إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 698

من ستر عليه ابن الأنباري من علماء أهل السنة
 

قال أحد علماء أهل السنة بوقوع التحريف في القرآن وكان له من الشهرة ما أمكن ضبط كلماته في تحريف القرآن بكل دقة وإتقان ، وقد كان متصديا لإمامة الناس في الصلاة ويؤثر إمامتهم بالقراءات الشاذة التي قرأ بـها الصحابة ، وقد شنع عليه الإمام أبو بكر بن الأنباري وذكره في كتابه ، ولكنه تستر على اسمه وصار ينكل به من غير تصريح حتى لا يستفحل الأمر وتفوح الرائحة ، قال :

" فزعم أن المصحف الذي جمعه عثمان رضي الله عنه –باتفاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم على تصويبه فيما فعل ( 1 ) - لا يشتمل على جميع القرآن ، إذ كان قد سقط منه خمسمائة حرف وقد قرأت ببعضها وسأقرأ ببقيتها فمنها ( والعصر ونوائب الدهر ) فقد سقط من القرآن على جماعة المسلمين ( ونوائب الدهر ) ( 2 ) .

ومنها ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنـهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نـهارا فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها ) فادعى هذا الإنسان أنه سقط على أهل الإسلام من القرآن ( وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها ) ( 3 ) وذكر مما يدعي حروفا كثيرة .

وادعى أن عثمان والصحابة رضي الله عنهم زادوا في القرآن ما ليس فيه ، فقرأ في صلاة المغرب والناس يسمعون ( الله الواحد الصمد ) فأسقط من القرآن { قل هو } وغيّر لفظ { أحد } وادعى أن هذا هو الصواب والذي عليه الناس هو الباطل والمحال ، وقرأ في صلاة الفرض ( قل للذين كفروا لا أعبد ما تعبدون ) وطعن في قراءة المسلمين .

وادعى أن المصحف الذي في أيدينا اشتمل على تصحيف حروف مفسدة مغيرة منـها {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(المائدة/118) فادعى أن الحكمة والعزة

  ( 1 ) قد مر أن هذا القول باطل لعدم الدليل عليه ولموقف ابن مسعود الرافض لهذا الجمع ولمن جمعه .
( 2 ) بصريح رواياتـهم أن هذه قراءة الإمام علي عليه السلام وقراءة عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي وعبد الله بن عتبة بن مسعود .
( 3 ) وتنص رواياتـهم على أنـها قراءة لسيد القراء أبي بن كعب وحبر الأمة ابن عباس ومروان بن الحكم .
 
 

- ص 699 -

لا يشاكلان المغفرة ، وأن الصواب ( وإن تغفر لـهم فإنك أنت الغفور الرحيم ) ، وترامى في الغي وهذا وأشكاله حتى ادعى أن المسلمين يصحّفون {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا}(الأحزاب/69). والصواب الذي لم يغيّره عنده ( وكان عبدا لله وجيها ) ، وحتى قرأ في صلاة مفترضة على ما أخبرنا جماعة سمعوه وشهدوه ( 1 ) ( لا تحريك به لسانك إنا علينا جمعه وقراءته فإذا قرآناه فاتبع قراءته ثم إن علينا نبأ به ) وحكى لنا آخرون عن آخرين أنـهم سمعوه يقرأ ( ولقد نصركم الله ببدر بسيف عليّ وأنتم أذلة ) ويروي هؤلاء أيضا لنا عنه قال ( هذا صراط على مستقيم ) ".


" وادعى أن عثمان رضي الله عنه لما أسند جمع القرآن إلى زيد بن ثابت لم يصب ، لأن عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب كانا أولى بذلك من زيد لقول النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ( أقرأ أمتي أبي بن كعب ) ولقوله عليه السلام ( من سرّه أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد ) ( 2 ) ، وقال هذا القائل : لي أن أخالف مصحف عثمان كما خالفه أبو عمرو بن العلاء فقرأ ( إن هذين ) ، ( فأصدق وأكون ) ، ( وبشر عباديَ الذين ) بفتح الياء ، (فما آتانيَ الله ) بفتح الياء ، والذي في المصحف {إِنْ هَذَانِ}(طه/63). بالألف ، {فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ}(المنافقون/10). بغير واو ، {فَبَشِّرْ عِبَادِ}(الزمر/17) ، بغير باءين في الموضعين ، وكما خالف ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي مصحف عثمان فقرؤوا ( وكذلك حقا علينا نُنْج المؤمنين ) بإثبات نونين يفتح الثانية بعضهم ويسكنها بعضهم ، وفي المصحف نون واحدة ، وكما خالف حمزة المصحف فقرأ ( أتَمدُّونِ بمال ) بنون واحدة ووقف على الياء . وفي المصحف نونان ولا ياء بعدهما ، وكما خالف حمزة أيضا المصحف فقرأ ( ألا أن ثمودا كفروا بربـهم ) بغير تنوين واثبات الألف يوجب التنوين ، وكل هذا الذي شنع به على القراء ما يلزمهم به خلافٌ للمصحف ".


" وقد وجدنا هذا الإنسان زاد فيها ( وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويا عزيزا ) فقال في القرآن هجرا وذكر علياً في مكان لو سمعه يذكره فيه لأمضى عليه الحد وحكم عليه بالقتل " ( 3 ) .

  ( 1 ) إمامته للناس في الصلاة ومعرفته بشواذ القراءات وأسماء الله وصفاته ، كلها تدل على أنه كان ذا مرتبة علمية وعلى دراية بما يقول .
( 2 ) وهذا قول كل عاقل عندما يرى إسناد عثمان جمع القرآن لزيد وفي الصحابة العلماء الأجلاء كأبي وابن مسعود وغيرهم من خبراء القرآن ، ورأي عالمهم هو رأي ابن مسعود فلماذا اختص النكير بـهذا العالم !
( 3 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج1ص81-84 ط إحياء التراث العربي .
 
 

- ص 700 -

وغفل ابن الأنباري أن هذه الزيادة ( بعلي ) هي قراءة لابن مسعود ، وقد قلد عالمهم فيها هذا الصحابي ، فكان من الأجدر لابن الأنباري أن يوجه سيف أمير المؤمنين عليه السلام إلى عنق ابن مسعود لا إلى هذا المسكين ! ( 1 ) .

والأدهى أن هذا العالم كان له أنصاره أيضا ، ويدل عليه قول ابن الأنباري : " ويقال لـهذا الإنسان ومن ينتحل نصرته أخبرونا عن القرآن … ألخ " ( 2 ) .

  ( 1 ) حاول أحد الوهابية وهو المتناقض (ناصر.ق) نفي هذه الطامة عن مذهب أهل السنة فرماها في عنق الشيعة من باب أفضل الدفاع الهجوم ! ، فقال إن هذا الرجل شيعي المذهب لأن كان يقرأ هكذا ( ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة ) ، فقال في أصول مذهب الشيعة ج1ص204 بعد أن ذكر مقطعا من أول كلام ابن الأنباري ومحل الشاهد فقط : ( هذا النص قاله ابن الأنباري المولود سنة 271ه‍ وهو يشير إلى أن هذا الافتراء بدأ في زمنه أي في نـهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع . ويدل النص المذكور أيضا على : أن مصدر هذا الافتراء من طائفة الشيعة كما تفيده تلك الزيادة المفتراه ( بسيف علي ) ، كما يدل على أنه لم يكن للأمة المسلمة في ماضيها عهد بـهذه المفتريات حتى ظهر هذا الزائغ عن الملة ، وكأن ابن الأنباري بـهذا يشير إلى شخص بعينه إلا أنه لم يذكر إسمه ولكن بدت هويته المذهبية من خلال افتراءاته ) .

أقول : حسب الوهابي أن كل من يقرأ ( بعلي ) فهو من الشيعة ! ، وقد مر أن ابن مسعود كان يقرأ بـهذه الزيادة في ( وكفى الله المؤمنين القتال بعلي وكان الله قويا عزيزا ) ولم يكن شيعيا كما يعتقد الوهابي !! ، ولو كان هذا الرجل شيعيا كما زعم الوهابي لما كان هناك أي مجال لتستر ابن الإنباري وإخفاء اسمه ، وبالنظر في كلمات هذا الشخص المجهول ونقله للروايات يعلم بعدم تشيعه ، فالشيعة ملتزمون بأقوال أهل البيت عليهم السلام فلو كان شيعيا لقرأ بالزيادات الموجودة في كتب الشيعة المنسوبة لأهل البيت عليهم السلام لا أن يقرأ بالزيادات التي جاءت في كتب أهل السنة وعن الصحابة كابن مسعود الذي ذمت قراءته كما حكته رواية الكافي !! ، وما يثبت قوة هذا الوجه أن الوهابي أخفى ذكر كل هذه الموارد واقتصر على القراءة التي فيها ( بعلي ) حتى لا ينكشف كذبه ، ثم كيف يقول أن أبي بن كعب وابن مسعود كانا أولى بجمع القرآن من زيد ويترك علي بن أبي طالب عليه السلام ، فهل هذا شيعي ؟!

ثم أين هذه الروايات في مصادر الشيعة ( أقرأ أمتي أبي بن كعب ) ؟! ، وهذه ( من سرّه أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد ) مع أن رواية الكافي قالت عن ابن مسعود أنه ضال في إنكاره للمعوذتين ؟! ، ثم أليس قد زعم الوهابي – المتناقض دوما - أن كلام ابن الأنباري واضح في أن القول بتحريف القرآن قد بزغ في زمنه ومن خصوص هذا الشخص فزعم الوهابي أنه من الشيعة ، فكيف يرجع ويقول بعدها مباشرة أن تحريف القرآن كان عند الشيعة قبل هذا الزمن بحوالي مائة سنة ؟! بل أكثر من ذلك فإن الكليني وشيخه القمي رضوان الله تعالى عليهما اللذين نسب لـهم الوهابي تحريف القرآن قد توفيا قبل منتصف القرن الثالث أي قبل أن يبزغ هذا القائل بتحريف القرآن ، أفلا يدل هذا على أن الأمر الذي حدث وبزغ في زمن ابن الأنباري ليس من نتاج الشيعة لأنـهم قالوا به مسبقا ؟! سبحانك يا معطي العقول !.

ثم يقول الوهابي المتناقض بعد كلامه السابق : ( بينما نجد الملطي ت 377ه‍ يشير إلى أن هذا الشخص صاحب هذه الفرية هو هشام بن الحكم ، فزعم أن القرآن الذي في أيدي الناس وضع أيام عثمان ، وأما القرآن فقد صعد به إلى السماء لردة الصحابة بزعمه . ولكن هشام بن الحكم توفي سنة 190ه‍ وهذا يعني أن هذا الافتراء أقدم مما ذكره ابن الأنباري ) ! ، فها قد اعترف بالضمن أن الذي بزغ ليس من الشيعة لأنه قال إن تحريف القرآن عند الشيعة كان أقدم مما ذكره ابن الأنباري وقد أقر مسبقا أن كلام ابن الأنباري يدل على أن ما جاء به هذا المحرف لم تعرفه الأمة من قبل !

وهلا قال لنا المتناقض كيف ادعى أن الملطي أشار إلى أن الرجل الذي ذكره ابن الأنباري هو هشام بن الحكم ؟! ، ثم أنظر كيف نفى ذلك بعد أن جزم به !! ، فما معنى ( نجد الملطي يشير إلى أن هذا الشخص صاحب هذه الفرية هو هشام بن الحكم ) ؟! هل هو قص ولصق ؟! ، وهذا بلا ريب كذب على هشام لأن هشام بن الحكم لم يكن يرى أن القرآن رفع إلى السماء وما عندنا ألفه الصحابة ! ، واستدلالات هشام بالقرآن في كتب أهل السنة فضلا عن كتب الشيعة شاهدة على كذب هذه الدعوى ،

وهاك مثالا ذكرته كتب الفقه عند أهل السنة في خصوص مسألة طلاق الحائض ، قال ابن قدامة الحنبلي في المغني ج8ص237-238 : ( فان طلق للبدعة وهو أن يطلقها حائضا أو في طهر أصابـها فيه أثم ووقع طلاقه في قول عامة أهل العلم ، قال ابن المنذر وابن عبد البر لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال ، وحكاه أبو نصر عن ابن علية وهشام بن الحكم والشيعة قالوا : لا يقع طلاقه لأن الله تعالى أمر به في قبل العدة فإذا طلق في غيره لم يقع ، كالوكيل إذا أوقعه في زمن أمره موكله بإيقاعه في غيره ، ولنا حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها وفي رواية الدارقطني قال فقلت يا رسول الله –اللهم صل على محمد وعلى آل محمد- أ فرأيت لو أني طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها ؟ قال : لا كانت تبين منك وتكون معصية ) اه ، فها هو هشام قد استدل بقول الله عز وجل على فساد طلاق الحائض وهو قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ}(الطلاق/1) فكيف يقال أنه يعتقد أن القرآن رفع والصحابة اخترعوا قرآنا آخر ؟! ، والملطي هذا من نفس فصيلة الوهابية ! فانظر بماذا ختم كذبه على المذهب الذي ينتسب له هشام بن الحكم ، قال في التنبيه والرد ص32 : ( واعلموا رحمكم الله أن في الرافضة اللواط ، والأبنة ، والحمق ، والزنا ، وشرب الخمر ، وقذف المؤمنين والمؤمنات ، والزور ، والبهت وكل قاذورة ليس لهم شريعة ولا دين ) ، وعلى مثل هذا فليعول أهل الحق والإنصاف !

ومن باب التنبيه أقول إن كتاب أصول مذهب الشيعة لـهذا الوهابي قد وصلني بعد أن فرغت من كتابة هذا الكتاب تماما وكنت على عجلة من أمري ، فأحببت أن أبين بعض السخافة التي فيه فاتضح بالتصفح السريع أنه مليء بالمتناقضات التي لو تصدى المرء لبيانـها لأتى على مجلدات تفوق كتابه أضعافا مضاعفة ، فأرجو من الله عز وجل أن يقيض له من يبين جميع تناقضاته وكذبه في النقل وسقم فهمه للنصوص ، إنه سميع مجيب .
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج1ص85.

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب