخزوم وبني امية وغيرهم من صناديد قريش لم يتصدوا لغصب الخلافة بانفسهم وإنما حملوا أبا بكر على ذلك لعدم سابقتهم في الاسلام وسرعة توجه التهمة إليهم بمعاداة علي عليه السلام وأهل بيته بل بمعاداة الانصار ايضا فحملوا أبا بكر على اكتاف الناس رغما لعلي عليه السلام ولهم فافهم وبالجملة ان غصب الخلافة لم يكن بمجرد اتفاق بنى تيم وبنى عدي كما زعمه بل باتفاق جميع طوائف قريش على ذلك كما مر مرارا وبه تحقق الفرق بين خلافة الثلاثة وزمان الناكثين والقاسطين والمارقين كما اوضحنا تارة بعد اخرى .
على حقية خلافة الاولين بل لاجل ما مر من ان السكوت في الاول لم يكن اختياريا له والقيام بالسيف ثانيا كان باختيار منه .
اولاده الطاهرين وشيعته واصحابه المخلصين الذين عرفوا اصوله المرضية وضبطوا القرائن القائمة في مواضع اعماله للتقية فهو ممنوع إذ عندهم قواعد وعلامات وقرائن وامارات قد اشرنا الى بعضها سابقا بها يميزون بين مواضع اعماله عليه السلام للتقية وبين غيرها على وجه لا يبقى شائبة الريب لهم وبهذا التقرير ايضا يندفع ما ادعى لزومه بعيد ذلك كما لا يخفى .
على فساد امامتهما وانهما كانا غير مستحقين لمقامها وكيف يتمكن من ذلك واظهار خلافهم على الجماعة التي يظنون انهم كانوا خلفاء رسول الله حقا وان خلافته عليه السلام مبنية على خلافتم فان فسدت فسدت خلافته وكيف يامن في خلافته الخلاف عليهم وكل من بايعه وجمهورهم عبدة هؤلاء وكانوا يرون انهم مضوا على اعدل الامور وافضلها وان غاية أمر من بعدهم
كعلى عليه السلام ان يتبع آثارهم ويقتفى طرائقهم فتأمل وانصف .
المسجد فصعد المنبر ثم قبض على لحيته وهى بيضاء فجعلت دموعه تتحادر على لحيته وجعل ينظر البقاع حتى اجتمع الناس ثم خطب خطبة بليغة من جملتها " ما بال اقوام يذكرون اخوى رسول الله ( ص ) ووزيريه وصاحبيه وسيدي قريش وابوى المسلمين وانا برئ مما يذكرون ، وعليه معاقب ، صحبا رسول الله صلى الله عليه وآله بالجد والوفاء والجد في أمر الله تعالى يامران وينهيان ويقضيان ويعاقبان لا يرى رسول الله صلى الله عليه وآله كرايهما رايا ولا يحب كحبهما حبا لما يرى من عزمهما في أمر الله فقبض وهو عنهما راض والمسلمون راضون فما تجاوزا في امرهما وسيرتهما راى رسول الله صلى الله عليه وآله وامره في حياته وبعد موته فقبضا على ذلك رحمهم الله تعالى فوالذي فلق الحبة وبرا النسمة لا يحبهما إلا مؤمن فاضل ، ولا يبغضهما ويخالفهما إلا شقى مارق ، وحبهما قربة وبغضهما مروق ثم ذكر أمر النبي صلعم لابي بكر بالصلوة وهو يرى مكان على ثم ذكر ايضا انه بايع أبا بكر ثم ذكر استخلاف أبي بكر لعمر ثم قال الا ولا يبلغني عن أحد انه يبغضهما إلا جلدته حد المفترى ، وفي رواية ما اجتراوا على ذلك أي سب الشيخين الا وهم يرون انك موافق لهم منهم عبد الله بن سبا وكان اول من اظهر ذلك لهما فقال على معاذ الله ان اضمر لهما ذلك لعن الله من اضمر لهما الا الحسن الجميل وستري ذلك ان شاء الله ثم ارسل الى ابن سبا فسيره الى المدائن وقال لا
تساكنى في بلدة ابدا قال الائمة وكان ابن سبا هذا يهوديا فاظهر الاسلام وكان
كبير طائفة من الروافض وهم الذين اخرجهم على رضى الله عنه لما ادعوا فيه الالهية . اقول : يعلم من هذا الخبر وكثير من امثاله المذكورة في هذا الكتاب بعد تسليم صحتها انه عليه السلام كان في زمانه متهما باعمال التقية في شان الشيخين ويظهر منه ان تجويز التقية والحكم بشرعيتها ليس من مخترعات الشيعة كما قد يتوهم وأي تقية اظهر من انه عليه السلام قال في ضمن جوابه لسؤال ذلك البعض قوله " رحمهم الله " بضمير الجمع الظاهر في كونه راجعا الى تلك النفر السابين المذكورين في الخبر غاية الامر انه عليه السلام ذكر اولا قوله " اعوذ بالله " ليوقع في وهم ذلك البعض انه عليه السلام يستعيذ من سب الشيخين فيذهل بعد ذلك عن ظهور ارجاع الضمير الاتى في قوله " رحمهم الله " الى تلك النفر السابين ويزعم بقرينة الاستعاذة المطلقة المبهمة ان ضمير الجمع راجع الى الشيخين من اجل توهمه ان تلك الاستعاذة المطلقة منصرفة الى الاستعاذة من سبهما وان الاتيان بضمير الجمع دون التثنية للتعظيم واما باقى الاوصاف المذكور لهما من الوزارة والسيادة وابوة المسلمين مع ان الاخير منها غصب لما خص به رسول الله صلى الله عليه وآله من كونه أبا للمسلمين كازواجه بكونهن امهاتهم مسوقة تهكما على طبق ما يصفهما به اوليائهما كقوله تعالى " ذق انك أنت العزيز الكريم " وقول ابن منير الطرابلسي الشيعي الامامي رحمه الله مهددا لشريف زمانه الذى اوقف مملوكه المسمى بتتر عنده في جملة ابيات مضحكة منها قوله : ليس الشريف الموسوي * أبو الرضا ابن ابي مضر وأما الرواية الاخرى التي ذكرها
آخرا فبعد تسليم صحتها يتوجه عليه ان غاية ما يدل عليه هو استعاذة علي
عليه السلام عن سب الشيخين والسب مما يستعيذ منه الشيعة ايضا ولا يجوز ونه بالنسبة الى الكافر فضلا عن المسلم والمنافق وانما الذى جوزوه هو اللعن على من يستحقه كما مر وفرق ما بينهما بين .
|
|