إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 621

عبد الله بن مسعود

لو أردنا الوقوف عند كل ما نسبته روايات أهل السنة لابن مسعود مما له علاقة بالتحريف لطال بنا المقام ولكنا سنقتصر هنا على المهم كإنكاره قرآنية المعوذتين وبعضا آخر .

* القرآن حرف بإدخال عوذتين فيه !

جاهر ابن مسعود بنفي قرآنية المعوذتين ، ودعا غيره من الصحابة والتابعين لنبذهما عن المصحف وحذفهما منه بقوله ( لا تخلطوا فيه ما ليس منه ! ) وكان يحكهما من المصحف ، فهو في الواقع محرف للقرآن لأنه أنقص منه سورتين ، والمسلمون في نظره حرّفوا القرآن بزيادة عوذتين فيه .

وصحة هذه النسبة لابن مسعود لا يمكن الشك فيها بعد وضوحها وشياعها حتى وردت في كتب الشيعة أيضا ( 1 ) ، وقد سبق ذكر بعض الروايات من مصادر أهل السنة ، ولا بأس بالتذكير بـها ، مع الزيادة :

" عن عبد الرحمن بن يزيد قال : رأيت عبد الله يحك المعوذتين ويقول : لِم تزيدون ما ليس فيه ؟! "

" عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن عن عبد الله أنه كان يحك المعوذتين من مصحفه فيقول : ألا خلطوا فيه ما ليس فيه ! ".

" عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله أنه كان يحك المعوذتين من المصحف يقول : ليستا من كتاب الله " ( 2 ) .

  ( 1 ) بل ان السيد السيستاني حفظه الله وسدد خطاه قد ألمح - بنظري القاصر - للمصيبة التي حلت بالمعوذتين في رسالته العملية منهاج الصالحين مسألة رقم 632 ( يجوز تكرار الآية والبكاء وتجوز قراءة المعوذتين في الصلاة وهـما من القرآن ) .
( 2 ) المعجم الكبير ومجمع الزوائد لابن حجر ج7ص149 علق عليه ابن حجر : ( رواه عبد الله بن أحمد والطبرانى ورجال عبد الله رجال الصحيح ورجال الطبرانى ثقات ).
 
 

- ص 622 -

" عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود أنه كان يقول : لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه ! فإنما هما معوذتان تعوذ بـهما النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس وكان عبد الله يمحوهما من المصحف ".

" عن علقمة عن عبد الله أنه كان يحك المعوذتين من المصاحف ويقول : إنما أمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يتعوذ بـهما ولم يكن يقرأ بـهما " ( 1 ) .

" وعن زر قال قلت لأبي : إن أخاك يحكهما من المصحف ! قيل لسفيان بن مسعود : فلم ينكر قال : سألت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : قيل لي فقلت : فنحن نقول كما قال رسول الله " ( 2 ) .

" وعن عبد الله أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول : إنما أمر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يتعوذ بـهما وكان عبد الله لا يقرأ بـهما " ( 3 ) .

" عن زر بن حبيش قال لقيت أبي بن كعب فقلت له : إن ابن مسعود كان يحك المعوذتين من المصاحف ويقول إنـهما ليستا من القرآن فلا تجعلوا فيه ما ليس منه ! قال أبي : قيل لرسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فقال لنا فنحن نقول " ( 4 ) .

" أخرج أحمد والبزار والطبراني وابن مردويه من طرق صحيحة عن ابن عباس وابن مسعود أنه كان يحك المعوذتين من المصحف ويقول : لا تخلطوا القرآن بما ليس منه إنـهما ليستا من كتاب الله إنـما أمر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يتعوذ بـهما ، وكان ابن مسعود لا يقرأ بـهما .

  ( 1 ) المعجم الكبير للطبراني ج9ص234-235ح9148-9152 .
( 2 ) مجمع الزوائد للهيثمي ج7ص149 ، علق عليه الهيثمي ( قلت هو في الصحيح – صحيح البخاري - خلا حكهما من المصحف ، رواه أحمد والطبرانى ورجال أحمد رجال الصحيح ).
( 3 ) ن.م ، علق عليه ابن ججر ( رواه البزار والطبرانى ورجالهما ثقات ).
( 4 ) موارد الظمآن ج1ص435ح1756، السنن المأثورة ج1ص168ح94، مصنف ابن أبي شيبة ج6ص146 وما بعدها .
 
 

- ص 623 -

قال البزار : لم يتابع ابن مسعود أحد من الصحابة وقد صح عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أنه قرأ بـهما في الصلاة وأثبتتا في المصحف " ( 1 ) .

ويكفينا إخراج البخاري لذلك في صحيحه : "حدثنا عاصم عن زر قال : سألت أبي بن كعب ، قلت : يا أبا المنذر ! إن أخاك بن مسعود يقول : كذا وكذا !! ، فقال أبي : سألت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فقال لي : قيل لي ، فقلت . قال : فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم " ( 2 ) .

وتسليم علماء أهل السنة بموقف ابن مسعود من المعوذتين لا يخفى على أحد وسنذكر كلماتـهم في هذا المجال بإذنه تعالى ، وكل من حاول منهم تأويل موقفه أو تخريجه بوجه مقبول فقد سلّم ضمنا إنكاره للمعوذتين .

أما مصادر الشيعة الإمامية ففي الوسائل : " عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل عن المعوذتين أهما من القرآن ؟ فقال الصادق عليه السلام : هما من القرآن . فقال الرجل : إنـهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ولا في مصحفه فقال أبو عبد الله عليه السلام : أخطأ ابن مسعود ، أو قال : كذب ابن مسعود ، وهما من القرآن . فقال الرجل : فأقرأ بـهما في المكتوبة ؟ فقال : نعم " ( 3 ) .

" عن أبي بكر الحضرمي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام : إن ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف . فقال : كان أبي يقول : إنما فعل ذلك ابن مسعود برأيه وهما من القرآن "  ( 4 ) .

والمشكلة أن روايات أهل السنة المخرجة في الصحاح تقول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أوصى الصحابة بأن يتعلموا القرآن من ابن مسعود ! وأنه قال لـهم (وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه) ( 5 ) ، وهو المرجع الوحيد للعرضة الأخيرة للقرآن وعلى حد تعبير ما صح عن ابن عباس أنه قد ( عَلِم ما نُسخ وما بُدّل ) !!

  ( 1 ) الدر المنثور ج4ص416.
( 2 ) صحيح البخاري ج4ص1904ح4693 ، ح4692.
( 3 ) وسائل الشيعة للحر العاملي رضوان الله تعالى عليه ج4ص786 .
( 4 ) ن.م ج4ص787.
( 5 ) صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني ج1ص254ح1144 ط المكتب الإسلامي .
 
 

- ص 624 -

النتيجة : إما أن قرآن المسلمين محرف ويجب الأخذ بقول ابن مسعود كما تفيده أدلتهم ، وإما أن ابن مسعود قال بتحريف القرآن ، ويقول الوهابيون إن من قال بتحريف القرآن كافر بلا قيد أو شرط ، فيلزمهم تكفير الصحابي ابن مسعود !

* السورة ناقصة !

أخرج ابن الأنباري في المصاحف : " قال عبد الله بن مسعود : اكتبوا ( والعصر إن الإنسان ليخسر وإنه فيه إلى آخر الدهر ) فقال عمر : نـحّوا عنا هذه الأعرابية " ( 1 ) .

وعلى هذا كيف نجمع بين ما أخرجه البخاري ومسلم من أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة أي يستقرئوا ابن مسعود القرآن وبين رفض عمر شهادته وردّه خائبا ؟! ، فهل هذا اقتفاء لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟! ، فإن قيل إن فعل عمر صحيح لأن تلك الزيادة لست من القرآن ! فنقول نعم صحيح ، وهذا يعني أن روايات البخاري باستقراء ابن مسعود القرآن غير صحيحة !
 

* الآية ليست هكذا !

" أخرج عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري والطبراني من طرق عن ابن مسعود انه كان يقرأ ( فامضوا إلى ذكر الله ) قال : ولو كانت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي !" ( 2 ) .

قال ابن عبد البر في التمهيد : " وأما (فامضوا إلى ذكر الله) فقرأ به عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو العالية وأبو عبد الرحمن السلمي ومسروق وطاووس وسالم بن عبد الله وطلحة بن مصرف " ( 3 )، وقال :" نحو قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود رحمهما الله ( فامضوا إلى ذكر الله )" ( 4 ) .

  ( 1 ) الدر المنثور ج1ص303 ، السند فيه سليمان بن أرقم وهو ضعيف ، وهذا لا يضرنا كما نبهنا عليه سابقا .
( 2 ) ن.م ج6ص219 .
( 3 ) التمهيد لابن عبد البر ج8ص298.
( 4 ) ن.م ج4ص278.
 
 

- ص 625 -

وقال ابن كثير : " وكان عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما يقرآنـها ( فامضوا إلى ذكر الله ) " ( 1 ) .

وقال الثعالبي : " قراءة عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجماعة من التابعين ( فامضوا إلى ذكر الله ) ، وقال ابن مسعود لو قرأت فاسعوا لأسرعت حتى يقع ردائي " ( 2 ) .

فهاهو ابن مسعود يخطّئ مصحف المسلمين ويصرح أن الآية ليست بـهذا الشكل {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}(الجمعة/9) ، ولا ندري هل يتبع أهل السنة قول النبي صلى الله عليه وآله الذي أخرجه البخاري بلزوم متابعة ابن مسعود وكذا ما أخرجه أحمد بسند صحيح من أن ابن مسعود عنده علم ما بُدل وما نُسخ ، وكذا ما صححه الألباني من قوله صلى الله عليه وآله وسلم (وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه) ( 3 ) أم يخالفونه ؟! ، الخيار لـهم .
 

* أخذ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يخالف مصحفنا !

" أخرج البخاري في تاريخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قرأ ( إني أراني أعصر عنبا ) وقال : والله لقد أخذتـها من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم هكذا " ( 4 ) .

أيثق أهل السنة بابن مسعود ؟ أم أنه كان يتعمد تحريف القرآن ؟!
 

* بعض آيات القرآن مـحرفـة !

" أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم قال : ما كان في القرآن {وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلونَ} بالتاء ، { وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلونَ }بالياء " ( 5 ) .

  ( 1 ) تفسير ابن كثير ج4ص390.
( 2 ) تفسير الثعالبي ج5ص430-431.
( 3 ) صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني ج1ص254ح1144 ط المكتب الإسلامي .
( 4 ) الدر المنثور ج4ص19، تفسير ابن كثير ج2ص495 : ( وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود (إني أراني أعصر عنبا) ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون عن شريك عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود أنه قرأها أعصر عنبا ).
( 5 ) الدر المنثور ج5ص119.
 
 

- ص 626 -

فتكون الآيات الخاطئة في نظر ابن مسعود هي {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}(البقرة/144). ، وقوله تعالى {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}(هود/123) ، وقوله تعالى {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}(النمل/93) ، فحتما هذا ما أخذه ابن مسعود من رسول الله صلى الله في العرضة الأخيرة للقرآن عندما علم فيها ما نسح وما بُدّل بزعم أهل السنة ؟!

لمتابعة القائلين بتحريف القرآن من أعلام السنة اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب