إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 134

الفصل الثاني :
أهل السنة وتحريف القرآن

القسم الأول : تحريف القرآن غير الصريح

لا ينكر أحد من أهل العلم أثر علوم القرآن في فهم نصوصه واستنباط أحكامه ، فالناسخ والمنسوخ وأسباب النـزول لهما مدخلية في بيان مراد الله عز وجل من الآيات ، وليس هذا موضوع البحث ، وإنما الكلام هنا عن الأثر الذي تضفيه العلوم القرآنية على نفس كلماته وألفاظه دون التعدي إلى مداليلها وما يستفاد منها ، وبعبارة أخرى سنقصر النظر في هذه المطالب على خصوص ما تمليه علوم القرآن عند الفريقين من سلامة ألفاظه من التحريف بالزيادة أو النقص في مادتـها .

* المستفاد من نتيجة البحث في علوم القرآن :

ومع استعراض جزئيات مباحث علوم القرآن التي تمس صيانة القرآن من التحريف يتضح لنا من هو الأجدر بنسبة تـحريف القرآن لمعتقده ، فالكلام كله دائر مدار المرتكزات في كل من مذهب آل البيت عليهم السلام ومذهب أهل السنة ، والمستفاد من هذه الأبحاث الاطلاع على التحريف بثوبه العام المتجسد بمباحث علوم القرآن التي بـها يقع القرآن بكامله وبجميع نصوصه تحت مطرقة وسندان ما زج به في علوم القرآن ، فلو استفيد التحريف من تلك العلوم فإن كل آيات القرآن بلا استثناء تزحزح عن مقامها الراسخ ويسفّ بـها إلى حضيض عالم التشكيك والتبديل ، لأن علوم القرآن المبحوثة هنا لا تمس آية دون أخرى .

ولا يلزم من نسبة قولا ما لأي مذهب أن جميع من انتسب لهذا المذهب قد قال به ، فنحن لا جرم نتنـزه عن أسلوب الوهابية هذا ، فلا نجحف بمن خالف القول السائد ، بل سننقل أقوال بعض المخالفين له ، نعَم النسبة تكون للعموم والمتعارف فيما بينهم أي النسبة للأغلب لا الكل ، وهذا نلتزم به مع السنة والشيعة على حد سواء .

- ص 135 -

وأوّل هذه المباحث ترتيبا هو الكلام في الأحرف السبعة ومن ثم جمع القرآن ومن بعده القراءات القرآنية وآخرها هو نسخ التلاوة .

المبحث الأول : الأحـــرف الســـبـعـة

موضوع الأحرف السبعة من المواضيع الشائكة ، ومن استرق السمع في ميدان الأخذ والرد فيها يستشعر ملالة الموضوع وطول نفس من خاض فيه ، لا لأن ماهيته غير محددة فقط ، بل لأن بعض من خاضوا فيه تكلموا بآرائهم الشخصية بعيدا عن الأدلة ومقتضى القواعد العلمية ، فراج سوق من لا يملك سوى التقول على الله عز وجل بغير علم والجزم بلا تحرّج !

ومن الواضحات التي لا تحتاج إلى إطالة أن علوم القرآن لها أثر بالغ في إثبات نزاهة القرآن الكريم وقداسته ، وأهمها مقامنا هذا لما سيثمر عنه من نتائج وآراء ، إذ هي طاعنة بقداسة القرآن الكريم في الصميم ، وباختصار فإن علوم القرآن التي نسبتها روايات بعض الفِرق ومشوا في ظلامها صارت حجر عثرة ووصمة عار في جبين القرآن ، للأسف .

أولا : أهل السنة ومعنى الأحرف السبعة

ما هي الأحرف السبعة ؟

هذا السؤال معضلٌ ومتشابك الأطراف لكثرة تضاربـهم في تحديد ماهية تلك الأحرف السبعة ، وبنظرة عابرة في كتب علوم القرآن نجد أن كتـّابـهم قبل أن يخوضوا في هذا المبحث يمهّدون بمقدمة مفادها أن هذا البحث مؤذٍ والخوض فيه ليس من السهولة بمكان ، ومعهم الحق في ذلك .

وعلى أي حال فإن هذه المباني من علوم القرآن وغيرها ليست من المباني العقلية التي يصح للعقل البت فيها منفردا عن النصوص الشرعية ، فهي تأسيس من الشريعة لذلك يلزم مراجعة رأي

- ص 136 -

الشارع عز وجل في تحديد ماهيتها ، فالحكم الفصل في المسألة هي النصوص الشرعية وإلا نقف متحيرين .
وبما أن النصوص الشرعية تدور في فلك الآيات والأحاديث ، استقرأنا آيات القرآن فلم نجد أي دليل فيها يشير من قريب أو بعيد إلى المطلوب ، فتعين لنا الشق الآخر وهي الروايات .

وبعد الوقوف على نوع الدليل المعول عليه في إجابة السؤال المطروح عن ماهية الأحرف السبعة ، نقول إن النظر في مدلول روايات أهل السنة حول الأحرف السبعة ينادي بإبـهام وغموض ماهية الأحرف السبعة ، وهاك تفصيل الكلام .

* السبب في إبـهام ماهية الأحرف السبعة .

كان سبب دخول الأحرف السبعة في حيز علوم القرآن وجود بعض الروايات في صحاح أهل السنة ، فمفهوم الأحرف السبعة استفاض نقله من طرقهم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل ادّعى تواتر رواياتـها أبو عبيد بن سلام في فضائل القرآن وردّ عليه الأستاذ الزرقاني في مناهله فقال:
" وكأن هذه الجموع التي يؤمن تواطؤها على الكذب هي التي جعلت الإمام أبا عبيد بن سلاّم يقول بتواتر هذا الحديث ، لكنك خبير بأن من شروط التواتر توافرَ جمعٍ يُؤمن تواطؤهم على الكذب في كل طبقة من طبقات الرواية ، وهذا الشرط إذا كان موفوراً هنا في طبقة الصحابة كما رأيت فليس بموفور لدينا في الطبقات المتأخرة " ( 1 ) .

وكان من الطبيعي حال ورود هذه الكثرة من الروايات أن يحدد بـها معنى الأحرف السبعة ، ولكن يا حسرة ! تلك الروايات غير متفقة في المعنى وتضاربـها على أشده سواء أكان في تحديد معناها أو في عدد الأحرف نفسها حتى أشكل المقصود منها على كثير من علمائهم وتاهوا في دوامة تلك الأحرف .
إذن فعلة الإبـهام هو قصور الأدلة ، ولنذكر هنا مناقشة معنى تلك الروايات ، والمناقشة ستكون على ثلاثة محاور :

لمتابعة المحور الأول اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 1 ) مناهل العرفان للأستاذ الزرقاني ج1ص132ط الحلبي الثالثة .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب