إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 605

إمام الأحناف يـختمها مسكا !

إن كان الصحابة وسلفهم الصالح قد أكثروا من التلاعب بالقرآن الكريم فإن أبا حنيفة زاد في الطنبور نغمة بل نغمات حين حكم بجواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة بدعوى أن القرآن كما هو عربي كذلك هو فارسي أي أن ترجمته الفارسية تكون قرآنا ! ومعلوم أن الحكم بقرآنية ما ليس موجودا في مصحفنا هو تحريف للقرآن بالزيادة .
قال الشيخ الشعراني في الميزان :" ومن ذلك قول أبي حنيفة إنه إن شاء المصلي قرأ بالفارسية وإن شاء قرأ بالعربية " ( 1 ) .

وزعم أبو حنفية أن القرآن كما أنه عربي كذلك يكون فارسيا بشرط التقييد بمضامينه ! ، قال ابن حجر في الفتاوى الحديثية : " وقد أخذ أبو حنيفة قوله بجواز قراءة القرآن بغير العربية من هذه الآية {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ}(الشعراء/196) قال : لأن القرآن مضمن في الكتب السابقة وهي بغير العربية " ( 2 ) .

قال الإمام القرطبي : " أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة وهي أن يؤدي القارئ المعاني على كمالها من غير أن يخرم منها شيئا ، قالوا وهذه الشريطة تشهد أنـها إجازة كلا إجازة لأن في العرب خصوصا في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه من لطائف المعاني والأغراض مالا يستقل بأدائه لسان من فارسية وغيرها وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر " ( 3 ) .

وقال المناوي في فيض القدير : " وفي الحديث إشعار بأنه لا يجوز قراءة القرآن بغير اللسان العربي ، فهو رد على أبي حنيفة في إجازته ذلك " ( 4 ) .

وقال الشيباني في المبسوط : " وقال أبو حنيفة : إن افتتح الصلاة بالفارسية وقرأ بـها وهو يحسن العربية أجـزأه " ( 5 ) .

  ( 1 ) الميزان ج1ص143.
( 2 ) الفتاوى الحديثية ص132.
( 3 ) تفسير القرطبي ج16ص149.
( 4 ) فيض القدير ج1ص178.
( 5 ) المبسوط للشيباني ج1ص15.
 
 

- ص 606 -

وقال في موضع آخر : " قلت : أرأيت رجلا قرأ بالفارسية في الصلاة وهو يحسن العربية ، قال : تجزيه صلاته . قلت : وكذلك الدعاء ؟ قال : نعم ، وهذا قول أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : إذا قرأ الرجل في الصلاة بشيء من التوراة أو الإنجيل أو الزبور وهو يحسن القرآن أو لا يحسن إن هذا لا يجزيه لأن هذا كلام ليس بقرآن " ( 1 ) ، وقول أبي يوسف ومحمد بن الحسن يخالف قول الكاساني الحنفي في بدائع الصانع الآتي ذكره .

الـمحلى لابن حزم : " ومن كانت لغته غير العربية جاز له أن يدعو بـها في صلاته ، ولا يجوز له أن يقرأ بـها ومن قرأ بغير العربية فلا صلاة له . وقال أبو حنيفة : من قرأ بالفارسية في صلاته جازت صلاته . قال علي – ابن حزم- : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن ، وقال الله تعالى {قُرآنًا عَرَبِيًّا}(الزمر/28) وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}(إبراهيم/4).

فصح أن غير العربية لم يرسل به الله تعالى محمدا عليه السلام ولا أنزل به عليه القرآن فمن قرأ بغير العربية فلم يقرأ ما أرسل الله تعالى به نبيه عليه السلام ولا قرأ القرآن بل لـعب بصلاته فلا صلاة له إذ لم يصل كما أمر ، فإن ذكروا قول الله تعالى {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ}(الشعراء/196) قلنا نعم ذكر القرآن والإنذار به في زبر الأولين ، وأما أن يكون الله تعالى أنزل هذا القرآن على أحد قبل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فباطل وكذب ممن ادعى ذلك ، ولو كان هذا ما كان فضيلة لرسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ولا معجزة له وما نعلم أحدا قال هذا قبل أبي حنيفة " ( 2 ) .

ونعيد بعض كلام ابن حزم الذي ذكرناه في مبحث الأحرف السبعة : " فكيف يسوغ للجهال المغفلين أو الفساق المبطلـين ، أن يقولوا : إنه عليه السلام كان يجيز أن توضع في القرآن مكان ( عَزيزٌ حكيم ٌ) ( غفورٌ رحيمٌ ) أو ( سميعٌ عليمٌ ) وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا ، والله يقول مخبراً عن نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم : {مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي}(يونس/15).

ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى ، أم كيف يسوغ لأهل الجهل والعمى – يقصد أبا حنيفة وأتباعه – إباحة القراءة المفروضة في الصلاة بالأعجمية مع ما ذكرنا ومع إجماع الأمة على أن إنسانا لو قرأ أم القرآن فقدم آية على أخرى أو قال : الشكر للصمد مولى الخلائق وقال هذا هو القرآن لكان

  ( 1 ) ن.م ج1ص252-253. ( 2 ) المحلى لابن حزم ج4ص159.  
 

- ص 607 -

كافرا بإجماع ( 1 ) ، ومع قوله تعالى {لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ}(النحل/103) ؟ ففرق الله تعالى بينهما وأخبر أن القرآن إنما هو باللفظ العربي لا بالعجمي ، وأمر بقراءة القرآن في الصلاة فمن قرأ بالأعجمية فلم يقرأ قرآنا بلا شك ".

وقال : " وبلا خلاف من أحد من الأمة أن القرآن معجزة وبيقين ندري أنه إذا ترجم بلغة أعجمية أو بألفاظ عربية غير ألفاظه ، فإن تلك الترجـمة غير معجزة ، وإذ هي غير معجزة فليست قرآناً ومن قال فيما ليس قرآنا إنه قرآن فقد فارق الإجماع وكذب الله تعالى ، وخرج عن الإسلام إلا أن يكون جاهلا ومن أجاز هذا وقامت عليه الحجة ، ولم يرجع فهو كافر مشرك مرتد حلال الدم والمال ، لا نشك في ذلك أصلا " ( 2 ) .

وركب بعض الأحناف الصعب مع أبي حنيفة ، والغريب أن منهم من انبرى لإثبات أن القرآن تجوز قراءته بالفارسية في الصلاة بشرط حكاية معانيه ومضامينه انتصارا لما هرّج به أبو حنيفة ، قال الكاساني الحنفي في بدائع الصانع :
" ثم الجواز كما يثبت بالقراءة بالعربية يثبت بالقراءة الفارسية عند أبي حنيفة سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن ".

وقال : " وأبو حنيفة يقول إن الواجب في الصلاة قراءة القرآن من حيث هو لفظ دال على كلام الله تعالى الذي هو صفة قائمة به لما يتضمن من العبر والمواعظ والترغيب والترهيب والثناء والتعظيم لا من حيث هو لفظ عربي ، ومعنى الدلالة عليه لا يختلف بين لفظ ولفظ قال الله {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ}(الشعراء/196). وقال {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}(الأعلى/18-19). ومعلوم أنه ما كان في كتبهم بـهذا اللفظ بل بـهذا المعنى ".
وقال متماديا في غيه :" ولو قرأ شيئا من التوراة أو الإنجيل أو الزبور في الصلاة إن تيقن أنه غير محرف يجوز عند أبي حنيفة لما قلنا " ( 3 ).

هاهو القرآن تلاعب به سلفهم الصالح مع كونه عربيا ، ثم انبرى إمامهم أبو حنيفة لينـزع عربيته ويصيره فارسيا أيضا ! بل ويمكن أن تقرأ به فارسيا في عمود الدين ! ولا ندري بماذا يأتينا الدهر ! ( 4 ) ، ونحمد الله أن أبا حنيفة هذا لم يكن شيعيا وإلا لرمي بالشعوبية والتعصب لفارس !

  ( 1 ) على هذه الضابطة يجب تكفير ابن مسعود وعمر وأبي الدرداء وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة وحفصة لأن كلا منهم ادعى قرآنية الجمل الزائدة الغريبة التي جاء بـها .
( 2 ) الإحكام في أصول الأحكام ج1ص220-222 ط دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى .
( 3 ) بدائع الصانع ج1ص329-330.
( 4 ) ولذكر الصلاة عند الأحناف ننقله ما كتبه الذهبي في سير أعلام النبلاء ج17ص486-487: ( وذكر إمام الحرمين أن محمود بن سبكتكين كان حنفيا يحب الحديث فوجد كثيرا منه يخالف مذهبه فجمع الفقهاء بمرو وأمر بالبحث في أيما أقوى مذهب أبي حنيفة أو الشافعي ، قال : فوقع الاتفاق على أن يصلوا ركعتين بين يديه على المذهبين ، فصلى أبو بكر القفال بوضوء مسبغ وسترة وطهارة وقبلة وتمام أركان لا يجوز الشافعي دونـها ثم صلى صلاة على ما يجوزه أبو حنيفة فلبس جلد كلب مدبوغا قد لطخ ربعه بنجاسه وتوضأ بنبيذ فاجتمع عليه الذبان وكان وضوءا منكسا ثم كبر بالفارسية وقرأ بالفارسية "دوبركك سبز" ، ونقر ولم يطمئن ولا رفع من الركوع وتشهد ، وضرط بلا سلام ! فقال له : إن لم تكن هذه الصلاة يجيزها الإمام قتلتك فأنكرت الحنفية الصلاة فأمر القفال بإحضار كتبهم فوجد كذلك فتحول محمود شافعيا هكذا ذكره الإمام أبو المعالي بأطول من هذا ).
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب