إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 767

6- من هـذّب خط المصحف بابتداع خط النسخ الأنيق وأنـهى المسيرة


الخط القديم الذي كتب به المصحف زمن عثمان لا تكاد تقوم بينه وبين الخط الذي كتب به المصحف اليوم مقارنة بما للكلمة من معنى لما فيهما من بعد واسع وتغاير فاحش ، فلا يشك المرء من وجود نقلة نوعية للخط العربي النسخي جعلته بـهذه الصورة الأنيقة التي تراها اليوم ، فالمتاحف والمخطوطات القديمة التي تحكي رسالة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم للملوك في عصره شاهد على عدم دقة الخط وتغايره الشديد عن خطنا ، هذا بغض النظر عن فقدان الألفات والنقاط إذ هذه

- ص 768 -

الأحرف التي أمامنا متغايرة عن بعضها نوعا ما حتى بدون النقاط والألفات بخلاف تلك ، فلا ريب إذن في وجود فاصلة كبيرة وقفزة في مسيرة الخط العربي .

المعلوم أن أهم ما كتب في الإسلام هو القرآن الكريم لذا أي تحسين يدخل في عالم الكتابة كان هدفه الأول والأهم هي كتابة القرآن الكريم ، لذا كان المصحف الشريف على رأس أولويات أي تحسين وتشذيب يطرأ على الخط في العالم الإسلامي وقد مرت الشواهد على ذلك من فعل أبي الأسود وتلميذه ، وسنتكلم هنا عن رجل قلب شكل الخط القديم المبهم المعالم إلى خط آخر لا يمت له بكثير صلة ، حيث قام على تحسينه وإضافة بعض الخطوط إليه مع تشذيب للأطراف وتقصير لبعض الأحرف ، وهندسها على ميزان النقاط فجعل لكل حرف مقياسا خاصا منها ، على طوله عدد خاص من النقاط وكذا على عرضه ، فأحكمها إحكاما ، إلى أن أوصل الخط النسخي القديم البدائي إلى هذا الخط الرائع المهندس الموزون ، وبعد تحسين الخط ونقله لهذا المستوى من الرقي والتفنن أخذ هذا الرجل يخط المصحف الشريف الذي كان من أوليات أهدافه لتحسين الخط ، فابتدأ المسيرة وأنـهاها على يديه وهي هكذا إلى يومنا هذا ، فكان الفضل له في سهولة قراءة المصحف الشريف وتنوق خطه وجماله ، وهذا كذلك أحد رجالات الشيعة وهو الوزير أبو علي بن مقلة ، الخطاط الشهير ب‍ الوزير ابن مقلة ، وهو صاحب الفضل على الخط العربي وبالتبع على كل قارئ للمصحف الشريف ، وهذا من نفس سنخ الشيعة الذين سبقوه في عالم صيانة القرآن والحفاظ عليه فختمت عليه أبواب تحسين الخط وتشذيبه ، ووصل المصحف الشريف إلينا بـهذا الشكل الرائع الذي نراه ونتمعن في جمال خطه ورونقه المبدع ( 1 ) .

  ( 1 ) طبقات أعلام الشيعة ج1ص286: ( محمد بن علي بن الحسن بن عبد الله الشهير بابن مقلة البيضاوي الشيرازي البغدادي ، الوزير أبو علي المولود بعد العصر يوم الخميس 21 شوال 272 والمقتول يوم الأحد 10 شوال 328 كما أرّخه ابن النديم ، قال إن مقلة لقب أبيه علي وهو الخطاط المشهور الذي كمّل خطّ النسخ نقلا له عن الخط الكوفي وسمّي نسخا لأنه نسخ به سائر الخطاط ، اخترع أولاً نوعاً من الخط الكوفي سمّاه المحقق ، ثم نوعا آخر سمّاه خط الريحان ، ثم اخترع خط الثلث الريحاني من خط الريحان ، ثم اخترع النسخ وتعلم عنه خلق كثير في مدّة يسيرة من سنة 310 . استوزر ثلاث مرات وعزل ثلاثاً وولي فارس ثلاث مرات إلى أن قُتل . حكى صاحب الرياض في أول الصحيفة الثالثة السجادية أنه رأى نسخة من الصحيفة بخط ابن مقلة هذا ، وهي رواية محمد بن الحارث عن الحسين بن أشكيب الثقة الخراساني من أصحاب الهادي و العسكري عليهما السلام . عن عمير بن هارون المتوكل البلخي إلى آخر سند الصحيفة والظاهر أنه يرويه عن محمد عن الوارث ).

أقول : والإشادة بعمل هذا الرجل لا يكاد يخلو منه كتاب تعرض للخط العربي ولرسم المصحف الشريف ، ففي تاريخ التمدن الإسلامي ذكر أن ابن مقلة كمّل خط النسخ بعد أن كان موجودا قبله وجعله على هذا الشكل لكي يخدم به كتابة المصاحف الشريفة ، خلافا لمن قال أنه ابتدعه وحوّره من الخط الكوفي ، قال في ج3ص60-61 : ( وأما الخط النسخي أو النبطي فقد كان شائعا بين الناس لغير المخطوطات الرسميّة ، حتى نبغ ابن مقلة المتوفي سنة 328ه‍ أدخل في الخط المذكور تحسينا جعله على ما هو عليه الآن وأدخله في كتابة الدواوين . والمشهور عند المؤرخين أن ابن مقلة نقل الخط من صورة القلم الكوفي إلى صورة القلم النسخي ، والغالب في اعتقادنا أن الخطين كانا شائعين معا من أول الإسلام : الكوفي للمصاحف ونحوها ، والنسخي ( أو النبطي ) للرسائل ونحوها كما تقدم ، وأن ابن مقلة إنما جعل الخط النسخي على قاعدة جميلة حتى يصلح لكتابة المصاحف ). ثم دعم المؤلف استدلاله بدليل حسي فقال : ( وقد شاهدنا في معرض الخطوط العربية القديمة في دار الكتب الخديوية =>

 
 

- ص 769 -


ولكي تقف عيانا على ما فعله ابن مقلة من عظيم فرق وبُعد بون من الوضوح والجمال الذي أدخله على المصحف الشريف ننقل لك سورة الفاتحة المباركة بالخط الذي كان يكتبه المسلمون قبل ابن مقلة وتحته الخط الذي حسنه وشذبه ابن مقلة ، وهو الذي استمر إلى يومنا هذا :

   => ( دار الكتب المصرية الآن ) عقد نكاح مكتوباً في أواسط القرن الثالث للهجرة سنة 264 ه‍ على رق مستطيل في أعلاه صورة العقد بالقلم الكوفي المنتظم ، و تحتها خطوط الشهود بالقلم يالنسخي بغاية الاختلال – فابن مقلة حسن هذا الخط تحسينا وأدخله في كتابة المصاحف ) .

أقول : وعلى أي حال فابن مقلة إنما فعل ذلك التحسين لأجل المصحف الشريف ليكتب بصورة أنظم ولا شبهة في حروفه بعد جعل الأحرف على ميزانـها لا تزيد ولا تنقص طولا أو عرضا ، ولا أقل أن الخطوط الأخرى غير خط النسخ لا تشكّل بالحركات على أحرفها ، فما فعله ابن مقلة خدمة جليلة القدر لقرّاء القرآن لجميع الأجيال يحفظ بـها القرآن من التغيير في ألفاظه وتعرضه للحن ويمكن تشكيل أحرفه . قال في نشأة وتطور الكتابة الخطية العربية ص147 : ( وسمي خط النسخ بالنسخ لأن الوراقين أو النساخ كانوا ينسخون به المصاحف فغلبت عليه تلك التسمية … ومما تجمل معرفته أن الحروف العربية النسخية هي أكثر الحروف استعمالا في تدوين القرآن وكتب السنة وكتب الدين بين الأمم التي احتفت بلغتها الأصلية وذلك لسهولة قراءته وعدم اللبس فيه ).

وكذا في ص232 نقلا عن تاريخ القرآن للكردي الخطاط ص184 : ( والمصاحف في العهد الأول كانت تكتب بأنواع متعددة من الخط الكوفي إلى القرن الخامس – ثم لما تنوعت الخطوط صاروا يكتبونـها بالخط الثلث إلى القرن التاسع- ولما ظهر خط النسخ الذي هو أجمل الخطوط صاروا يكتبونـها به إلى عصرنا الحاضر . والحق أن جمال المصاحف لا يظهر إلا إذا كتب بخط النسخ أما بقية الخطوط كخط الرقعة والديواني والفارسي وسياقت وشاكسته فلا يحسن كتابتـها بـها – لأن قاعدة تلك الخطوط هو عدم تشكيلها – بينما المصاحف يجب تشكيلها صيانة للقارئ من اللحن ).

وكذلك في انتشار الخط العربي ص14-15 : ( وأما الخط النسخي فقد كان مستعملا بين الناس لغير المخطوطات الرسمية حتى نبغ الوزير أبو علي محمد بن مقلة المتوفى سنة 328 ه‍ فأدخل في الخط المذكور تحسينا كبيرا بعد أن كان في غاية الاختلال وأدخله في المصاحف وكتابة الدواوين ). ‌‌

وقد حكى لنا الياقوت الحموي في معجمه أن ابن مقلة كان يخط المصحف الشريف قال في ج15ص122: ( حدثني أبو الحسن علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب قال : كنت أتصرّف في خزانة الكتب لبهاء الدولة بشيراز علي اختياري وأراعيها له وأمرها مردود إلي ، فرأيت يوما في جملة أجزاءٍ منبوذة جزاء مجلّداً بأسود قدر السُكّري ففتحته وإذا هو جزءٌ من ثلاثين جزءًا من القرآن بخط أبي علي بن مقلة ، فأعجبني وأفردته فلم أزل أظفر بجزءٍ بعد جزءٍ مختلط في جملة الكُتب إلى أن اجتمع تسعةٌ و عشرون جزءاً وبقي جزءٌ واحد استغرقت تفتيش الخزانة علي مدَّة طويلة فلم أظفر به فعلمت أن المصحف ناقص … الخ ).

 
 

- ص 770 -


فحري بنا أن نقف إجلالا لهذا العمل الفذ الذي خدم به المصحف الشريف خدمة جليلة يقدر فضلها ويطيب ذكرها حينما ننظر للحال التي كان عليها خط المصحف وما آل إليه بعد عمل هذا الشيعي رحمه الله .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب