إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 570

* أفلَم يتبيّن !

" أخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ( أ فلم يتبين الذين آمنوا ) فقيل له إنـها في المصحف {أَفَلَمْ يَيْئَسْ}(الرعد/31). فقال : أظن الكتاب كتبها وهو ناعس " .

أقول : هذه الرواية إنما وردت عند ابن جرير بـهذا اللفظ : " عن عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرؤها ( أفلم يتبيّن الذين آمنوا ) قال : كتب الكاتب الأخرى وهو نـاعـس ." ( 1 )

" أخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه أنه كان يقرأ ( أفلم يتبين الذين آمنوا ) ".
" أخرج أبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه {أفَلَمْ يَيْئَسْ} أ فلم يعلم . ومن الناس من يقرؤها ( أفلم يتبين ) " ( 2 ).

قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري : " ومن طريق ابن جريج قال : زعم ابن كثير وغيره أنـها القراءة الأولى ، وهذه القراءة جاءت عن علي وابن عباس وعكرمة وابن أبي مليكة وعلي بن بديمة وشهر بن حوشب ، وعلي بن الحسين وابنه زيد وحفيده جعفر بن محمد – عليهم السلام- في آخرين قرأوا كلهم ( أفلم يتبيّن ) " ( 3 ) .

وواضح أن ما ذكره ابن عباس هو تحريف صريح للقرآن الكريم ، لأن كاتب المصحف في زمن عثمان كتب الآية وهو ناعس مخالفا لما أنزله الله ، ومازال هذا التحريف إلى يومنا هذا على ما أخطأ به الكاتب .

" أخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله ( كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت في الأرض ) وكذلك كان يقرؤها " ( 4 ) ، وهي في القرآن هكذا {أَلَمْ تَرَى كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}(إبراهيم/24).

" أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : أمر الذي حاج إبراهيم-إلى قوله- فذلك قولهم {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}(إبراهيم/46). وهي في قراءة عبد الله بن مسعود ( وان كاد مكرهم ) " ( 5 ) .

  ( 1 ) تفسير الطبري ج18ص136 ، من المؤكد أن كثيرا من الموارد التي نقلناها عن الدر المنثور تتغاير مع ما في أصولـها ، خاصة وأن السيوطي ينقل الرواية عن أكثر من مصدر ومقتضى الحال اختلاف ألفاظ الروايات فيسهل عليه حينئذ اعتماد وتدوين أخف الروايات نكارة وشذوذا في المتن ، والمصادر التي أخذ منها السيوطي الروايات ليست كلها في متناول اليد .
( 2 ) ن.م ص63.
 
( 3 ) فتح الباري شرح صحيح البخاري ج 8 ص 475 . ( 4 ) الدر المنثور ج4 ص70. ( 5 ) ن.م ص90.
 

- ص 571 -

" أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه أنه كان يقرؤها ( من قطر ) قال : من صفر يحمى عليه آن ، قال : قد انتهى جره " ( 1 ) ، وهي في القرآن هكذا {مِنْ قَطِرَانٍ}(إبراهيم/50).

" أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة أن أبا عياض كان يقرؤها والخيل ( وحشية فذللها الله لإسماعيل بن إبراهيم ) " ( 2 ) ، وهي في القرآن هكذا {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(النحل/8).
 

* منكم جائر ‍!

" أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ}(النحل/9). قال : على الله بيان حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته . {وَمِنْهَا جَائِرٌ} قال : على السبيل ناكب عن الحق وفي قراءة ابن مسعود ( ومنكم جائر )" .

" أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن علي أنه كان يقرأ هذه الآية ( فمنكم جائر) " ( 3 )، وهي في القرآن هكذا {وَمِنْهَا جَائِرٌ}(النحل/9).

" أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن هارون قال : في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ( وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه يقرؤه يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا )" ( 4 ) ، وهي في القرآن هكذا {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا}(الإسراء/13).
 

* ووصّى ربك !

هذه الآية الكريمة {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(الإسراء/23) التي ندر من لا يحفظ نصّها من المسلمين لكثرة ترديد الوعاظ لها نجد أن أكابر الصحابة وعلماء القرآن من سلفهم الصالح يتجاهرون بوقوع التحريف فيها بسبب ما أخطأ به كتّاب القرآن الذين حرّفوا نصّها

  ( 1 ) ن.م ص92 . ( 2 ) ن.م ص111. ( 3 ) ن.م ص112. ( 4 ) ن.م ص168.  
 

- ص 572 -

وغيروا لفظها ! وسنقتصر في هذا المقام على الروايات الحاكية عمن كان يقرأها محرفة ، وسيأتي الكلام بإذنه تعالى في التحريف الصريح :
" أخرج الطبراني عن الأعمش قال : كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقرأ ( ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) ".
" أخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت رضي الله عنه قال : أعطاني ابن عباس رضي الله عنهما مصحفا فقال :هذا على قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه فرأيت فيه ( ووصى ربك ) ".
" أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال : في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ( ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه ) " ( 1 ) .

" أخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أبي بن كعب رضي الله عنه إنه قرأ ( ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا إلا من تاب فإن الله كان غفورا رحيما ) فذكر لعمر رضي الله عنه فأتاه فسأله ، فقال : أخذتـها من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وليس لك عمل إلا الصفق بالبقيع ! " ، وهي في القرآن هكذا {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً}(الإسراء/32).

" أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الكسائي قال : هي في قراءة أبي بن كعب ( فلا تسرفوا في القتل إن وليه كان منصورا ) " ( 2 ) ، وهي في القرآن هكذا {فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا}(الإسراء/33).

" أخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد رضي الله عنه قال : لم أكن أحسن ما الزخرف حتى سمعتها في قراءة عبد الله {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ}(الإسراء/93). قال :( من ذهب )" ( 3 ) ، يقصد أن هذا المقطع من الآية كان هكذا ( أو يكون لك بيت من ذهب ) في قراءة ابن مسعود .

  ( 1 ) ن.م ص171 . ( 2 ) ن.م ص181. ( 3 ) ن.م ص203.  
 

-  ص 573 -

" أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أبي رزين رضي الله عنه قال : في قراءة عبد الله بن عمر ( ولا تخافت بصوتك ولا تعال به )" ( 1 ) ، وهي في القرآن هكذا {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً}(الإسراء/110).

" أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : في حرف ابن مسعود ( وقالوا لبثوا في كهفكم ) الآية ، يعني إنما قاله الناس ألا ترى أنه قال : {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا}(الكهف/26) ! " ( 2 ) .
مازال باب الاجتهاد مفتوحا في القراءات ! ولا أدري أين قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اجتهادات هؤلاء ؟! وعلى أي حال هي في القرآن هكذا {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ}(الكهف/25).

" أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه{وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ}(الكهف/16). قال : هي في مصحف ابن مسعود ( وما يعبدون من دون الله ) فهذا تفسيرها " ( 3 ) .

أقول : لا يتوهم أن جملة ( فهذا تفسيرها ) دليلٌ على أن هذا التغيير كان مجرد تفسير للآية ، فالظاهر أن قتادة فسر الآية بـهذا المعنى لأن قراءة ابن مسعود لها كانت بـهذا الشكل ، ويتضح ذلك أكثر عند ملاحظة تبديل مفردات الآية في المصحف بـمفردات أخرى والتفسير إنما يكون بالزيادة لا مع حذف الآية وتبديل مفرداتـها ، والأمر سهل كما قلنا فلا نطيل لإثبات مورد وموردين مع وجود مئات الموارد الأخر التي تثبت تلاعب سلفهم الصالح بالقرآن .

" أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال : هي في مصحف عبد الله ( فخاف ربك إن يرهقهما طغيانا وكفرا )" ( 4 ) ، وهي في القرآن هكذا {وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}(الكهف/80).

  ( 1 ) ن.م ص208. ( 2 ) ن.م ص214. ( 3 ) ن.م ص216. ( 4 ) ن.م ص229.  
 

- ص 574 -

* سفينة صالحة !

" أخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال : جلست عند ابن عباس –إلى أن يقول ابن عباس- في قراءة أبي بن كعب ( كل سفينة صالحة ) " ( 1 ) ، ثم ذكر السيوطي نفس الرواية من وجه آخر .

" أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يقرأ ( وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ) " ، أقول : إن كانت قراءة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تخالف قراءتنا فلا خير في قراءتنا إذن !

" أخرج ابن الأنباري عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قرأ ( يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ) ".
" أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : كانت تقرأ في الحرف الأول ( كل سفينة صالحة غصبا ) قال : وكان لا يأخذ إلا خيار السفن ".
" أخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي الزاهرية قال : كتب عثمان ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ) " ( 2 ) .
" أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال : إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال : سلوني ، قلت : أي أبا عباس جعلني الله فداءك ، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل –إلى قوله- : وكان ابن عباس يقرأ ( وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ) " ( 3 ) .

واضح من الرواية السابقة أن ما قاله سعيد بن جبير كان متأخرا عن زمن توحيد المصاحف في عهد عثمان ، لأن سعيد بن جبير وُلد في دولة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام كما قاله الذهبي في سير أعلام النبلاء : " وكان قتله في شعبان سنة خمس وتسعين ، ومن زعم أنه عاش تسعا وأربعين سنة لم يصنع شيئا ،

  ( 1 ) ن.م ص232. ( 2 ) ن.م ص237. ( 3 ) ن.م ص230.  
 

- ص 575 -

وقد مر قوله لابنه : ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين . فعلى هذا يكون مولده في خلافة أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه " ( 1 ) .
فلا يستفاد من رواية قتادة أنـهم كفوا عن قراءة هذه الزيادة بعد توحيد المصاحف في زمن عثمان ، وقول قتادة إن هذه الزيادة كانت في الشكل الأول للقرآن غير صحيح ( 2 ) ، وعلى أي حال فما أنزله الله عز وجل قرآنا هو {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}(الكهف/79-80).

" أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : في قراءة أبي ( وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكر له ) " ( 3 ) ، وهي في القرآن هكذا {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ}(الكهف/63).
 

* كان كافرا و أبواه مؤمنين ‍‍!

" أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة قال : حرف أبي ( و أما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ) " ( 4 ) .
" أخرج البخاري ومسلم و الترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال : إنا لعند ابن عباس في بيته - إلى قوله -

  ( 1 ) سير أعلام النبلاء ج4ص341 ط مؤسسة الرسالة .
( 2 ) قلنا سابقا أن سبب هذه المعمعة هو ابتعادهم عن مناهل الوحي وبيوت العصمة عليهم السلام الذين بينوا في بعض روايتـهم أن هذه الزيادة وغيرها كانت من قبيل التنـزيل الذي نزل من السماء ، ولكن بعض الصحابة كان يتمسك بكل ما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله سلم حرفيا من غير تفريق بين ما هو قرآن وما هو تفسير اقترن بالقرآن فوقع الاشتباه عند بعض الصحابة ، وأتعب أهل السنة أنفسهم في تخريج تلك الموارد وإلا فروايات أهل البيت عليهم السلام واضحة في أن هذه الزيادة (صالحة) هي من التنـزيل لا من القرآن ، وأهل مكة أدرى بشعابـها

فقد روى الكشي رضوان الله تعالى عليه في رجاله بسند معتبر ما يصرح به الإمام أن تلك الزيادة تفسيرية أنزلت من عند الله عز وجل : " عن عبد الله بن زرارة قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : أقرأ مني على والدك السلام –إلى قوله- فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك ، ويكون بذلك منا دفع شرهم عنك ، يقول الله عز وجل : {أَمّا السَّفينَةُ فَكانَتْ لِمَساكينَ يَعْمَلونَ في الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ غَصْبا ً} ، هذا التنـزيل من عند الله : ( صالحة ) "

ومن نظر بتأمل في بعض ما روي من القراءات الشاذة للصحابة لا يخـفى عليه الدور الخطير الذي لعبه للتنـزيل في هذه المسألة إذ كان بعض الصحابة يقرؤه كقرآن منـزل بلا فرق ، وكونه من التنـزيل يصحح ما نسبه بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قرأ بـهذه الزيادة كما في الرواية الأولى ، وقد تكلمنا عن التنـزيل بما فيه الكفاية في أول الأبحاث فراجع .

 
( 3 ) ن.م ص236. ( 4 ) ن.م ص237.
 

- ص 576 -

وكان يقرأ ( وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين ) " ( 1 ) . وهي في القرآن هكذا {وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا}(الكهف/80).
 

* عين حامية !

هذه من الروايات التي تصور كعب الأحبار الذي ملأ دنيا الإسلام بالإسرائيليات بصورة المتصدي لتصحيح قراءة المسلمين ، فيقيس القرآن بتوراة اليهود ! وأعجب منه أن ابن أبي سفيان ، معاوية ، كان ممن يقرأ القرآن ! بل ويهتم بقراءاته أيضا !

" أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عثمان بن أبي حاضر أن ابن عباس رضي الله عنهما ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف ( تغرب في عين حامية ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : فقلت لمعاوية رضي الله عنه ما نقرؤها {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}(الكهف/86). فسأل معاوية عبد الله بن عمرو : كيف تقرؤها ؟ فقال عبد الله : كما قرأتـها ! قال ابن عباس رضي الله عنهما : فقلت لمعاوية في بيتي نزل القرآن " ( 2 ) .

" أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}(الكهف/86). قال كعب رضي الله عنه : ما سمعت أحدا يقرؤها كما هي في كتاب الله غير ابن عباس فإنا نـجدها في التوراة تغرب في حمئة سوداء ".

" أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خالفت عمرو بن العاص عند معاوية في حمئة وحامية وقرأتـها {فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ}(الكهف/86). فقال عمرو ( وحامية ) فسألنا كعبا فقال : إنـها في كتاب الله المنـزل تغرب في طينة سوداء " ( 3 ) .
 

* صوما صمتا !

" أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه عن أنس بن مالك أنه كان يقرأ ( إني نذرت للرحمن صوما صمتا ) ".

وكشاهد نذكر " أخرج عبد بن حميد وابن الأنباري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأها ( إني نذرت للرحمن صوما صمتا ) وقال ليس إلا أن حملت فوضعت " ( 4 ) .

  ( 1 ) ن.م ص230. ( 2 ) ن.م ص240. ( 3 ) ن.م ص248. ( 4 ) ن.م ص269.  
 

- ص 577 -

" أخرج ابن الأنباري عن الشعبي قال : في قراءة أبي بن كعب ( إني نذرت للرحمن صوما صمتا )" ( 1 ) ، وما أنزله الله عز وجل قرآنا هو{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}(مريم/26) ، نعم هذا من التنـزيل الذي نزل مع القرآن وكان سببا لاختلاط الأمر على بعض الصحابة إذ حسبوه كغيره من ألفاظ القرآن .

" أخرج ابن أبي حاتم عن أبي بكر بن عياش قال : في قراءة أبي ( قالوا يا ذا المهد ) " ( 2 ) ، وهي في القرآن هكذا {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا}(مريم/29-30).

" أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة إنه قرأ ( و إن منهم إلا وادها ) قال : وهم الظلمة كذلك كنا نقرؤها" ( 3 ) ، وهي في القرآن هكذا {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا}(مريم/71).

" أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حبيب بن أبي ثابت قال : في حرف أبي ( قل من كان في الضلالة فانه يزيده الله ضلالة ) " ( 4 ) ، وهي في القرآن هكذا {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمانُ مَدًّا}(مريم/75).

" أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله{وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ}(مريم/80). قال : ما عنده هو قوله{لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا}(مريم/77). وفي حرف ابن مسعود ( ونرثه ما عنده و يأتينا فردا لا مال له ولا ولد ) " ( 5 ) ، وهي في القرآن هكذا {أفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا أ اطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَانِ عَهْدًا كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنْ الْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا}(مريم/77-80).

  ( 1 ) ن.م ص270. ( 2 ) ن.م ص270. ( 3 ) ن.م ص282. ( 4 ) ن.م ص283 ( 5 ) ن.م ص284.  
 

- ص 578 -

" أخرج الترمذي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما قفل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من خيبر أسري ليلة–إلى قوله- {وَأَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي}(طه/14). وكان ابن شهاب –الزهري- يقرؤها ( للذكرى ) " ( 1 ) .
 

* أخفيها من نفسي !

" أخرج ابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن عباس رضي الله عنه عنهما إنه قرأ ( أكاد أخفيها من نفسي ) يقول : لأنـها لا تخفى من نفس الله أبدا " .

أقول : هذا ما يفعله الاجتهاد والرأي في نصوص القرآن ! وواضح هنا في أن علة انتخاب هذه القراءة ليس التوقيف بل الاجتهاد والرأي وههنا هو اعتقاد القارئ بعلم الله عز وجل بكل شيء ، فأين التوقيف من هذه القراءات كما يزعم أهل السنة ؟!

" أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال : ليس من أهل السموات والأرض أحد إلا قد أخفى الله عنه علم الساعة وهي في قراءة ابن مسعود ( أكاد أخفيها من نفسي ) يقول : أكتمها من الخلائق حتى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت " .

" أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال : في بعض القراءة ( أكاد أخفيها من نفسي ) قال : لعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين ومن الأنبياء والمرسلين " ،
وهي في القرآن هكذا {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}(طه/15) ، ثم تأتينا رواية تزيد الطين بلة وهو اجتهاد من سيد القراء يزيد به هذا المقطع ( فكيف أطلعكم عليها ) للآية :
" أخرج ابن الأنباري عن الفراء قال : في قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه ( أكاد أخفيها من نفسي فكيف أطلعكم عليها )" ! ( 2 ) .

" أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال : في بعض القراءة ( لنذبحنه ثم لنحرِقنه ) خفيفة قال قتادة : وكان له لحم ودم " ( 3 ) ، وهي في القرآن هكذا {وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا}(طه/97).

  ( 1 ) ن.م ص293-294. ( 2 ) ن.م ص294. ( 3 ) ن.م ص307.  
 

- ص 579 -

" أخرج عبد ابن حميد عن الضحاك رضي الله عنه {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}(الأنبياء/33). قال : يجرون قال : وكان عبد الله يقرأ ( كل في فلك يعملون )" ( 1 ) .

" أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {حَصَبُ جَهَنَّمَ}(الأنبياء/98). قال : حطبها ، قال : في بعض القراءة ( حطب جهنم ) من قراءة عائشة " ( 2 ) .

لمتابعة القراءات الشاذة اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 1 ) ن.م ص318. ( 2 )  ن.م ص339.  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب