إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 712

( إمام المحدثين ابن جرير الطبري )


وهو أوحد مفسري السلف ، صاحب المصنفات الذائعة الصيت الشائعة الذكر ، فقد اعترف بأن بعض السلف قالوا بتحريف القرآن وهذا نص قوله :
" ثم اختلف قائلو ذلك في سبب مخالفة إعرابـهم إعراب {الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} وهما من صفة نوع من الناس فقال بعضهم : ذلك غلط من الكاتب ، وإنما هو ( لكن الراسخون في العلم منهم و المقيمون الصلاة ) ، ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى قال ثنا الحجاج بن المنهال قال ثنا حماد بن سلمة عن الزبير قال : قلت لأبان بن عثمان ما شأنـها كتبت {لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ }(النساء/162) ؟ قال : إن الكاتب لما كتب { لَكِنْ الرَّاسخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} حتى إذا بلغ قال : ما أكتب ؟ قيل له : أكتب {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ} ، فكتب ما قيل له .

حدثنا ابن حميد قال ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه أنه سأل عائشة عن قوله {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ}(النساء/162) وعن قوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ}(المائدة/69). وعن قوله {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}(طه/63). فقالت : يا ابن أختي هذا عمل الكُـتّاب أخطئوا في الكِتاب . وذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود ( والمقيمون الصلاة )" ( 1 ) .

واعترف في موضع آخر من تفسيره حيث قال : " القول في تأويل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(النور/27). اختلف أهل التأويل في ذلك ، فقال بعضهم تأويله ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأذنوا ) ذكر من قال ذلك :

حدثني يعقوب بن إبراهيم قال ثنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يقرأ ( لا تدخلوا بيوتا عير بيوتكم حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها ) قال : وإنما {تَسْتَأْنِسُوا} وَهْـمٌ مِن الكُـتّـاب .

حدثنا ابن بشار قال ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} وقال : إنـما هي خطأ من الكاتب ( حتى تستأذنوا وتسلموا ) .

  ( 1 ) جامع البيان للطبري ج6ص18 ط دار الحديث .  
 

- ص 713 -

حدثنا ابن المثنى قال ثنا وهب بن جرير قال ثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير بمثله غير أنه قال : إنما هي ( حتى تستأذنوا ) ولكنها سقط من الكاتب .

حدثنا أبو كريب قال ثنا ابن عطية قال ثنا معاذ بن سليمان عن جعفر بن إياس عن سعيد عن ابن عباس {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } قال : أخطأ الكاتب ، وكان ابن عباس يقرأ ( حتى تستأذنوا وتسلموا ) وكان يقرؤها على قراءة أبي بن كعب .

حدثنا ابن بشار قال ثنا أبو عامر قال ثنا سفيان عن الأعمش أنه كان يقرؤها ( حتى تستأذنوا وتسلموا ) قال سفيان : وبلغني أن ابن عباس كان يـقرؤها ( حتى تستأذنوا وتسلموا ) وقال : إنـها خطأ من الكاتب ".

" قال ثنا هشيم قال أخبرنا جعفر بن إياس عن سعيد عن ابن عباس : أنه كان يقرؤها ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ) قال : وإنما { تَسْتَأْنِسُوا } وَهْمٌ من الكُـتـّاب " ( 1 ) .

وهنا اعتراف آخر للطبري بأن بعض سلفهم الصالح كان يرى وقوع التحريف في القرآن : " اختلف أهل التأويل فيمن أخذ ميثاقه بالإيمان بمن جاءه من رسل الله مصدقا لما معه فقال بعضهم إنما أخذ الله بذلك ميثاق أهل الكتاب دون أنبيائهم … ذكر من قال ذلك :
" حدثني محمد بن عمرو قال ثنا أبو عاصم عن عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ }(آل عمران/81). قال : هي خطأ من الكاتب ، وهي في قراءة ابن مسعود ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) ".

" حدثني المثنى قال ثنا أبو حذيفة قال ثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله "

" حدثني المثنى قال ثنا إسحاق قال ثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع في قوله {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ النَّبِيّينَ} يقول : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) وكذلك كان يقرؤها الربيع ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ) إنما هي أهل الكتاب ، قال : وكذلك كان يقرؤها أبي بن كعب . قال الربيع : ألا ترى أنه يقول {ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ }(آل عمران/81) يقول : لتؤمنن بمحمد ولتنصرنه ، قال : هم أهل الكتاب " ( 2 ) .

فهذه اعترافات وشهادات من إمامهم الطبري على أن بعض سلفهم الصالح من الصحابة والتابعين كان يقول بتحريف القرآن فذكر هنا ابن عباس وعائشة وأبان بن عثمان بن عفان ومجاهد والربيع ، فلا أدري لماذا لم يكفرهم الطبري ؟!

  ( 1 ) ن.م ج18ص10. ( 2 ) ن.م ج3ص331.  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب