إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 765

5- من نوّق التشكيل والحركات الإعرابية وشذب الأحرف الهجائية


الحركات الإعرابية التي وضع أسسها أبو الأسود الدؤلي كانت على شكل نقاط ، ولكي لا تختلط مع نقط إعجام يحيى بن يعمر جعلت بألوان مختلف بعضها عن بعض ، وهذه المنهجية فيها كثير من المعوقات والصعوبات فالقارئ يجد صعوبة في التمييز بين هذه النقاط ومعرفة دلالتـها بحسب اختلاف أمكنتها ، وسرعان ما يخطئ القارئ في القراءة لتزحزح تلك النقاط عن أماكنـها ولو قليلا ، أما على مستوى الكتابة فحدث ولا حرج فالمداد الملون وتنقيط النقاط بألوان مختلفة والتفريق بين الأماكن مع ضيق المسافة بين الأحرف يجعل التنقيط وضبطه عملية صعبة للغاية ( 1 ) ، وعلى أيٍ فهذه حال الخطوة الأولى في طريق الإبداع ، ولهذا انبرى لمهمة تتميم عمل الشيعيين الهمامين ، أحد الشيعة الخلص فتمم المسيرة وأتقنها ، حتى اكتفى الناس إلى يومنا هذا بفعله وابتكاره ، وكان حرصه منصبًّا على القرآن وشكله المرموق وأداء تلك النصوص الكريمة بلا عسر على القرّاء أو اشتباه للكتبة ، فابتدع الضمة والفتحة والكسرة والشدة وابتدع الشكل الأنيق للهمزة ، وزاد خدمة لقرّاء القرآن بوضع الروم والإشمام وغيرها ، وهو الخليل بن أحمد الفراهيدي رحمه الله تعالى .

الفراهيدي هو أوّل من صنّف نقط أبو الأسود الدؤلي وذكر علله وأول من وضع الروْم والإشمام وابتدع الشكل المتعارف من حركات الإعراب – الضمة والكسرة والفتحة والشدة والسكون

  ( 1 ) جزى الله الشيعة عن القرآن الكريم خير الجزاء .  
 

- ص 766 -

والهمزة – فخدم كُتّاب القرآن الكريم خدمة عظيمة ، إذ كان يختلط عليهم نقط الإعجام بنقط الإعراب حيث كانت تتزاحم في الكلمة الواحدة بشكل يثير اللبس والخلط . ( 1 )

وعمله رحمه الله أثر أثرا إيجابيا على قراءة القرآن الكريم وفهمه ، ولا يخفى ما لـهذا العمل والجهد من أثر في الحفاظ على قراءة القرآن الكريم المتواترة وصيانته من التغيير على مر الزمن بتغيّر قراءته وما ينجم عنه من المصائب كالتي حدثت في زمن ابن عفان .

  ( 1 ) من راجع ترجمته رحمه الله لا يشك في أنه أول من صنف نقط القرآن وذكر علله وابتدع ما يناسب نطق أحرفه بلا غلط ولـحن ، وقد ذكره في كتاب مباحث في علوم القرآن ص 94 : ( وقد اتخذ هذا التيسير أشكال مختلفة ، فكان الخليل أول من صنّف النقط ، ورسمه في كتاب ، وذكر علله ، وأوّل من وضع الهمزة والتشديد والرّوم والإشمام ).

المحكم في نقط المصاحف لأبي عمرو الداني ص9 : ( قال أبو عمرو : وأول من صنّف النقط ، ورسمه في كتاب ، وذكر علله الخليل بن أحمد ) ، وفي ص 133 ( وأوّل من وضع الهمزة والتشديد والروّم والإشمام ).

وفي الإتقان ج2ص171: ( قال جلال الدين : كان الشّكل في الصدر الأول نقطاً ، فالفتحة نقطة على أوّل الحرف ، والضمّة على آخره و الكسرة تحت أوّله . وعليه مشى الداني . والذي اشتهر الآن : الضّبط بالحركات المأخوذة من الحروف ، وهو الذي أخرجه الخليل بن أحمد الفراهيدي فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف ، والكسر كذلك تحته ، والضمّ واو صغيرة فوقه ، والتنوين زيادة مثلها … قال : وأوّل من وضع الـهمز والتشديد والروم والإشمام الخليل أيضا ) .

وكذا في معجم القراءات القرآنية ج1ص63-64 ، نقلا عن مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق مجلد22ج1ص22 : ( واستمر هذا إلى أن جاء الخليل بن أحمد فوضع رمزاً جديداً للهمزة حيث اقتطع رأس العين –لقرب الهمزة منها – وجعلها رسماً للهمزة ، وكتبها " قطعة " وشاع رسم الهمزة الجديد ، ولكن أبى الناس زمناً أن يدخلوا رسم الخليل على المصحف ورأوه بدعة ، على أنه لم يلبث أن شاع وكتبه كتبة المصاحف ولكن مع بقاء الكتابة الأولى فكتبوا " يستهزئون " بياء وهمزة معاً و " يؤمنون " بواو وهمزة ، ليقرأ بالهمزة من حققّها وبالياء والواو من سهلها ، وكان هذا أصل الازدواج في كتابة الهمزة ).

محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر ص 35 : ( أوّل من نقّط المصحف اختلف فيه قال السيوطي في الإتقان أوّل من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي بأمر من عبد الملك وقيل أول من نقطه الحسن البصري ويحيى بن يعمر وقيل نصر بن عاصم الليثي وأوّل من وضع الهمزة والتشديد والروم والإشمام الخليل النحوي ).

مع القرآن الكريم ص407 : ( وعن أبي الأسود أخذ العلماء النقط وأدخلوا عليه بعض التحسين إلى أن جاء عصر الدولة العباسية وظهر العالم الجليل الخليل بن أحمد البصري فأخذ نقط أبي الأسود و أدخل عليه تحسيناً فجعل علامة الضم واواً صغيرة . لأن الضمة إذا أشبعت تولد منها واو ، وعلامة الكسرة ياء صغيرة لأن الكسرة إذا أشبعت تولد منها ياء وهو المسمى الآن بالشكل وزاد على ذلك فجعل علامة للتشديد وهي رأس شين وعلامة للسكون وهي راس خاء وأخرى للهمزة وعلامة للاختلاس والإشمام ).

الخط العربي ص89-80 : ( دخل على الحروف العربية إصلاح ثالث دعا إليه تشابه نقط أبي الأسود التي قصد منها إلى تيسير القراءة الصحيحة وضبط الكلمات مع نقط الإصلاح الثاني التي قصد منها إلى إعجام الحروف لتمييز المتشابه منها في الصورة بعضها عن بعض فقد اشتبهت نقط الشكل مع نقط الإعجام مع ما بينهما من اختلاف اللون وصعب على الكاتب استعمال مدادين مع ما في ذلك من ضياع للوقت فأجري الإصلاح الثالث في العصر العباسي الأول وأبدلت نقط الشكل التي وضعها أبو الأسود الدؤلي بعلامات أخرى فاخترع الخليل بن أحمد الشكل المستعمل الآن بأن كتب الضمة واو صغيرة فوق الحرف والفتحة ألفا والكسرة ياء والشدة رأس شين والسكون رأس خـاء وهمزة القطع رأس عين ثم اختزل شكلها وزيد عليها حتى آلت إلى الشكل المعروف الآن وبـهذا أصبح ممكنا شكل الحروف وإعجامها بلون واحد ).

اختلاف الفقهاء والقضايا المتعلقة به في الفقه الإسلامي المقارن ص23 : ( لما فسد اللسان العربي بسبب اختلاط العرب بالعجم دعت الحاجة إلى تنقيط الحروف وتشكيلها حتى لا يقع اللحن في القرآن الكريم ولذا أمر زياد بن أبيه أبا الأسود الدؤلي قاضي البصرة بوضع علامات تضبط أواخر الكلمات … وفي العصر العباسي قام الخليل بن أحمد المتوفى 170ه‍ بوضع علامات التشكيل المعروفة لنا الآن ، ثم عنى القراء و الحفاظ بوضع علامات الفصل ، والوقف وكل ذلك لا يمس المصحف العثماني في شيء ، بل هو من أجل المحافظة عليه ومنع التبديل والتغيير فيه ).

قال السيد محسن الأمين رضوان الله تعالى عليه في أعيان الشيعة ج6ص337-340 ترجمة الخليل بن أحمد الفراهيدي : ( في الخلاصة : الخليل بن أحمد أفضل الناس في الأدب ، وقوله حجة فيه ، اخترع العروض وفضله أشهر من أن يذكر ، وكان إمامي المذهب . وعن ابن إدريس في مستطرفات السرائر أنه عدّه من كبراء أصحابنا إلا أنه سمّاه الخليل بن إبراهيم بن أحمد العروضي . وفي رياض العلماء : كان الخليل على ما قاله الأصحاب من أصحاب الصادق ويروي عنه والخليل جليل القدر عظيم الشأن أفضل الناس في علم الأدب وكان إمامي المذهب وكان في عصر مولانا الصادق بل الباقر عليهما السلام وكان إماما في علم النحو واللغة … وكان الخليل رجلا صالحا عالما حليما وقورا حسن الكلام ، =>

 
 

- ص 767 -

-------------------------

  => وقال الشيخ البهائي في حواشي الخلاصة أنه كان من أصحاب الصادق عليه السلام ، وقال الكفعمي من علمائنا : أن الخليل كان أزهد الناس وأرفعهم نفسا وكان الملوك يقصدونه ويبذلون له فلا يقبل وكان يحج سنة ويغزو سنة حتى جاءه الموت اه‍. الرياض .

وعن كشف الغمّة عن محمد بن سلام الجمحي عن يونس بن حبيب النحوي تلميذ الخليل قلت : له أريد أن أسألك عن مسألة فكتمتها علي ؟ فقال : قولك يدل على أن الجواب أغلظ من السؤال فكتمته أيضا ؟ قلت : نعم أيام حياتك . قال : سل . قلت : ما بال أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم كأنـهم كلهم بنو أب واحد وأم واحدة وعلي –عليه السلام- من بينهم كأنه ابن علة ، قال : من أين لي الجواب ، قلت : دعتنيه ، قال : وقد ضمنت لي الكتمان ، قلت : أيام حياتك . قال : أن عليا تقدمهم إسلامًا وفاقهم وبذّهم شرفًا ورجح عليهم زهدًا وطالـهم جهاداً والناس على أشكالـها وأشباهها أميل منهم إلى من بان عنهم .

وعن الصدوق عن أبي زيد النحوي الأنصاري : سألت الخليل بن أحمد لم ترك الناس عليًا وقربه من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قربه وموضعه من المسلمين موضعه وغناؤه في الإسلام غناؤه ؟ فقال : بـهر والله نوره أنوارهم غلبهم على صفو كل سهل والناس على أشكالـها أميل أما سمعت قول الأول : وكل شكل لشكله الف أما ترى الفيل يألف الفيلا ).

تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام ص149 : ( وللخليل كتاب في الإمامة أورده بتمامه محمد بن جعفر المراغي في كتابه ، واستدرك ما أغلفه الخليل من الأدلة ، وسمّاه كتاب الخليلي في الإمامة ، وذكره أبو العباس النجاشي في ترجمة محمد بن جعفر المراغي الـهمداني في فهرس أسماء مصنّفي الشيعة ، وذكر ياقوت في ترجمة محمد بن جعفر المراغي الـهمداني المذكور ، أن له كتاب الاستدراك لما أغفله الخليل ، ولم يذكر أنه في الإمامة كما نص عليه النجاشي ، وذكر ذلك السيوطي في بغية الوعاة ولم يذكر فيما استدرك المراغي ، ولكن النجاشي لـما كان من شيوخ الشيعة و العارف بمصنّفاتـهم بل تلميذ للمراغي نص على أنه في الإمامة ، لأن المراغي أيضا من شيوخ علماء الشيعة ).

معجم رجال الحديث ج7ص76ت4337 : ( عدّه الحلي في مستطرفات السرائر من كبراء أصحابنا المجتهدين وذكر أنه الخليل بن إبراهيم بن أحمد . وقال العلامة في القسم الأول من الخلاصة 10من الباب 2 من فصل الخاء : الخليل بن أحمد كان أفضل الناس في الأدب وقوله حجة فيه ، واخترع علم العروض و فضله أشهر عن أن يذكر وكان إمامي المذهب . وقال ابن أبي داود في القسم الأول 564 : الخليل بن أحمد شيخ الناس في علوم الأدب وفضله وزهده أشهر من أن يخفى كان إمامي المذهب . قيل انه سئل عن الدليل على إمامة علي عليه السلام على نحو الكل في الكل قال : احتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكل ) . وهذا فعل الفراهيدي فجزاه الله خير الجزاء لخدمته لكتاب الله عز وجل .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب