|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 169 |
|
ثانيا :
الشيعة الإمامية ومعنى الأحرف السبعة
* كلمات علماء الطائفة رضوان الله عليهم :
قال شيخ الطائفة الطوسي رضوان الله تعالى عليه في
التبيان :" واعلموا أن العرف من مذهب أصحابنا والشائع
من أخبارهم و رواياتـهم : أن القرآن نزل بحرف واحد على
نبي واحد " ( 4 ) .
| |
( 4 ) التبيان في تفسير القرآن ج1ص7 . |
|
|
وقال أمين الإسلام الشيخ الطبرسي رحمه الله في مجمع
البيان : " الظاهر من مذهب الامامية أنـهم أجمعوا على
القراءة المتداولة وكرهوا تجريد قراءة مفردة والشائع
في أخبارهم أن القرآن نزل بحرف واحد " ( 1 ).
وقال المولى الفيض الكاشاني رحمه الله في تفسير الصافي
: " أقول : والتوفيق بين الروايات كلها أن يقال : إن
القرآن سبعة أقسام من الآيات و سبعة بطون لكل آية و
نزل على سبع لغات . وأما حمل الحديث على سبعة أوجه من
القراءات ، ثم التكلّف في تقسيم وجوه القراءات على هذا
العدد – كما نقله في مجمع البيان عن بعضهم – فلا وجه
له ، مع أنه يكذبه ما رواه في الكافي باسناده عن زرارة
عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن القرآن واحد نزل من
عند الواحد ولكن الاختلاف يجيء من قبل الرواة .
وبإسناده عن الفضيل بن يسار قال : قلت لأبي عبد الله
عليه السلام : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على
سبعة أحرف . فقال : كذبوا أعداء الله و لكنه نزل على
حرف واحد من عند الواحد.
ومعنى هذا الحديث معنى سابقه ، و المقصود منهما واحد و
هو : أن القراءة الصحيحة واحدة ، إلا أنه عليه السلام
لما علم أنـهم فهموا من الحديث الذي رووه صحة القراءات
جميعاً مع اختلافها كذّبـهم . وعلى هذا فلا تنافي بين
هذين الحديثين و شيء من أحاديث الأحرف أيضاً " ( 2 ) .
قال المحقق الهمداني رضوان الله تعالى عليه في مصباح
الفقيه : " والحق انه لم يتحقق أن النبي صلى الله عليه
وآله قرء شيئا من القرآن بكيفيات مختلفة بل ثبت خلافه
فيما كان الاختلاف في المادة أو الصورة النوعية التي
يؤثر تغييرها في انقلاب ماهية الكلام عرفا كما في ضم
التاء من أنعمت ضرورة أن القرآن واحد نزل من عند
الواحد كما نطق به الأخبار المعتبرة المروية عن أهل
بيت الوحي والتنـزيل مثل ما رواه ثقة الإسلام الكليني
… " .
" ولعل المراد بتكذيبهم تكذيبهم بالنظر إلى ما أرادوه
من هذا القول مما يوجب تعدد القرآن و إلا فالظاهر كون
هذه العبارة صادرة عن النبي صلى الله عليه وآله بل قد
يدعى تواتره ولكن أعداء الله حرفوها عن موضعها وفسروها
بآرائهم مع أن في بعض رواياتـهم إشارة إلى أن المراد
بالأحرف
| |
( 1 ) مجمع البيان ج1ص79. |
( 2 ) الصافي ج1 ص 61 .
|
|
|
أقسامه
ومقاصده ( 1 ) فانـهم على ما حكى عنهم رووا عنه صلى
الله عليه وآله انه قال نزل القرآن على سبعة أحرف أمر
وزجر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل ويؤيده ما روي من
طرقنا عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال إن الله
تبارك وتعالى انزل القرآن على سبعة أقسام كل قسم منها
كاف شاف وهي أمر وزجر وترغيب وترهيب وجدل ومثل وقصص
وربما يظهر من بعض أخبارنا أن الأحرف إشارة إلى بطون
القرآن وتأويلاته مثل ما عن الصدوق في الخصال بإسناده
عن حماد قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن
الأحاديث تختلف منكم فقال إن القرآن نزل على سبعة أحرف
و أدنى ما للإمام أن يفتي على سبعة وجوه ثم قال و
{هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ
حِسَابٍ}(ص/39)" ( 2 ) .
قال حجة الله البلاغي رحمه الله :" ولا تتشبث لذلك بما
روي من أن القرآن نزل على سبعة أحرف فإنه تشبث واه
واهن . أما أولا فقد قال في الإتقان في المسألة
الثانية من النوع السادس عشر : اختلف في معنى السبعة
أحرف على أربعين قولا و ذكر منها عن ابن حيان خمسة و
ثلاثين . وما ذاك إلا لوهن روايتها و اضطرابـها لفظا و
معنى . وفي الإتقان … فذكر باقي الأدلة " ( 3 ) .
قال العلامة السيد الطباطبائي رحمه الله في الميزان :
" فالمتعيّن حمل السبعة أحرف على أقسام الخطاب وأنواع
البيان ، وهي سبعة على وحدتـها في الدعوة إلى الله و
إلى صراطه المستقيم ، و يمكن أن يستفاد من هذه
الروايات حصر أصول المعارف الإلهية في الأمثال ، فإن
بقية السبعة لا تلائمها إلا بنوع من العناية على ما لا
يخفى " ( 4 ) .
قال السيد الخوئي رحمه الله في البيان : " إن جميع ما
ذكر لها – الأحرف السبعة - من معاني أجنبي عن مورد
الروايات… و على هذا فلا بد من طرح الروايات ، لأن
الالتزام بمفادها غير ممكن . والدليل على ذلك :
| |
( 1 ) وهذا القول لا يمس كرامة القرآن بأي وجه كان ،
وهو عين القسم الآخر من الروايات غير القراءة بالمعنى
.
( 2 ) مصباح الفقيه ج2 ص 275 .
( 3 ) آلاء الرحمن في تفسير القرآن ص30 .
( 4 ) الميزان ج3 ص 74 ، لا يخفى أن معنى الأحرف
السبعة هنا غير المعنى الذي قال به أهل السنة ويرفضه
علماء الشيعة الإمامية وهو جواز تلاعب القارئ في
مفردات القرآن حسب ما يشتهيه القارئ على ألا يختم آية
الرحمة بالعذاب وبالعكس . |
|
|
أولا : إن هذا إنما يتم في بعض معاني القرآن التي يمكن
أن يُعبّر عنها بألفاظ سبعة متقاربة . و من الضروري أن
أكثر القرآن لا يتم فيه ذلك ، فكيف تتصور هذه الحروف
السبعة التي نزل بـها القرآن ؟
ثانيا : إن المراد من هذا الوجه أن النبي صلى الله
عليه وآله وسلم قد جوّز تبديل كلمات القرآن الموجودة
بكلمات أخرى تقاربـها في المعنى – وشهد لهذا بعض
الروايات المتقدمة- فهذا الاحتمال يوجب هدم أساس
القرآن ، المعجزة الأبدية ، والحجة على جميع البشر ،
ولا يشك عاقل في أن ذلك يقتضي هجر القرآن المنـزل و
عدم الاعتناء بشأنه .
وهل يتوهم عاقل ترخيص النبي صلى
الله عليه وآله وسلم أن يقرأ قارئ ( يس ، والذكر
العظيم ، وإنك لمن الأنبياء ، على طريق سويّ ، إنزال
الحميد الكريم ، لتخوّف قوماً ما خوّف أسلافهم فهم
ساهون ) ، فلتقرّ عيون المجوّزين لذلك . سبحانك اللهم
إنْ هذا إلا بـهتان عظيم . وقد قال الله تعالى : {مَا
يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي
إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحَى إِلَيَّ }(يونس/15).
وإذا لم يكن للنبي أن يبدّل القرآن من تلقاء نفسه ،
فكيف يجوّز ذلك لغيره ؟ و إن رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم علّم البراء بن عازب دعاءً كان فيه : (
ونبيك الذي أرسلت ) فقرأ البراء ( ورسولك الذي أرسلت )
فأمره صلى الله عليه وآله وسلم لا يضع الرسول موضع
النبي . فإذا كان هذا في الدعاء ، فماذا يكون الشأن في
القرآن ؟ وإن كان المراد من الوجه المتقدم أن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم قرأ على الحروف السبعة و يشهد
لهذا كثير من الروايات المتقدمة فلا بد للقائل بـهذا
أن يدلّ على هذه الحروف السبعة التي قرأ بـها النبي
صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله سبحانه قد وعد بحفظ
ما أنزله : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). ثالثا : … " .
" وخلاصة الكلام : إن بشاعة هذا القول تغني عن التكلف
عن ردّه ، و هذه هي العمدة في رفض المتأخرين من علماء
السنة لهذا القول . ولأجل ذلك قد التجأ بعضهم كأبي
جعفر محمد بن سعدان النحوي ، والحافظ جلال الدين
السيوطي إلى القول بأن هذه الروايات من المشكل و
المتشابه ، وليس يدري ما هو مفادها مع أنك قد عرفت أن
مفادها أمر ظاهر ، و لا يشك فيه الناظر إليها ، كما
ذهب إليه و اختاره أكثر العلماء " ( 2 ) .
قال في بحوث في تاريخ القرآن : " ولعمري أن هذه
النظرية - نظرية القراءة بالمعنى كما قيل - كانت أخطر
نظرية في الحياة الإسلامية ، لأنـها أسلمت النص
القرآني إلى هوى كل شخص يثبته
| |
( 1 ) أقول : والواقع يكذب قراءة الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم لآيات القرآن بأشكال متعددة كما أشرنا له
سابقا .
( 2 ) البيان ص 181-183 . |
|
|
على ما
يهواه . وواضح أن تخيير الشخص أن يأتي من تلقاء نفسه
بمرادفات لكلمات القرآن أو بما لا يخالفه يستلزم وقوع
الريب في القرآن العزيز . وقد قال الله تعالى {قُلْ
مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ
نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ
}(يونس/15) ".
" ولا يوافق الأئمة المعصومون على هذا التفسير الشائع
لسبعة أحرف ، وقد سئل الإمام أبو عبد الله الصادق (
عليه السلام ) عما يقوله الناس من أن القرآن نزل على
سبعة أحرف فقال : كذبوا - إلى أن قال - ولكنه نزل على
حرف واحد من عند الواحد .
وروى ثقة الإسلام الكليني
بسنده عن زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : إن
القرآن واحد نزل من عند واحد ، ولكن الاختلاف يجئ من
قبل الرواة . ومن المعلوم أن الاختلاف المشار إليه في
عصره ( عليه السلام ) هو الاختلاف في القراءات
الموروثة عن ابن مسعود وأمثاله ، فالإمام إذا يكذب هذا
النحو من الاختلاف .
قال الفقيه الهمداني - بعد نقله
حديث التكذيب هذا- : ولعل المراد بتكذيبهم تكذيبهم
بالنظر إلى ما أرادوه من هذا القول مما يوجب تعدد
القرآن ، وإلا فالظاهر كون هذه العبارة صادرة عن النبي
( صلى الله عليه وآله )، بل يدعي تواتره ".
" إذا ، فلابد من الرجوع إليهم والاعتماد عليهم في
معرفة المراد من حديث سبعة أحرف ، فنجد أمامنا مما نقل
عنهم ما يلي – فذكر روايتين، ثم قال - فالذي يستفاد من
هذين الحديثين هو أن المراد من الأحرف السبعة هو
الوجوه التي ترجع إلى معاني كلام الله وتأويلاته ،
وهذه المعاني سبعة إن كان المراد بالسبعة نفس معناها
الأصلي ، وإن كان المقصود بالسبعة هنا الكناية عن
الكثرة في الآحاد -كما يكنى بكلمة سبعين عن الكثرة في
العشرات- فيكون المراد هو أن القرآن نزل على حروف
كثيرة آحادها . وربما يستشهد لـهذا المعنى الثاني بما
رواه في بحار الأنوار عن المعلى بن خنيس ، قال : قال
أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما من أمر يختلف فيه
اثنان إلا وله أصل في كتاب الله ، لكن لا تبلغه عقول
الرجال ".
" ولكن ثـمة فرق بين تفسير هؤلاء وتفسير الأئمة (
عليهم السلام ) ، فإن الأئمة قالوا بأن المراد هو سبعة
أوجه من المعاني ، وهؤلاء قالوا بسبعة أوجه للألفاظ
المختلفة ، وإن اتفقوا على تفسير الحرف بالوجه . ويؤيد
هذا الذي ذهبنا إليه تبعا لأئمة أهل البيت ( عليهم
السلام ) في تفسير الأحرف السبعة ما رواه ابن جرير
الطبري في مقدمة تفسيره عن أنس بن عياض عن أبي حازم عن
أبي سلمة قال : لا أعلمه إلا عن أبي هريرة ، فإن رسول
الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : " انزل القرآن على
سبعة أحرف " فالمراء فيه كفر – ثلاث مرات – فما عرفتم
منه فاعملوا به ، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه . حيث
إن المستفاد من هذا الحديث هو أن السبعة أحرف هي في
المعاني لا في الألفاظ .
فتلخص :
أن القرآن انزل على سبعة وجوه من المعاني والتأويلات ،
لكن لا تبلغ العقول إلا الأقل منها ، ولابد من الرجوع
إلى الراسخين في العلم في الأكثر . والظاهر أنه مأخوذ
من الحرف وهو الطرف والجانب ، وكأن للألفاظ القرآنية
جوانب وأطرافا ، أي معاني كلها محتملة احتمالا قريبا ،
وهذا النحو من الاستعمال شائع في اللغة الفارسية ،
فيقولون : إن كلامه ( دو پـهلو است ) أي أنه ذو معنيين
محتملين احتمالا قريبا ، يساوي أحدهما الآخر في الظهور
" ( 1 ) .
تأمل في كلمات هؤلاء الأعلام
عليهم أتم الرحمة والرضوان
تراها متكاتفة يدا واحدة تذب عن
القرآن الذي وجّهت له
أخطر فكرة وهي دعوة لتحريفه تحت ستار الدين ،
فكان صيانة القرآن من التبديل والتغيير هو المحفز لهم
لرفض مبنى الأحرف السبعة .
فاتضح أن عقيدة أهل السنة في الأحرف السبعة عقيدة
صارخة وبكل وقاحة أن القرآن الكريم يتبع أهواء القرّاء
ولا يثبت على حال ، وأن كل من أراد الاستمزاج والتفنن
بكتاب الله فإن الباب على مصراعيه مشرّع ! حتى لـيُظن
أن القرآن لم ينـزل لتُتبع نصوصه ، بل ليتبع هو
أمزجتنا ! ، وهكذا أصبح تحريف القرآن دينا بين طوائف
المسلمين ، فلا تجد لدعوى تحريف القرآن هذه رادعا أو
مستنكرا بين صفوفهم ! نعوذ بالله من الخذلان .
* التفسير مغرض !
لعل البعض يستشكل وجود هذا الكم من روايات الأحرف
السبعة في مصنفات القوم ولا يرى له وجها مقبولا من وضع
أو كذب ، والحق أن الوجه المقبول لها موجود وبوجوه
متعددة أيضا ، إذ من المحتمل قويا دخول زوائد حرفت
معنى الأحرف السبعة في ضمن تلك الروايات ، وليس ذلك
ببعيد بعد حصول التضارب في نقل الحادثة الواحدة
وبملاحظة المعنى الذي حكته روايات أهل البيت عليهم
السلام ، أما أصل مفهوم الأحرف السبعة فلا أحد ينكر
وجوده في القرآن ، وإنما الكلام كله دائر حول المعنى
الذي جعل من مفهومها دعوة مفتوحة لتحريف القرآن .
| |
( 1 ) بحوث في تاريخ القرآن للسيد مير محمدي زرندي
ص32-35. |
|
|
|