|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 524 |
|
أقوال
سلفهم في أن ترك البسملة تحريف وإسقاط لآية
أخرج البيهقي في شعب الإيمان بسنده : " عن إبراهيم بن
يزيد قال : قلت لعمرو بن دينار إن الفضل الرقاشي يزعم
أن {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} ليس من
القرآن ، قال : سبحان الله ، ما أجرأ هذا الرجل ! سمعت
سعيد بن جبير يقول : سمعت ابن عباس يقول كان رسول الله
صلى الله عليه (وآله) وسلم إذا نزلت عليه {بِاِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} علم أن تلك السورة
قد ختمت وفتح غيرها " .
" سمعت أبا جعفر حمد بن عبد الله المنادي يقول : سمعت
أحمد بن حنبل يقول : من لم يقرأ مع كل سورة {بِاِسْمِ
اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} فقد ترك مائة و
ثلاثة عشرة آية " .
"
عن ابن عباس قال : من ترك {بِاِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} فقد ترك آية من كتاب الله عز
وجل " ، أقول : ومن البديهي أن من أنكرها فقد أنكر آية
من كتاب الله عز وجل ( 1 ) ، وهذا هو التحريف .
قال ابن قدامة الحنبلي: " قال عبد الله بن المبارك : من
ترك {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} فقد
ترك مائة و ثلاث عشرة آية وكذلك قال الشافعي " ( 2 ) .
قال الغزّالي في المستصفي : " ثم لما كانت البسملة أمر
بما في أوّل كل أمر ذي بال ووجد ذلك في أوائل السور ظن
قوم أنه كتب على سبيل التبرك وهذا الظن خطأ ، وكذلك
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه سرق الشيطان من الناس
آية من القرآن لما ترك بعضهم قراءة البسملة في أول
السورة فقطع بأنـها آية ولم ينكر عليه كما ينكر على من
ألحق التعوذ والتشهد بالقرآن فدل على أن ذلك كان
مقطوعا به وحدث الوهم بعده " ( 3 ) .
| |
( 1 ) شعب الإيمان للعلامة البيهقي ج2 ص483-484
ح2330-2341 تحقيق أبي هاجر زغلول ط دار الكتب العلمية
.
( 2 ) المغني و
الشرح الكبير لابن قدامة ج1 ص 524 ط
.دار الكتاب العربي . وذكر البيهقي في
شعب الإيمان
ج2ص438-439 ح2339 ( قال عبد الله بن المبارك : من ترك
بسم الله الرحمن الرحيم في فواتح السور فقد ترك مائة
وثلاث عشرة آية من القرآن ) وفي ح2343 بسند آخر ( وقال
ابن المبارك : من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك
مائة و ثلاث عشرة آية من كتاب الله ).
( 3 ) المستصفى ج1ص104 ط دار صادر ، الأميرية . |
|
|
قال السيد ابن طاووس رضوان الله تعالى عليه ردا على
أبي علي الجبّائي :" ويقال له : إنك ادعيت في تفسيرك
أن {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} ليست
من القرآن ولا ترونـها آية من القرآن ، وهي مائة وثلاث
عشرة آية في المصحف الشريف تزعمون أنـها زائدة وليست
من القرآن ، وأن عثمان هو الذي أثبتها فيه على رأس
السور فصلا بين السورتين ، فهل هذا إلاّ اعتراف منك يا
أبا علي بزيادتكم أنتم في المصحف الشريف زيادةً لم تكن
من القرآن ولا من آيه الكريمة " ( 1 ) .
وقال الفخر الرازي : " وزعم القاضي أبو بكر أنـها من
المسائل القطعية ، قال : والخطأ فيها إن لم يبلغ إلى
حد التكفير فلا أقل من التفسيق ( 2 ) ، واحتج عليه بأن
التسمية لو كانت من القرآن لكان طريق إثباته إما
التواتر أو الآحاد والأول باطل ، لأنه لو ثبت بالتواتر
كون التسمية من القرآن لحصل العلم الضروري بأنـها من
القرآن ، ولو كانت كذلك لامتنع وقوع الخلاف فيه بين
الأمة ، والثاني أيضا باطل ، لأن خبر الواحد لا يفيد
إلا الظن فلو جعلناه طريقا إلى إثبات القرآن لخرج
القرآن عن كونه حجة يقينية ولصار ذلك ظنيا " ( 3 ) .
محاولة الفخر الرازي اليائسة !
مع أن واقعهم يثبت أن الطريق لقرآنية هذه الآية أصبح
ظنيا لكنهم لم يلتزموا بواقعهم المخزي ، لأنه مخزي !
ولكنه الواقع على أي حال ، لذا حاول الفخر الرازي دفع
إشكال القاضي أبي بكر الباقلاني فقال :
" والذي عندي فيه أن النقل المتواتر ثابت بأن
{بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} كلام الله
أنزله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبأنه مثبت
في المصحف بخط القرآن وعند هذا ظهر أنه لم يبق لقولنا
أنه من القرآن أو ليس من القرآن فائدة إلا أنه حصل
فيها أحكام شرعية هي من خواص القرآن مثل أنه هل يجوز
للمحدث مسها أم لا ، ومعلوم أن هذه الأحكام اجتهادية ،
فلما رجع حاصل قولنا
| |
( 1 ) سعد السعود 145 .
( 2 ) يقصد أن هؤلاء العلماء الذين اختلفوا في إثبات
أو نفي البسملة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم لا
يخلو الحكم عليهم إما بالكفر أو الفسق ولا ثالث لهما .
( 3 ) التفسير الكبير ج1ص195 ط البهية ، مصر . |
|
|
أن
التسمية هل هي من القرآن إلى ثبوت هذه الأحكام وعدمها
، وثبت أن ثبوت هذه الأحكام وعدمها أمور اجتهادية ظهر
أن البحث اجتهادي لا قطعي ، وسقط تـهويل القاضي " ( 1
) .
أقول : قام الفخر الرازي هنا بمغالطة وهي إسراء حكم
المتفق عليه إلى محل النـزاع ! ، لأننا نعلم بقرآنية
البسملة في سورة النمل {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ
وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ
الرَّحِيمِ}(النمل/30) ، ومحل النـزاع ليس في أصل
قرآنية البسملة وإنما في خصوص البسملة التي كتبت في
أوائل السور ، فهل هذه جزء من كل سورة أم لا ؟ ، فلا
يقال إن البسملة ثبتت من القرآن بالتواتر ! ، لأن ما
ثبت بالتواتر ليس هو محل النـزاع ، إلا أن يقال بكفاية
ثبوت البسملة في موضع واحد ، وهذا غير مقبول البتة لأن
لازمه أن آيات البسملة هي بالحقيقة آية واحدة ، فنقبل
أن آية { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ} مع
تكررها في سورة الرحمن هي آية واحدة ! .
ثم من قال إن التواتر غاية ما يراد منه إثبات نص الآية
؟ بل نحتاجه لإثبات محل الآية خاصة في البسملة التي
بـها يعلم نـهاية السورة السابقة وبداية السورة
اللاحقة .
أبو حنيفة يحذر من الخوض في البسملة !
وتنبه أبو حنفية ومن تبعه من الأحناف إلى هذه اللوازم
أو قل للمصائب التي تتولد من اختلافهم في جزئية
البسملة فآثروا عدم الخوض فيها بدعوى أن الخوض فيها
يؤول إلى أمر عظيم :
" وقال بعض فقهاء الحنفية : تورع أبو حنفية وأصحابه عن
الوقوع في هذه المسألة لأن الخوض في إثبات أن التسمية
من القرآن أو ليست منه أمر عظيم ، فالأولى السكوت عنه
" ( 2 ) .
ولا ريب أن الأمر العظيم هو إلزام أحد الفريقين بتحريف
القرآن ، وإيثارهم السكوت عنه دليل على الحرج الذي هم
فيه .
مهرب فاضح !
وبعدما تنبه علماؤهم إلى أن هذا الاختلاف نفيا وإثباتا
للآية الكريمة يؤدي على مبانيهم إلى تكفير ثلة كبيرة
من أعاظم علمائهم ، تصيدوا – كالعادة - مهربا يقيهم حر
التكفير وهو :
| |
( 1 ) نفس المصدر . |
( 2 ) التفسير الكبير ج1ص194 ط البهية في مصر . |
|
|
" واعلم أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها ولا من
نفاها لاختلاف العلماء فيها ، بخلاف ما لو نفى حرفاً
مجمعاً عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد فإنه يكفر
بالإجماع " ( 1 ) .
وهذا الكلام غير مقبول ، لأمرين :
1- فيه دور صريح ، لأنه جعل اختلاف العلماء في قرآنية
آية مانعا من الكفر بدليل أنـهم اختلفوا فيها !!
2- إن دليلهم في التكفير ليس الإجماع فقط ، بل معارضة
الآية الكريمة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) والاختلاف في
إثبات آية أو نفيها يلزم منه – بزعمهم - إنكار أحد
الفريقين لمدلول آية الحفظ وهو الكفر !
وعلى أي حال فالشيعة لا يترصدون تكفير الناس بلا ضوابط
من شروط وقيود ، فهذا ديدن غيرهم ولله الحمد .
| |
( 1 ) نيل الأوطار للشوكاني ج2ص208 ط الحلبي الثانية . |
|
|
|