إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 743

( شيخ الوهابية ابن تيمية )


أما شيخ الوهابية ابن تيمية ( 1 ) فبصريح العبارة وواضح الكلام يعترف أن سلفهم الصالح كبعض الصحابة والتابعين كانوا يدينون لله بتحريف القرآن ولا يتوانى ابن تيمية عن الجهر به ، فقد قال شيخ الوهابية في مجموع الفتاوى :

  ( 1 ) قد كفانا ابن حجر العسقلاني مؤونة ترجمة المسمى بابن تيمية إذ ذكر في درره الكامنة ج1ص159-160 : ( وقرأت بخط الحافظ صلاح الدين العلائي في ثبت شيخ شيوخنا الحافظ بـهاء الدين عبد الله بن محمد بن خليل ما نصّه – وسمع بـهاء الدين المذكور على الشيخين ، شيخنا ، وسيدنا ، وإمامنا فيما بيننا وبين الله تعالى ، شيخ التحقيق ، السالك بمن اتبعه أحسن طريق ، ذي الفضائل المتكاثرة ، والحجج القاهرة ، التي أقرّت الأمم كافة أن هممها عن حصرها قاصرة ، ومتـّعنا الله بعلومه الفاخرة ، ونـفعنا به في الدنيا والآخرة ، وهو الشيخ ، الإمام ، العالم ، الرباني ، والحبر ، البحر ، القطب ، النوراني ، إمام الأئمة ، بركة الأمة ، علامة العلماء ، وارث الأنـبـيـاء ، آخر المجتهدين ، أوحد علماء الدين ، شيخ الإسلام ، حجّة الأعلام ، قدوة الأنام ، برهان المتعلّمين ، قامع المبتدعين ، سيف المناظرين ، بحر العلوم ، كنـز المستفيدين ، ترجـمان القرآن ، أعجوبة الزمان ، فريد العصر والأوان ، تقي الدين ، إمام المسلمين ، حـجـة الله على العالـمين ، اللاحق بالصالحين ، والمشبه بالماضين ، مفتي الفرق ، ناصر الحق ، علامة الـهدى ، عمدة الحفّاظ ، فارس المعاني والألفاظ ، ركـن الشريـعة ، ذو الفنون البديعة ، أبو العباس ابن تيمية )اه .

أقول : حجة الله على العالمين ووارث الأنبياء وركن الشريعة هذا قد كفره علماء عصره وفقهاء المذاهب والفرق الإسلامية كلها وحكموا بفساد معتقده ودعوا بالخذلان لمتبعي ملته وحوكم وحبس في قلعة إلى أن فسد ونتن ومات مذموما مدحورا ، وقد مر في أول الأبحاث بعض الكلام عنه لا حط الله عنه وزرا ولا رفع له ذكرا .

 
 

- ص 744 -

" وأيضا فإن السلف أخطأ كثير منهم في كثير من هذه المسائل ، واتفقوا على عدم التكفير بذلك ، مثل ما أنكر بعض الصحابة أن يكون الميت يسمع نداء الحي و أنكر بعضهم أن يكون المعراج يقظة وأنكر بعضهم رؤية محمد ربه ولبعضهم في الخلافة والتفضيل كلام معروف ، وكذلك لبعضهم في قتال بعض ولعن بعض وإطلاق تكفير بعض أقوال معروفة  ( 1 )

وكان القاضي شريح يذكر قراءة من قرأ ( بل عجبتُ ) ويقول : إن الله لا يعجب ! فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال : إنما شريح شاعر يعجبه علمه ، وكان عبد الله أفقه منه ، فكان يقول ( بل عجبت ) فهذا قد أنكر قراءة ثابتة ( 2 ) ، وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنّة ، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة ، وكذلك بـعـض السلـف أنـكـر بـعضهم حـروف الـقرآن ، من إنكار بعضهم قوله { أَفَلَمْ يَيْئَسْ الَّذِينَ آمَنُوا }(الرعد/31). وقال ( 3 ) : إنـما هي ( أولم يتبين الذين آمنوا ) ، وأنكر الآخر قراءة قوله {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ}(الإسراء/23) وقال ( 4 ) : إنـما هي ( ووصى ربك ) ، وبعضهم ( 5 ) كان حذف المعوذتين ، آخر ( 6 ) يكتب سورة القنوت .

وهذا خطأ معلوم بالإجماع والنقل المتواتر ( 7 ) ، ومع هذا فلم يكن قد تواتر النقل عندهم بذلك لم يكفروا ، وإن كان يكفر بذلك من قامت عليه الحجة بالنقل المتواتر " ( 8 ) .

  ( 1 ) قاتل الصحابة بعضهم بعضا ولعنوا بعضهم بعضا وكفروا بعضهم بعضا ومع ذلك كلهم عدول ! ، فمتى يفسق المرء إن لم يفسق على اللعن والتكفير والقتل ؟! ومن أين تأتي العدالة وعندهم في صحيح البخاري ج1ص20ح31 ( عن الأحنف بن قيس قال : ذهبت لأنصر هذا الرجل – يقصد عليا عليه السلام - فلقيني أبو بكرة فقال : أين تريد ؟ قلت : أنصر هذا الرجل ! قال : ارجع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول : إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ! فقلت : يا رسول الله هذا القاتل ، فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه ) ، عادل وفي النار !

وأيضا في صحيح البخاري ج5ص2264ح5754 (عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال ، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم ، ولعن المؤمن كقتله ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله ) ، وكما قلنا الإسلام دين متكامل ومتجانس وأي دس فيه يظهر أثره ويفتضح أمره !

( 2 ) الدر المنثور ج5 ص272 : " أخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق الأعمش عن شقيق بن سلمة عن شريح أنه كان يقرأ هذه الآية {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}(الصافات/12) بالنصب ويقول : إن الله لا يعجب من الشيء إنـما يعجب من لا يعلم ، قال الأعمش : فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال : إن شريـحا كان مـعجبا برأيه وعبد الله بن مسعود كان أعلم منه كان يقرؤها ( بل عجبتُ ) ".
( 3 ) قد مر أن هذا المنكر هو حبر الأمة ابن عباس .
( 4 ) قصد الضحاك بن مزاحم .
( 5 ) قصد عالم القرآن عبد الله بن مسعود .
( 6 ) قصد سيد القراء أبي بن كعب .
( 7 ) مع اعترافه بإنكار أعلام السلف لكلمات القرآن تجده يقول إن هذا خطأ ، وهذا عين ما نقمته الوهابية على الشيعة عندما قالوا عمن قال بتحريف القرآن منهم أنه مخطئ ، قال الوهابي ( عثمان الخميس ) في شريطه الشيعة والقرآن : ( إن أقصى ما يقوله علماء الشيعة عن أئمتهم القائلين بالتحريف كلمة مخطئين ... وهل كلمة مخطئ تكفي إذا قالوها عمن قال بتحريف القرآن ؟! إن الذي يخالف بمسألة اجتهادية فقهية يقال له مخطئ أما ما ينكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة فهذا –كبعض الصحابة الذين أشار لكلماتـهم ابن تيمية- أقل ما يقال فيه كافر أو ملحد أو زنديق أو منافق أو طاغوت أو مرتد أو ما شابه هذه الألفاظ )

أقول مع أن شيخ إسلامهم ابن تيمية يقولها ولا من نكير ! ناهيك عن أن إنكار هؤلاء السلف أشنع لأنـهم أنكروا الموجود وأضافوا غيره أي هو حذف من القرآن مع الزيادة ! بخلاف بعض الشيعة الذين قالوا بنقصه فقط ، وهكذا الشيعة على مر العصور يستضعفون بالباطل ، قال تعالى {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}(القصص/5-6) صدق الله العلي العظيم .
( 8 ) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12ص492 مطابع الرياض ط الأولى 1382ه‍ .

 
 

- ص 745 -

ولسنا بحاجة لطلب الدليل من ابن تيمية وأتباعه على أن التواتر لم يبلغ هؤلاء المنكرين ، إذ من هوان الدنيا على الله مخاطبة من يدعي أن القرآن قد تواتر عنده ولم يتواتر عند الصحابة كابن مسعود معلم القرآن وصاحب العرض الأخير للقرآن ! ، ولم يتواتر كذلك عند سيد القراء أبي بن كعب وهو من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة استقراءه القرآن كما في البخاري وكذلك كان ابن مسعود ، ولم يتواتر كذلك عند حبر الأمة ابن عباس ! ، ثم ما دخل التواتر هنا ؟! وما حاجتهم له وقد أخذوا القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشافهة ؟!! سبحان الله !
وعلى أي حال فنحن لا نريد تكفير أحد ، فيكفينا اعترافه أن سلفه الصالح اعتقد وقوع التحريف في القرآن .

واعترف في عدة مواضع أن هناك من كان يقول بوقوع التحريف في القرآن حينما رد ابن تيمية على من قال بخطأ الكاتب في كتابة المصحف :
" وهذا يبين أن المصاحف التي نسخت كانت مصاحف متعددة وهذا معروف مشهور ، وهذا مما يبين غلط من قال في بعض الألفاظ إنه غلط من الكاتب أو نقل ذلك عن عثمان " ( 1 ) .

وقال أيضا : " فكيف يتفقون كلهم على أن يكتبوا {إِنْ هَذَانِ}(طه/63) وهم يعلمون أن ذلك لـحن لا يجوز في شيء من لغاتـهم أو {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ}(النساء/162) وهم يعلمون أن ذلك لـحن كما زعم بـعضـهم " ( 2 ) .

  ( 1 ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج15ص252. ( 2 ) ن.م ص253.  
 

- ص 746 -

وقال أيضا : " فهذا ونحوه مما يوجب القطع بـخطأ من زعم أن في المصحف لـحنا أو غلطا وإن نقل ذلك عن بعض الناس ممن ليس قوله حجة ( 1 ) فالـخطأ جائز عليه فيما قاله ، بخلاف الذين نقلوا ما في المصحف وكتبوه وقرؤوه فإن الغلط ممتنع عليهم في ذلك " ( 2 ) .

واعترف ابن تيمية كذلك حينما ردّ من ادعى تحريف هذه الآية الكريمة {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ}(طه/63) :
" ولفظه {هَذَانِ} فهذا نقل ثابت متواتر لفظا ورسما ومن زعم أن الكاتب غلط فهو الغالط غلطا منكرا كما قد بسط في غير هذا الموضع " ( 3 ) .

وهذا ما تناولته يدي القاصرة من كلمات شيخهم ابن تيمية التي اعترف فيها وأقر مذعنا أن سلفه الصالح من الصحابة والتابعين أنكر كلمات القرآن وبعضا من سوره وجعلوها عرضة للتلاعب ما بين التغيير والتحريف ، وهم أكابر الصحابة بلا ريب ، فلا أدري ! هل يكفرون سلفهم الصالح ؟ أم أن قدسية القرآن لا تضاهي قدسية الصحابة والتابعين!

  ( 1 ) قال ابن حزم سابقا إن أقوال الصحابة ليس بحجة وإنما الحجة قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
( 2 ) ن.م ص254.
( 3 ) ن.م ص255.
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب