إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 735

( إمام المحققين الفخر الرازي )


اعترف الفخر الرازي بأن ابن مسعود ذهب إلى إنكار المعوذتين ولكنه يرجو منا حسن الظن بابن مسعود ! ، قال : " وأيضا فقد نقل عن ابن مسعود حذف المعوذتين وحذف الفاتحة عن القرآن ويجب إحسان الظن به وأن نقول : إنه رجع عن هذه المذاهب " ( 1 ) .
ونحن يهمنا اعتراف الرازي أن ابن مسعود ذهب هذه المذاهب ، ونترك حسن الظن له ولغيره من المحسنين .


( المفسر الإمام ابن عاشور )

اعترف كذلك المفسر ابن عاشور بإنكار ابن مسعود للمعوذتين :
" واشتهر عن عبد الله بن مسعود في الصحيح أنه كان ينكر أن تكون ( المعوذتان ) من القرآن ، ويقول : إنما أُمِر رسول الله أن يتعوذ بـهما أي ولم يؤمر بأنـهما من القرآن " ( 2 ) .


( الإمام العلامة ابن منظور )

وقال ابن منظور ( 3 ) معترفا في تحفته الرائعة لسان العرب أن ابن عباس كان يقول بوقوع تحريف للقرآن في هذه الآية {حَتـّى تَسْتَأْنِسُوا }(النور/27) :

  ( 1 ) التفسير الكبير ج1ص213 ط البهية ، مصر ، مع أن ابن حجر قال في فتح الباري ج 8ص743 إن الفخر الرازي قال في أوائل تفسيره : ( الأغلب على الظن أن هذا النقل عن ابن مسعود كذب باطل ) ولم أعثر عليه ، واعتمدنا ما وجدناه .

( 2 ) تفسير التحرير والتنوير ج30 ص624-625 ط الدار التونسية للنشر .

( 3 ) النعوت التي تسبق اسم العالم أخذناها من عناوين كتبهم وتراجمهم ، ولا بأس هنا بنقل ما ذكره المعلق على لسان العرب عن ابن منظور في ص8-9 : ( وابن منظور الذي أهمل شيوخه لم يهمله تلاميذه ، فالمؤرخون لابن منظور يذكرون من بينهم السبكي والذهبي . يقول الصفدي في أعيان العصر و النكت : وكتب عنه شيخنا شمس الدين الذهبي .

ويزيد السيوطي واحدا أخر فيقول في البغية : وروى عنه السبكي والذهبي ، وما من شك أن الذهبي أفرد لشيخه ابن منظور مكانا في تاريخه ، أشار إلى ذلك الصفدي في أعيان العصر والسيوطي في البغية وتكاد تكون نُقول المراجع جميعها عن الذهبي ، على الرغم من إهمال بعضها الإشارة إلى ذلك ، ونقرأ في هذا الذي خص به الذهبي أستاذه الإنصاف له حين يقول عنه : تفرد في العوالي وكان عارفا بالنحو واللغة والكتابة . وبعد هذين التليمذين نجد ذكرا لثالث وهو قطب الدين ولد ابن منظور هذا ، وكان قطب الدين كاتب الإنشاء بمصر وذكروا له أنه روى عن أبيه شيئا ).

 
 

- ص 736 -

" فهو يَسْتَأْنِسُ أَي يَتَبَصَّرُ ويتلفت هل يرى أَحداً ، أَراد أَنه مَذْعُور فهو أَجَدُّ لعَدْوِه وفراره وسرعته. وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ هذه الآية ( حتى تستأذنوا ) قال : {تَسْتَأْنِسُوا }(النور/27) خطأ من الكاتب ، قال الأزهري : قرأ أبي وابن مسعود ( تستأذنوا ) كما قرأ ابن عباس ، والـمعنى فـيهما واحد " ( 1 ) .


(العلامة الشيخ الخطيب الشربيني )

وكذا اعترف المفسر صاحب السراج المنير باعتقاد بعض سلفهم الصالح تحريف القرآن :
" وحكي عن عائشة وأبان بن عثمان : أنّ ذلك غلط من الكاتب ، ينبغي أن يكتب ( والمقيمون الصلاة ) . كذلك قوله في سورة المائدة {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} وقوله تعالى : {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} قالا : ذلك خطأ من الكاتب ، وقال عثمان : إنّ في المصحف لحناً و ستقيمه العرب بألسنتها ، فقيل له : ألا تغيّره ؟‍! فقال : دعوه فإنّه لا يحلّ حراما ولا يحرّم حلالاً . وعامة الصحابة وأهل العلم على أنّه صحيح " ( 2 ) .

قوله الأخير هذا ( وعامة الصحابة وأهل العلم على أنّه صحيح ) يفيد أن كلمة الصحابة وأهل العلم لم تتفق على أن هذه الآيات سليمة من التحريف بل بعضهم قال بتحريف القرآن .

  ( 1 ) لسان العرب ج6ص16. ( 2 ) السراج المنير ج1ص345 ط دار المعرفة .  
 

- ص 737 -

( الفقيه أبو بكر بن أبي إسحاق )

نقل اعتراف الفقيه ابن أبي إسحاق الإمام البيهقي في السنن الكبرى وكذا الزيلعي في نصب الراية ، حيث قالا :
" قال أبو بكر بن أبي إسحاق الفقيه : هذه علة لا تسوى سماعها لأن رفع اليدين قد صح عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ثم عن الخلفاء الراشدين ثم عن الصحابة والتابعين ، وليس في نسيان عبد الله بن مسعود رفع اليدين ما يوجب أن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم لم يروا النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم رفع يديه ، قد نسي ابن مسعود من القرآن ما لم يختلف المسلمون فيه بعد وهي المعوذتان ".

" ونسي كيف كان يقرأ النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى }(الليل/3) ، وإذا جاز على عبد الله أن ينسى مثل هذا في الصلاة خاصة كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين " ( 1 ) .
وهذا بيان لسبب إنكار ابن مسعود للمعوذتين ، ولا ريب أن القول بأن إنكار ابن مسعود للمعوذتين كان لأجل ذاكرته الضعيفة توجيه سخيف يعارض دلالة الروايات ، وعلى أي حال لا تـهمنا علة إنكار ابن مسعود للمعوذتين ، فيكفي اعتقاده أن القرآن قد زاد فيه الصحابة ما ليس منه فصار محرفا في نظره .


(العلامة شمس الحق العظيم آبادي )

وكذا اعترف العلامة العظيم آبادي في عون المعبود بما اعترف به الفقيه ابن أبي إسحاق :
" قلتُ : ما ذكر الإمام الخطابي بقوله قد يجوز أن يذهب ذلك إلخ ، فليس مما يستغرب فقد نسي ابن مسعود من القران ما لم يختلف فيه المسلمون وهو المعوذتان ".

" ونسي كيف قرأ رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى }(الليل/3) وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسي مثل هذا في الصلاة كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين " ( 2 ) .

  ( 1 ) السنن الكبرى ج2ص81 ، نصب الراية للزيلعي ج1ص398.
( 2 ) عون المعبود ج2ص317 ، واضح أنه اقتبس كلام أبي بكر بن إسحاق ! ، فهم يفضلون نقل كلمات من اعترف من السابقين دون أن ينسج بنفسه كلاما يذكر فيه فعل ابن مسعود ، والأمر واضح لدى من تأمل كثرة استشهادهم باعتراف البزار ، إذ أن كلامه كان ملجأ لكل من أراد من علماء أهل السنة رمي التبعة والمحاسبة على الأموات !
 
 

- ص 738 -

( العلامة أبو العلا المباركفوري )

وأمضى المباركفوري في كتابه تحفة الأحوذي الاعتراف السابق وتبناه :
" ولو تنـزلنا وسلمنا أن حديث ابن مسعود هذا صحيح أو حسن ، فالظاهر أن ابن مسعود قد نسيه كما قد نسي أمورا كثيرة ، ثم ذكر الأمثلة من كلام الفقيه ابن أبي إسحاق السابق " ( 1 ) .

عبرة لمن يخشى !
لنلاحظ كيف أن قولهم إن ابن مسعود نسي كيف كان يقرأ النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى }(الليل/3) يتناقض تماما مع دعواهم أن قراءته ( والذكر والأنثى ) نزلت من السماء ضمن الأحرف السبعة ! أو أنـها من منسوخ التلاوة !

فيتضح بكثرة الشواهد صحة ما ذكرناه سابقا من أن هؤلاء القوم إنما اتخذوا الأحرف السبعة والقراءات ونسخ التلاوة ذريعة لتصحيح عوار ما فعله سلفهم الصالح ، فكلها أدوات ووسائل للتخريج والتأويل ، وما أن يحسوا بالإحراج وضيق الخناق من تلاعب سلفهم الصالح في القرآن وألفاظه في موارد أخرى غير القراءات حتى ينبذوا كل تأويل وتخريج ليعترفوا بأن الأمر ما هو إلا تحريف وتلاعب ، لأن اعترافهم بالواقع على ما هو عليه في خصوص هذه الجزئية يحل المشكلة ويكفيهم شر القتال .

وحتى لا تفوتنا العبرة هنا نقول إن هذه التذبذبات والمفارقات في الترك والأخذ والاعتماد والنبذ هي حال من يخترع ويبتدع في دين الله عز وجل ما ليس منه ، لأن دين الله عز وجل بناء متماسك ونظام متكامل ما أن يقحم فيه الهجين الغريب حتى تظهر نتائجه الفاسدة ويبدأ التآكل يظهر في جوانبه الأخرى ، وهذا ملاحظ في كثير من الأمور التي تبناها أهل السنة كعدالة الصحابة والاجتهاد والشورى والكثير من الأقوال التي تتناقض مع الدين والسنة النبوية الشريفة .

  ( 1 ) تحفة الأحوذي ج2ص93.  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب