إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 757

2- أوّل من جاهر وأمر بجمع المسلمين على القراءة المتواترة وحذف ما عداها


قد مرّ أن حذيفة بن اليمان هو أوّل من أشار على عثمان بنـزع فتيل الفرقة بين المسلمين بتوحيد قراءتـهم للقرآن بعد أن كفّر الناس بعضهم بعضا ، وأوضحنا أن مقتضى الجمع بين الروايات أن أول من دعا لـهذا العمل الجليل وأشار به على ابن الخطاب ثم على ابن عفان هو أمير المؤمنين أبو الحسنين عليهم السلام ، والذي جاهر به أمام الملأ هو أحد تلامذة الإمام علي عليه السلام وهو حذيفة بن اليمان رضوان الله تعالى عليه .

هذا الصحابي الجليل هو ممن التزموا موالاة آل البيت عليهم السلام طيلة حياتـهم وكلماته التي سجّلها التاريخ تشهد له بذلك ، وقد وردت روايات عن أهل بيت العصمة عليهم الصلاة والسلام تنص على كون حذيفة بن اليمان رضوان الله تعالى عليه من الذين ثبتوا وتمسكوا بتوصيات الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ولم يخونوا الأمانة بموالاة واتباع العترة الطاهرة عليهم السلام من بعده ( 1 ) ، وآمنوا بأن العاصم من الضلال بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو التمسّك

  ( 1 ) أعيان الشيعة ج4 ترجمة حذيفة : ( روى الكشي في ترجمة سلمان الفارسي … عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام عن أبيه عن جدّه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : ضاقت الأرض بسبعة بـهم ترزقون و بـهم تنصرون وبـهم تمطرون : منهم سلمان الفارسي و المقداد وأبو ذر و عمار و حذيفة رحمة الله عليهم ، وكان علي عليه السلام يقول : وأنا إمامهم ، وهم الذين صلّوا على فاطمة عليها السلام . قال في ترجمة حذيفة : حدثني ابن مسعود … عن أبي الحسن الرضا عليه السلام ذكر أن حذيفة لـمّا حضرته الوفاة فكان آخر الليل قال لابنته : أي ساعة هذه قالت آخر الليل ، قال : الحمد لله الذي أبلغني هذا المبلغ ولم أوال ظالما على صاحب حق ، فبلغ زيد بن عبد الرحمن بن عبد بنون فقال : كذب والله ! لقد والى على عثمان ، فأجابه بعض من حضره أن عثمان والاه يا أخا زهرة ! والحديث منقطع ).

أقول : علق عليه السيد أبو القاسم الخوئي رضوان الله تعالى عليه في معجم رجال الحديث ج4ص246 ترجمة حذيفة رقم 2618 : ( الحديث غير منقطع إلا أن الرواية ضعيفة بالعباس بن هلال وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة أيضا إلا أن جلالة حذيفة وولاءه لأمير المؤمنين عليه السلام واضحة ومشهورة ويأتي بعض ما يدل على ذلك في ترجمة المقداد ).

ثم تابع ( وقال الكشّي في ترجمة عبد الله بن مسعود : سئل الفضل بن شاذان عن ابن مسعود وحذيفة فقال : لم يكن حذيفة مثل ابن مسعود لأن حذيفة كان زكيّا وابن مسعود خلط ووالى القوم ومال معهم وقال بـهم ، وقال أيضا : إن من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين حذيفة وعّد معه جماعة ، وقال في ترجمة ابن مسعود حدثني علي بن حسين بن علي بن فضّال حدثني … عن أبي داود قال : حضرته عند الموت وجابر الجعفي عند رأسه فهم أن يحدث فلم يقدر ، قال : حمد بن جابر : اسأله ، فقلت : يا أبا داود حدثنا الحديث الذي أردت ، قال : حدثني عمران بن حصين الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر فلانا وفلانا أن يسلما على علي –عليه السلام – بإمرة المؤمنين ، فقالا : من الله أو من رسوله ؟! فقال : من الله ومن رسوله ، ثم أمر حذيفة وسلمان يسلّمان عليه ، ثم أمر المقداد فسلم وأمر بريدة أخي –وكان أخاه لأمه- فقال : أنكم سألتموني من وليكم بعدي وقد أخبرتكم به وقد أخذت عليكم الميثاق كما أخذ تعالى على بني آدم {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}(الأعراف/172) ، وأيم الله لئن نقضتموها لتكفرن ( الكشي ) .

وفي رجال بحر العلوم الطباطبائي : حذيفة بن اليمان العبسي أبو عبد الله حليف الأنصار صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صحابي ابن صحابي شهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً هو وأبوه ، وعد بعضهم حذيفة من الأركان الأربعة مكان أخيه عمّار آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبينه في مؤاخاة المهاجرين والأنصار ، ثم ذكر خبر ضاقت الأرض بسبعة المتقدم ، ثم قال : وجلالة حذيفة وشجاعته وعلمه ونجدته وتمسكه بأمير المؤمنين عليه السلام ظاهرة بيّنة وهو من كبار الصحابة ، وروي عن حذيفة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه )

وقال أيضا : ( ولاؤه وتشيّعه لأمير المؤمنين علي وأهل البيت عليهم السلام : يدل عليه ما مرّ في روايات الكشّي عند ذكر أقوال العلماء فيه المتضمّنة عدّ علي عليه السلام إياه من السبعة الذين بـهم ينصرون وبـهم يمطرون وأنه من جملة الذين صلّوا على فاطمة عليها السلام وأنه من الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الأخبار …

وقال الحاكم في المستدرك : حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا أبو محمد الزبيدي حدثنا العلاء بن صالح عن عدي بن ثابت عن أبي راشد قال : لـمّا جاءت بيعة علي إلى حذيفة قال : لا أبايع بعده إلا أصعر أبـتر – الأصعر والأبتر =>

 
 

- ص 758 -

بالثقلين كتاب الله وعترته عليهم السلام بنص الحديث المتواتر الذي أخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه ( 1 ).

  => المعرض عن الحق الذاهب بنفسه والذليل – ومرّ إيصاؤه ابنيه بملازمة أمير المؤمنين عليه السلام وقتلهما معه بصفين ).

قال في مروج الذهب ج2ص383 : ( حذيفة بن اليمان وابناه : استشهد في ذلك اليوم (صفين) صفوان وسعد ابنا حذيفة بن اليمان ، وقد كان حذيفة عليلاً بالكوفة في سنة ست وثلاثين ، فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي فقال : أخرجوني واعدوا ( الصلاة جامعة ) فوضع على المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي و على آله ، ثم قال : أيها الناس إن الناس قد بايعوا علياً فعليكم بتقوى الله وانصروا علياً ووآزروه ، فوالله إنه لعلى الحق آخراً وأوّلا وإنه لـخير من مضى بعد نبيكم ومن بقي إلى يوم القيامة ، ثم أطبق يمينه على يساره ثم قال : اللهم أشهد إني قد بايعت علياً ، وقال : الحمد لله الذي أبقاني إلى هذا اليوم ، وقال لابنيه صفوان وسعد : احملاني وكونا معه ، فستكون له حروب فإنه والله على الـحق ، ومن خالفه على الباطل . ومات حذيفة بعد هذا اليوم بسبعة أيام ، وقيل : بأربعين يوماً ).


( 1 ) لا بأس هنا بالتنبيه على نقطة وهي أن حديث الثقلين ورد بألفاظ متقاربة ويعد حديث صحيح مسلم شاهدا على حديث مسند أحمد وغيره لذلك قال الألباني في سلسلته الصحيحة ج4ص356ح1761 بعد أن ذكر الحديث الشريف بـهذه الصيغة ( يا أيها الناس ! إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي )

قال الألباني : ( قلت : لكن الحديث صحيح ، فإن له شاهدا من حديث زيد بن أرقم .. ) فذكر نص حديث مسلم ، ثم ذكر حديث مسند أحمد والطبراني وهو بصياغة أخرى وقال ( وإسناده صحيح ، رجاله رجال الصحيح ) ، وذكر أيضا حديث مسند أحمد وهو بصياغة أخرى فقال ( وهو إسناد حسن بالشواهد ) ،

وقال الشيخ شعيب أرنؤوط في تحقيقه لسير أعلام النبلاء للذهبي ج9ص365 : ( وأخرجه مسلم في صحيحه ح2408 فضائل الصحابة ، من حديث زيد بن أرقم مرفوعا بلفظ ... ) فذكر لفظ مسند أحمد ، فكل هذا يدل على أن الحديث واحد لا تعارض بين طرقه وصيغه وليس الأمر كما حسب بعض الجهلة ك‍ ( عثمان الخميس ) أن حديث صحيح مسلم ليس هو حديث أحمد أو الطبراني أو ابن أبي عاصم والطحاوي ، والمشكلة لم تنبع من الحقد فقط بل من الجهل أيضا !! ، فالأمر كما ذكره الألباني عندما اعترض عليه البعض تصحيحه لحديث الثقلين (!!!) ، حيث قال ص359 ( وخطئه هو في استرواحه واعتماده عليه ، وعدم تنبهه للفرق بين الناشئ في هذا العلم ، والمتمكن فيه ، وهي غفلة أصابت كثيرا من الناس الذين يتبعون كل من كتب في هذا المجال ، وليست له قدم راسخة فيه ،والله المستعان ) .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب