إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 537

ثانيا : التحريف لمفردات الآية الواحدة


كلامنا هنا عن النوع الثاني من تحريف الآيات ، ومجمل القول فيه أن الآيات القرآنية تعرّضت من قبل نفر من سلفهم الصالح كالصحابة والتابعين وتابعيهم للتحريف والتلاعب على المستوى الشخصي ، حيث اتـخذ كل واحد منهم تغيير ألفاظ القرآن سواء بالتبديل أو الزيادة أو النقص دينا ومنهجا يقرأ به ليلا ونـهارا على غير ما أنزله الله عز وجل ويلتمس لذلك الوجوه يبرر بـها اجتهاده في نصوص القرآن وقد مر بعض الكلام عنه .

القراءات الشاذة هي محل بحثنا هنا ، وقلنا سابقا أنـها توصف بالشذوذ عندهم حينما تفقد واحداً من الأركان الثلاثة وهي : صحة الإسناد ووجود وجه للقراءة في قواعد العربية وموافقة رسم المصاحف العثمانية ، وسنقتصر هنا على خصوص ما يفقد ركنا واحدا منها وهو رسم المصاحف العثمانية كأن تختلف معها في حروف الكلمة ، وقد نبهنا سابقا أنه لا يتحقق هذا الاختلاف بنقص في الألفات أو التشكيل أو باختلاف أماكن النقاط لأن المصاحف العثمانية كتبت بالخط القديم المجرد عن النقاط والألفات والحركات الإعرابية ، ولأجل هذا الشرط الذي ذكروه فإن بعض الموارد لا تعد شاذة عندهم .
مثلا من يتخذ هذه القراءة ( ألم نجعل الأرض مهدا ) قرآنا بدلا من {مِهَادًا}(النبأ/6) ، لا تعد من القراءة الشاذة عندهم لأن المصاحف القديمة لم يكن بـها ألفات فيتوافق رسمها مع رسم المصاحف القديمة حيث كانت تكتب في تلك المصاحف بـهذا الشكل ( مهد ) وتُنطق {مِهَادًا} .

وكذلك التنقيط ، فليست من القراءات الشاذة أن يقرأ ( ننشرها ) بدلا من {نُنشِزُهَا}(البقرة/259) أو يقرأ ( فاليوم ننحيك ببدنك ) بدلا من {نُنَجِّيكَ}(يونس/92) لنفس السبب ، وهذا في الواقع تنـزل وتسامح وجريا على مبانيهم ، وإلا فلا شك أنـها تحريف وتغيير للنص القرآني فلا يمكن لرسمٍ معدوم الألفات والنقاط أن يشفع في تغيير ألفاظ وكلمات القراءة المتواترة التي هي عين القرآن المنـزل على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم والتي يسمعها لفظا كل من مشى في طرق المسلمين وأزقتهم !

قلنا إن القراءة الشاذة تحريف لأن صاحب القراءة الشاذة كان يري قرآنية ما يخالف الموجود في دنيا المسلمين ويتخذ من رأيه واستحسانه منبعا لتغير ألفاظ القرآن ومصدرا لكتابته في مصحفه الخاص ، وقد بيّنا في مبحث القراءات بنفس كلمات علماء أهل السنة أن الشاذ تحريف وليس بقرآن ولا يصح الاستدلال به فقها ولا قراءة في الصلاة ، وكان خلاصة كلامهم أن القرآن مما تواتر نقله وما شذ به البعض من الصحابة وغيرهم من قراءات شاذة ليس من القرآن قطعا ، وهنا سنبين أن بعض السلف اتخذ الشاذ دينا وقرآنا في قبال قرآن المسلمين .

- ص 538 -

* دفع دخل :
فإن قيل إن هذا التلاعب بألفاظ القرآن ليس تـحريفا ! لأن الصحابة إنـما اتبعوا ما تواتر في زمنهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكل هذه الأشكال المختلفة من القراءات الشاذة قد تلقوها منه صلى الله عليه وآله وسلم ! ، وهذا الكلام غير صحيح ، لأمور :

1- هذا إدعاء لا دليل عليه ، بل الواقع يشهد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقرأ القرآن بأشكال مختلفة فضلا عن قراءته بالشواذ ، فلم يقرأ كما قرأ ابن مسعود ( وتكون الجبال كالصوف المنفوش ) !

2- دعوى تواتره في زمنهم يكذبه الحال ، إذ لو صح ذلك لما تميز هذا الصحابي دون غيره بقراءته الشاذة .

3- اعتراض السلف بعضهم على بعض في القراءة يدل على عدم كون أشكال القراءة سنة متبعة في نظرهم وإلا كيف يصح اعتراضهم على قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟!

4- استند كثير من الصحابة والتابعين إلى آرائهم الشخصية لتبرير قراءتـهم الشاذة حين اعترض عليها ، ولو كان هناك سند متصل فضلا عن التواتر لقال القارئ إن هذه قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم !

5- لو سلمنا بكل هذا وقلنا إن هذه القراءات الشاذة بأشكالها وألوانـها قد تواترت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند كل من الصحابي والتابعي ، فإن هذا يثبت التحريف من جهة أخرى وهي فقدان ما كان متواترا في عصر الصحابة من قراءات ، فلا مفر من التحريف على كلا النحوين ( 1 ) .

6- يثبت التحريف الصريح لعلماء أهل السنة الذين نفوا قرآنيتها وقالوا إنـها ليست من القرآن بالقطع واليقين لأن القرآن ينقل متواترا لا آحادا وهذه قراءات شاذة آحادية .


* المنهجية في انتقاء متن الروايات الآتية
1- أن تكون القراءة شاذة بمخالفتها لركن واحد وهو رسم المصاحف العثمانية .
2- ألا تحتمل الراوية كون القارئ في مقام التفسير والبيان لمفردات الآية .

  ( 1 ) وقد مر الكلام عنه في مبحث الأحرف السبعة وجمع القرآن .  
 

- ص 539 -

فلا نعول على رواية فيها صيغة ( قرأ ) لإثبات اعتقاد القارئ قرآنية هذا الشاذ المقروء ، كأن يروى هكذا : " سمعت فلانا قرأ الآية بكيت وكيت " ، إذ لا يلزم من ذلك أنـها قراءة خاصة له أو أنه اعتمد ألفاظها كقرآن لاحتمال أنه قرأ بـها على نحو التفسير ولو لمرّة واحدة .

ولا نعول على صيغة ( يقرأ ) إذا ورد في الرواية ما يحتمل أن القارئ لم يقرأها كقرآن ، فمثلا هذه الرواية : " أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن عمرو أنه سمع ابن الزبير يقرأ ( فعسي الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبح الفساق ما أسروا في أنفسهم نادمين ) " ( 1 ) ، ومعلوم أن القرآن هو {فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ}(المائدة/52) من غير زيادة لفظ ( الفساق ) ولكنا لا نجزم بأنـها قراءة اتخذها ابن الزبير قرآنا في قبال لفظ الآية لورود لفط ( سمع ) في الرواية الذي يدل على أن الراوي سمعه مرة يقرأ بـهذا الشكل ولا يدل أنـها قراءته الدائمة ، وإلا لو كانت قراءته الدائمة لكانت من التحريف بالزيادة ، وكشاهد على صحة هذا التفريق ما أردفه الراوي في الرواية السابقة وهو " قال عمرو : ولا أدري كانت قراءته أم فسر ؟ "

فسماع القراءة مرّة واحدة لا يدل على أنـها قراءة اختص بـها القارئ مدعيا قرآنيتها ، لذلك لا نعدها تغييرا في النص القرآني ، وكذاك لا نعتمد على باقي الصيغ التي لا نحرز منـها اعتقاد القارئ قرآنية المتلو .


* لنبدأ :

ولنبدأ باستقراء تلك الموارد على حسب ترتيب آيات القرآن الكريم ، وقد اعتمدنا هنا على التتبع التقليدي لروايات الدر المنثور للعلامة السيوطي ولا ريب أن التفاسير الأخرى كالطبري والبحر المحيط لأبي حيان وغيرهما من كتب القراءات الشاذة وكتب المصاحف لابن الأنباري وابن أبي داود وغيرهما تحوي ما لا يحويه الدر المنثور ولكن لئلا يطول بنا المقام اكتفينا بعمل السيوطي ، وهو ليس بالقليل .

لمتابعة القراءات الشاذة اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 1 ) الدر المنثور للسيوطي ج2 ص292 . ط دار المعرفة .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب