إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 761

 4 - من حفظ كلمات المصحف من التحريف بتنقيطه نقط إعراب


التدرج التاريخي لوضع النقاط في الكتابة العربية كان على قسمين أولـهما ( نقط الإعراب ) بأن توضح نقاط على الأحرف تميّز حركة إعرابـها كوضع نقطة في موضع معين على الحرف عوضا عن الضمّة والكسرة والسكون وما إلى ذلك ، أي أن النقاط كانت تعبر عن هذه الحركات ( َ ، ِ ، ُ ) .

وثانيهما ( نقط الإعجام ) وهو وضع النقط المعروفة على الحروف لتتميز الحروف المتشابـهة بالشكل كالباء ، والتاء ، والثاء ، والياء بعضها عن بعض ( 2 ) .

وقد كان الشيعة الإمامية أبطال هذا المضمار ومرسي قواعده ، فأوّل من نقط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي رضوان الله تعالى عليه الشيعي المطيع لسيده أمير المؤمنين عليه السلام ، وهو أوّل من وضع علم النحو بتأسيس من سيده الإمام علي عليه السلام وبإشارة منه ( 3 ) ، ولا يخفى دور علم النحو في الحفاظ على ألفاظ القرآن الكريم شكلا وإعرابا وبالتالي فهما وإدراكا لـمعانيه ، فقام أبو الأسود رضوان الله تعالى عليه بتشييد علم النحو وذكر أصوله وشد أركانه ، ومن ثم عكف على خط القرآن الكريم تشكيلا وإعرابا حتى أمكن تثبيت ألفاظ النص القرآني وتحديد حركات الكلمة وإعرابـها على الورق لا في مخيلة القارئ فقط معتمدا على حفظه ، فصارت تؤدّى ألفاظه على كيفية واحدة متطابقة بين جماهير المسلمين ويتلقاه الخلف عن السلف بـهيئة واحدة ، وكان عمله هذا عاصما من شيوع التحريف والتبديل فيه على مستوى الإعراب .

  ( 2 ) راجع مع القرآن الكريم للدكتور شعبان محمد إسماعيل ص 406.
( 3 ) بعض الكتاب يحاول عمدا أو جهلا نسبة تأسيس علم النحو لأبي الأسود وكأن الواقع التاريخي لا يثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام هو المؤسس الحقيقي له حين حصر الكلام في ثلاثة أقسام اسم وفعل وحرف ! ومن ثم أمر أبا الأسود أن ينحو هذا النحو ، ولهذا سمي النحو نحوا .
 
 

- ص 762 -

ولا داعي لتبيان خطر ترك القرآن من غير تشكيل مكتوب وخلو كلماته من إعراب مدون على طول الزمن ، فإن ما حدث في زمن عثمان بين الصحابة أنفسهم كان كافيا لإثبات ذلك ، خاصة بعد كثرة الفتوحات في أقاصي الأرض وفي الثغور البعيدة عن العاصمة الإسلامية التي يندر وجود العرب فيها مما يجعل مثل هذا الضبط للنص القرآني حاجة ملحة وضرورية .

فكان عمل هذا الشيعي المجاهد عاصما للقرآن من التحريف والتبديل ، ومانعا من استمزاجات أصحاب الفلتات في مغايرة القراءة المتواترة وتزحزحهم عنها ( 1 ) ، فوُثّق القرآن بتوثيق قراءته المتواترة على يد أحد رجالات الشيعة الإمامية .

وهناك عدّة من المصادر التي تنصّ على أن أبا الأسود الدؤلي رحمه الله هو أول من نقّط المصحف نقط إعراب ( 2 ) وبالأثناء تذكر تشيعه لأهل البيت عليهم السلام ( 3 )  .

  => نقول إن هذا النقط المعرب للقرآن يحد من تأثير ما يقرأ به بعض الناس على القراءة المتواترة على طول الزمن ، لأن القراءة المتواترة قد دوّنت وضبطت بالرسم وهذا يزيد من تأكيد القراءة المعروفة ونفي القراءات الهجينة الدخيلة .
كثير من الكُتاّب المحدثين خلطوا في تحديد أول من نقط المصحف بسبب عدم التمييز بين نقط الإعجام ونقط الإعراب حيث اعتبروهما أمرا واحدا .

سير أعلام النبلاء ج4ص81 : ( وقال الواقدي : أسلم في حياة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وقال غيره : قاتل أبو الأسود يوم الجمل مع علي بن أبي طالب وكان من وجوه الشيعة ومن أكملهم عقلا ورأيا ، وقد أمره علي رضي الله عنه بوضع شيء من النحو لما سمع اللحن ، قال : فأراه أبو الأسود ما وضع ، فقال علي : ما أحسن هذا النحو الذي نحوت . فمن ثم سُمّي النحو نحواً .

قال أبو عبيدة : أخذ أبو الأسود عن علي العربية . فسع قارئا يقرأ ( إن الله برئ من المشركين ورسولِه ) فقال : ما ظننت أن أمر الناس قد صار إلى هذا فقال لزياد الأمير : أبغِني كاتباً لقناً فأتى به فقال له أبو الأسود : إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة أعلاه ، وإذا رأيتني ضممت فمي ، فانقط نقطة بين يدي الحرف و إن كسرت فانقُط نقطة تحت الحرف فإذا أتبعت شيئاً من ذلك غُنَّـةً فاجعل مكان النقطة نقطتين فهذا نَـقْـط أبي الأسود " ، ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان ج2ص537.

طبقات ابن سعد ج7ص69ت2979 : ( أبو الأسود الدؤلي واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان … وكان شاعراً متشيّعاً وكان ثقة في حديثه إن شاء الله . وكان عبد الله بن عباس لما خرج من البصرة استخلف عليها أبا الأسود الدؤلي فأقره علي بن أبي طالب عليه السلام ).

الإصابة لابن حجر ج2ص241-242 ت4329 : ( وثقه ابن معين والعجلي وابن سعد وقال أبو عمر : كان ذا دين وعقل ، ولسان وبيان وفهم وحزم … وقال المرزباني هاجر أبو الأسود إلى البصرة في خلافة عمر وولاه علي البصرة خلافة لابن عباس وكان علـوي الـمذهب ، وقال الجاحظ : كان أبو الأسود معدودا في طبقات من الناس مقدما في كل منها ، كان يعد في التابعين وفي الشعراء والفقهاء والمحدثين والأشراف والفرسان والأمراء والنحاة والحاضري الجواب والشـيـعـة ... وقال أبو علي القالي حدثنا أبو إسحاق الزجاج حدثنا أبو العباس المبرد قال : أول من وضع العربية ونقط المصحف أبو الأسود وقد سئل أبو الأسود عمن نـهج له الطريق فقال تلقيته من علي بن أبي طالب -عليه السلام- ).

وفيات الأعيان ج2ص535ت313 : ( وكان من سادات التابعين وأعيانـهم صحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وشهد معه وقعة صفين وهو بصري وكان من أكمل الناس رأيا وأشدِّهم عقلاً . وهو أول من وضع النحو ، وقيل أن علياً رضي الله عنه وضع له : الكلام كله ثلاثة أضرب اسم وفعل وحرف . ثم رفعه إليه وقال له : تمّم على هذا … وقيل لأبي الأسود : من أين لك هذا العلم ؟ يعنون النحو ، فقال : لـقنت حدوده من علي بن أبي طالب رضي الله عنه ).

الـمُحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني ص3-4 : ( .. فوجّه زياد رجلا فقال له : أقعد في طريق أبي الأسود فإذا مرّ بك ، فاقرأ شيئا من القرآن وتعمّد اللحن فيه ، ففعل ذلك فلما مرّ به أبو الأسود رفع الرجل صوته فقال …فأحضرهم زياد فاختار منهم أبو الأسود عشرة ، ثم لم يزل يختار منهم حتى اختار رجلا من عبد القيس ، فقال : خذ المصحف وصِبْغا يخالف لون المداد ، فإذا =>

 
 

- ص 763 -

- من أكمل تنقيط المصحف بنقط الإعجام

وتابع طريق أبي الأسود الدؤلي في نقط القرآن الكريم تلميذه يحيى بن يَعْمَر العدواني بنقط آخر وهو نقط الإعجام ، وهو من الشيعة الإمامية أيضا ، ليكمل الله عز وجل حفظ كتابه وصيانة رسمه وسواده من التحريف والتبديل سواء من الحركات الإعرابية أو من النقاط على يد الشيعة الإمامية .

وقد قال البعض أنه أوّل من نقط المصحف ، هو خلطٌ بين تنقيط الإعراب وتنقيط الإعجام ، فأوّل من نقّط القرآن تنقيط إعجام هو يحيى بن يعمر كما قال أرباب السير والتراجم ( 1 ) .

  => فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف ، وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى جانب الحرف وإذا كسرتُها فاجعل النقطة في أسفله ، فإن أتبعت شيئا من هذه الحركات غُـنّة فانقط نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره. ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك ).

الفهرست للنديم ص45 –46: ( … فقال أبو عبيدة : أخذ النحو عن علي بن أبي طالب أبو الأسود وكان لا يخرج شيئا مما أخذه عن علي كرم الله وجهه إلى أحد حتى بعث إليه زياد أن اعمل شيئا يكون للناس إماما ويُعرف به كتاب الله ، فاستعفاه من ذلك حتى سمع أبو الأسود قارئا يقرأ {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}(التوبة/3) بالكسر فقال : ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا ! ، فرجع إلى زياد ، فقال : أفعل ما أمر به الأمير ، فليبغني كاتبا لقنا يفعل ما أقول فأتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضه فأُتي بآخر . قال أبو العباس المبرد : أحسبه منهم ، فقال أبو الأسود : إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه ، وان ضممت فمي فانقط نقطة بين يدي الحرف و إن كسرت فاجعل النقطة نقطتين . فهذا نقط أبي الأسود )

معجم الأدباء ج12ص34ت14: ( أحد سادات التابعين والمحدثين والفقهاء والشعراء والفرسان والأمراء والأشراف … والأكثر على أنه أوّل من وضع العربية ونـقَّـط المصحف ) .

وراجع للزيادة البداية والنهاية لأبن كثير ج8ص312 ط منشورات دار المعارف ، أُسد الغابة لابن الأثير ج2ص491ت2650 ط دار الفكر .
ولبيان وثاقته يراجع تـهذيب الكمال في أسماء الرجال للمزي ج33ص38ت7209

والجرح والتعديل للرازي ج4ت2214 ط دار الأمم ، وتقريب التهذيب لابن حجر ت7940 ط مؤسسة الرسالة ) .

وهناك شاهد محسوس على وجود هذا النقط الذي اخترعه أبو الأسود الدؤلي وحلى به المصاحف يذكره جرجي زيدان في تاريخ التمدن الإسلامي ج3ص61 : ( فمضى نصف القرن الأول للهجرة و الناس يقرؤون القرآن بلا حركات ولا إعجام . وأول ما افتقروا إليه الحركات ، وأول من رسمها أبو الأسود الدؤلي واضع النحو العربي المتوفى سنة 69 ه‍ فانه وضع نقطاً تمتاز بـها الكلمات أو تعرف بـها الحركات ، ولذلك توهم بعضهم أنه وضع الإعجام . والحقيقة أنه وضع نقطاً لتمييز الاسم من الفعل من الحرف ، وليس لتمييز الباء من التاء من الجيم من الحاء ) .

ثم قال ( وقد شاهدنا في دار الكتب المصرية مصحفاً كوفياً منقّطا على هذه الكيفية ، وجدوه في جامع عمرو بن العاص بجوار القاهرة ، وهو من أقدم مصاحف العالم ، ومكتوب على رقوق كبيرة بمداد أسود وفيه نقط حمراء اللون ، فالنّقطة من فوق الحرف فتحة وتحتها كسرة وبين يديها ضمّة ، كما وصفها أبو الأسود ).

( 1 ) سير أعلام النبلاء ج4ص441ت170: ( يحيى بين يَعْمَر : الفقيه ، العلامة ، المُـقْري ، أبو سلمان العدواني البصري قاضي مرو ويكنى أبا عدي …قرأ القرآن على أبي الأسود الدؤلي …وقيل : أنّه أوّل من نقط المصاحف ، وذلك قبل أن يوجد تشكيل الكتابة بمدّة طويلة ، و كان ذا لسَنٍ وفصاحة ، أخذ ذلك عن أبي الأسود ) .

وفيات الأعيان ج6ص173 وما بعدها ت797 : ( وكان عالماً بالقرآن الكريم و النحو ولغات العرب وأخذ النحو عن أبي الأسود الدؤلي … يقال أن أبا الأسود لـما وضع باب الفاعل والمفعول به زاد فيه رجل من بني ليث أبوابا ثم نظر فإذا في كلام العرب ما لا يدخل فيه فأقصر عنه ، فيمكن أن يكون هو يحيى بن يعمر المذكور إذ كان عداده في بني ليث لأنه حليف لهم . وكان شـيعيـا من الشـيعة الأولى القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لذي فضل من غيرهم – أقول: لا يوجد أحدا شيعيا قديما وحديثا ينتقص الفاضل من غيرهم ، على أن يكون فاضلا - … وقال خالد الحذاء : كان لابن سيرين مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر و كان ينطق بالعربية المحضة واللغة الفصحى طبيعة فيه غير متكلف ).

البداية والنهاية ج9ص73 : ( توفي بالكوفة ، كان قاضي مرو ، وهو أول من نقط المصاحف ، وكان من فضلاء =>

 
 

- ص 764 -

-----------------------

  => الناس و علمائهم وله أحوال و معاملات ، وله روايات ، وكان أحد الفصحاء ، أخذ العربية عن أبي الأسود ).

معجم الأدباء ج20ص42-43ت23 : ( وكان عالماً بالقراءة والحديث والفقه والعربية ولغات العرب ، أخذ عنه أبو الأسود الدؤلي – والصحيح أخذ عن أبي الأسود- ، وكان فصيحًا بليغًا يستعمل الغريب في كلامه … وكان يحيى يتـشيـع ويقول بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لـغيرهم ، -من غير تنقيص للفاضل من غيرهم– وأخباره كثيرة ).

شذرات الذهب ج1ص175 ( وفيها يحيى بن يعمر النحوي البصري لقي ابن عمر و ابن عباس و غيرهما وأخذ النحو عن أبي الأسود وكان يفضل أهل البيت من غير تنقيص لغيرهم ).

تـهذيب الكمال ج32ص53 وما بعدها ت6952: ( قال أبو زرعة ، وأبو حاتم والنسائي : ثـقةٌ …وقال الحسين بن الوليد النيسابوري عن هارون بن موسى : أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر … وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال : كان من فصحاء أهل زمانه و أكثرهم علما باللغة مع الورع الشديد ، وكان على قضاء مرو ).

الفهرست للنديم ص46 : ( ورأيت مما يدل على أن النحو عن أبي الأسود ما هذه حكايته وهي أربعة أوراق أحسبها من ورق الصيني ترجمتها : هذه فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود رحمة الله عليه ، بخط يحيى بن يعمر . وتحت هذا الخط بخط عتيق : هذا خط علان النحوي . وتحته : هذا خط النضر بن شميل ). أقول : كل هذه النصوص تدل على أن يحيى بن يعمر كان علوي المذهب وأنه من تلامذة أبي الأسود وأنه أول من نقط المصحف نقط إعجام .

ولكن الزرقاني يقول إن نصر بن عاصم قد شارك يحيى بن يعمر في تنقيط المصحف ، قال في مناهل العرفان ج1ص399: ( أوّل من نقط المصحف هو يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم تلميذا أبي الأسود ). وهذا مخالف لقول أكثر أهل التراجم والسير ، نعم توجد رواية تشعر أن نصر بن عاصم هو أوّل من نقط المصحف ! كما ذكر ذلك ابن خلكان في وفياته وهذا القول أضعف من سابقه ، خاصة أن هناك شواهد تمنع من قبوله ، لأن ابن سيرين كان يوجد عنده مصحف منقوط بنقط يحيى بن يعمر كما ذكر ذلك صاحب الوفيات : ( وقال خالد الحذاء : كان لابن سيرين مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر )

وكذا ذكر أبو عمرو الداني في المقنع ص 125 ( وروينا أن ابن سيرين كان عنده مصحف نقطه يحيى بن يعمر وأن يحيى أول من نقطها ) ، حتى لو تنازلنا وأنكرنا ما ذكره أرباب السير وملنا أن نصر بن عاصم الليثي هو أول من نقط المصحف وأنه لا مدخلية ليحيى بن يعمر في تنقيط القرآن ، فلا ضير في ذلك لأن الشيعة الإمامية فضلهم عليه سابق ، لأنـهم معلّمو نصر بن عاصم كما ذُكر ذلك في بغية الوعاة ص403 من أنّ نصر الليثي أخذ عن أبي الأسود الدؤلي ويحيى بن يعمر ، وجاء مثله في طبقات القراء ص336 ، وهو في الفهرست ص47 : ( وقال بعض العلماء : أن نصر بن عاصم أخذ عن أبي الأسود ) .

ويمكن تقريب معنى كون يحيى بن يعمر بمنـزلة شيخ نصر بن عاصم بـهذا السند الموجود في سير أعلام النبلاء ج4 ترجمة يحيى بن يعمر ت170 ( …عمران بن قطّان عن قتادة عن نصر بن عاصم عن عبد الله بن فطيمة عن يحى بن يعمر قال …) .

وأما الخبر الذي يذكر فيه أنه نقّط المصحف هو ما ذكره ابن خلكان في ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي ، في كتابه وفيات الأعيان ج2ص32 : ( وحكى أبو أحمد العسكري في كتابه التصحيف أن الناس غبروا يقرؤون في مصحف عثمان ابن عفان رضي الله عنه نيفًا وأربعين سنة إلى أيام عبد الملك بن مروان ، ثم كثر التصحيف وانتشر بالعراق ، ففزع الحجاج بن يوسف الثقفي إلى كتّابه وسألـهم أن يضعوا لـهذه الحروف المشتبهة علامات ، فيقال : إن النصر بن عاصم قام بذلك فوضع النقط أفراداً وأزواجاً وخالف بين أماكنها فغبر الناس بذلك زماناً لا يكتبون إلا منقوطاً فكان مع استعمال النقط أيضا يقع التصحيف ، فأحدثوا الإعجام فكانوا يتبعون النقط الإعجام ، فإذا غفل الاستقصاء عن الكلمة فلم توفّ حقوقها اعترن التصحيف ، فلتمسوا حيلة ، فلم يقدروا فيها إلا على الأخذ من أفواه الرجال بالتلقين ).

أقول : وهذه الرواية التي يصفها الدكتور صبحي الصالح بالغريبة – من كلام الصالح يتضح أن راويها أبا أحمد العسكري اعتاد نقل الغرائب - مبهمة تعجز عن تحديد أول من نقط المصحف ، ناهيك عن عدم إمكان قبول دلالتها لأن صاحب الوفيات ذكر أن الحجاج قد أمرهم ليضعوا على الحروف المشتبهة علامات ، فهذا يعني أنه قد أمرهم بتنقيطه نقط إعجام للتمييز بين الأحرف ، ثم يقول إن هناك قول بأن نصر بن عاصم من قام بتلك المهمة – ولا دلالة على أسبقيته- وبعد أن قام بـها حصل تصحيف جديد فأحدثوا الإعجام الذي فرضت الرواية أن الحجاج أمر به من قبل وفعله نصر بن عاصم ‍! ، فالخلط في الرواية بين نقط الإعجام ونقط الإعراب واضح ، وتنبه له صاحب تاريخ التمدن الإسلامي بعد أن أورد رواية ابن خلكان فقال في ج3ص62: ( وفي عبارة ابن خلكان هذه التباس ، لا يفهم المراد بـها ولا الفرق بين التنقيط والإعجام وهما واحد ، ولا يعقل أن يكون المراد بالنقط الحركات لأنـهم عمدوا إليها لكثرة التصحيف ، أي لاختلاف القراءة باختلاف النقط ، ولكن نصراً هذا لم ينقط إلا بضعة حروف مما يكثر وروده ويخشى الالتباس فيه ، ثم رأوا القراءة لا تنضبط إلا =>

 
 

- ص 765 -

-----------------------

  => بتنقيط كل الحروف كما هي الآن و هذا ما عبروا عنه بالإعجام )

ونختم بما ذكر في مباحث في علوم القرآن ص91-94 : ( وعسير علينا أن نحدد -عن طريق هذه الروايات المختلفة - البواعث التي حملت أبو الأسود على نقط القرآن ، فلا نعرف هل اندفع من تلقاء نفسه أم استجاب لأمر لم يفكر فيه من قبل ، ولا نعرف كنه العمل الذي قام به ولكننا لا نرتاب قط قد أطلّع أول الجميع بعبء جسيم ، فهذا هو الحد الأدنى مما نطقت به تلك الأخبار والروايات أما أنه أفرد وحده بوضع أصول القرآن وشكله فليس منطقيا ولا معقولا ، فما ينهض بمثل هذا فرد أو أفراد ، ولا يبلغه تمامه جيل بل أجيال وبحسب أبي الأسود أنه كان حلقة أولى في سلسلة نقط القرآن وتجويد رسمه .

وفي هذه السلسلة حلة أخرى يميل بعض العلماء إلى عدّها كذلك حلقة أولى ، حيث يرون أن ( أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر ) ولابد أن يكون ليحيى عمل في نقط القرآن ، ولكن لا برهان بين أيدينا على أنه حقا كان أوّل من نقطه إلا أن يكون المراد أنه أول من نقط المصاحف بـمرو ، وتبلغ قصة أوّليته هذه ذروتـها من الإحكام والحبك حين يزعم ابن خلكان أنه كان لابن سيرين مصحف منقوط نقطه يحيى بن يعمر ، ومن المعلوم أن ابن سيرين توفي سنة 110 ه‍ فقط عرف قبل هذا التاريخ مصحف كامل النقط ، تام الشكل ، وتلك النقط المعوّضة للحركات ، وهو أمر خطير جداً ليس من السهل التسليم به .

وأمّا نصر بن عاصم الليثي فلا يستبعد أن يكون عمله في نقط القرآن امتدادا لعمل أستاذيه أبو الأسود و ابن يعمر، فإنه أخذ عنهما كما أسلفنا ، بيد أن أبا أحمد العسكري – في إحدى رواياته الغريبة – يؤكد أن نصر بن عاصم اطلع بنقط القرآن حين خاطب الحجاج كتابه وسألـهم أن يضعوا علامات على الحروف المتشابـهة ، وتكاد هذه الرواية تنطق أن نصراً كان أوّل من نقط المصاحف ، ولكنها تضل – مع ذلك – أضعف أن تعضل في هذا الخلاف برأي يقيني قاطع . ولأن تعذر إطلاق الحكم بأن أبا الأسود أو ابن يعمر أو نصرا كان أول من نقط المصاحف ، فلا يتعذر القول بأنـهم أسهموا جميعا في تحسين الرسم وتيسير قراءة القرآن على الناس ) ، وفيما ذكره الصالح خلط واضح بين النقطين .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب