|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص
204 |
|
2- كيف
يوثق بجمع سقط منه قرآن مدة ثلاث عشرة سنة !
قد مرّ من بين الاعتراضات على الجمع الأول سقوط آيات
منه ، وفي هذا الجمع تمكن زيد من العثور عليها فألحقها
في المصحف وهذا نص البخاري :
" نسخت الصحف في المصاحف ففقدت آيةً من سورة الأحزاب
كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقرأ
بـها فلم أجدها إلاّ مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي
جعل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم شهادته شهادة
رجلين وهو قوله {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا
مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}(الأحزاب/23) " ( 2 )
.
وعليه مَن يضمن لنا عدم خفاء آيات أخرى على زيد لم يقف
عليها ؟ ففقدان آية طويلة نسبيا لمدة تربو على الثلاث
عشرة سنة ليس بالأمر الهيّن ، ولا أدري كيف تلقى رواية
البخاري القبول مع ما تنسبه من جهل لأبي بكر وعمر
ولزيد مع بقاء هذه الصحف المجموعة عند أبي بكر وعمر
مدة تأمرهما على الناس ؟! فإما أنـهما لم يقرآ ما
جمعاه ! أو قرآه ولكنهما جهلا موضع النقص !
وليتهم تخلوا عما خطه البخاري ولو في هذا المقطع
بالذات صيانة لماء وجه جمعهم المزعوم ، وقد أنصف
القاضي الباقلاني حيث آثر ما ذكرناه فذهب إلى كذب هذه
الرواية أو على الأقل اضطراب متنها حينما أُشكل عليه
بـهذا الإشكال :
| |
( 2 ) صحيح البخاري ج4ص23 وفي ج6ص146 وفي ج4ص24 وفي
ج5ص122 وفي ج6ص226 وسنن الترمذي
ح3104 وعلّق عليه
الترمذي بقوله (حسن صحيح). |
|
|
" هذا على أنه روي أن زيدا إنما قال حين أمره عثمان أن
يكتب المصحف ، فدل على أن تلك الآي لم تكن في مصحف أبي
بكر ولا في مصحف عمر بن الخطاب الذي هو أصل لمصحف
عثمان ، وهذه الرواية ليست من روايات الشيعة وإنـما هي
من رواية أصحاب الحديث وموالي أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما ، يقال لـهم : ليس في هذا حجة لأنّـا قد أبـنّا
فيما سلف نقل القرآن وحفظه ، وهذه رواية واحد ، وكثير
من الناس يذهبون إلى أنـها -رواية البخاري- موضوعة ،
وآخرون يقولون هي مضطربة اضطراب لا يجب معه العمل بـها
، ومما هو عندنا بعد أن يصح فيها القولان ، فأما
اضطرابـها فلأن رواية جاءت بأن ذلك كان في أيام أبي
بكر ، وأخرى بأنه كان في أيام عثمان ، والحديث إذا
اختلف يجب ردّه فكيف إلى هذا الزمان الطويل ؟
وكذلك
منهم من روي فيه إسقاط الآيات الثلاثة ومنهم من لم
يروه ، ولأن ألفاظه اختلفت اختلافاً شديداً يطول
الكتاب بنقضها،والحديث إذا اختلفت ألفاظه الاختلاف
البين وجب ردّه والقضاء بقلة ضبط ناقليه ، وأقل أحواله
أننا لا ندري كيف قيل ، وأيضا فمن المحال أن يكون
نسيان تلك الآية على سائر الصحابة و لا يوجد حفظها إلا
عند اثنين منهم ، والروايات تواترت عن أبي بن كعب أنه
قال : إن آخر عهد القرآن بالسماء هاتان الآيتان وتلا
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
أَنفُسِكُمْ}(التوبة/128) ، ولا خلاف في ذلك ولا
اضطراب ، وهذا معارض لما رُوي عن زيد " ( 1 ) .
* إمامهم الآلوسي يهون أمر ضياع الآيات !
ولعل بعضهم أحس بضيق الخناق بقبول رواية البخاري فحاول
تقليل خطرها على القرآن ، فهذا ما قاله مفسرهم الشهير
الآلوسي في روح المعاني تعليقا على رواية البخاري :
" فإنه بظاهرها يستدعي أن في المصاحف العثمانية زيادة
لم تكن في هاتيك الصحف ، والأمر في ذلك هيّن إذ مثل
هذه الزيادة اليسيرة لا توجب مغايرة يعبأ بـها ولعلها
تشبه مسألة التضاريس ، ولو كان هناك غيرها لذكر وليس
فليس ، ولا تقدح أيضا في الجمع السابق إذ يحتمل أن
يكون سقوطها منه من باب الغفلة ، وكثيراً ما تعتري
السارحين ( 2 ) في رياض قدس كلام رب العالمين فيذكرهم
سبحانه بما غفلوا فيتداركون ما أغفلوا . وزيد هذا كان
في الجامعين ولعله
| |
( 1 ) نكت الانتصار لنقل القرآن ص330-332 .
( 2 ) ابتدأ الأسلوب الشاعري ! ، متى يترك هؤلاء أسلوب
الضحك على الذقون ؟! |
|
|
الفرد
المعوّل عليه في البين لكن عراه في أولهما ما عراه ،
وفي ثانيهما ذكّره من تكفل بحفظ الذكر فتدارك ما نساه
" ( 1 ) .
هكذا وبكل بساطة يعتبر إمامهم الآلوسي سقوط آيات من
القرآن أمرا هيّنا بقوله :" والأمر في ذلك هيّن إذ مثل
هذه الزيادة اليسيرة لا توجب مغايرة يعبأ بـها ولعلها
تشبه مسألة التضاريس" ، وتجاهل مفسّرهم الشهير أن أي
نقص أو زيادة في القرآن يترتب عليه أمور عظيمة من تبدل
أحكام وحدود ومعارف إلهية وغيرها ، إذ الحكم الشرعي قد
يختلف وينقلب رأسا على عقب بوضع حرفٍ مكان حرف أو
بتغير علامة الإعراب .
وأمثلة ذلك ليست نادرة ، وهذا الاختلاف في وجوب غسل
الرجلين في الوضوء قائم على قدم وساق بين من يقول
بالغسل لفتح اللام في { وَأَرْجُلَكُمْ
} عطفا على
الوجه واليدين ، ووجوب المسح للقول بكسرها عطفا على
الرأس الممسوح في قوله تعالى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا
بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
الْكَعْبَيْنِ}(المائدة/6) فقد قرأ نافع وابن عامر
وحفص والكسائي بالنصب وقرأ الباقون بالخفض ( 2 ) .
| |
( 1 ) تفسير روح المعاني للآلوسي ج1 ص23 ط دار احياء
التراث العربي .
( 2 ) والحق أنـها سواء كانت ( أرجلكم ) بالنصب أو
بالجر فهي معطوفة على الرأس الممسوح ، لأن العطف تارة
يكون على اللفظ وهو المعروف وتارة يكون على المحل ،
وهنا ( برؤوسكم ) في محل نصب مفعول به ،
وهذا ما قاله
ابن حزم في المحلّى ج2ص56 مسألة 200 : " وأما قولنا في
الرجلين فان القرآن نزل بالمسح ، قال الله تعالى
{وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
الْكَعْبَيْنِ}(المائدة/6) ، وسواء قرئ بخفض اللام أو
بفتحها هي على كل حال عطف على الرؤوس : إما على اللفظ
وإما على الموضع ، لا يجوز غير ذلك ، لأنه لا يجوز أن
يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة .
وهكذا
جاء عن ابن عباس : ( نزل القرآن بالمسح ) يعني في
الرجلين في الوضوء ، وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة
من السلف ، منهم علي بن أبى طالب وابن عباس والحسن
وعكرمة والشعبي وجماعة غيرهم ، وهو قول الطبري ، ورويت
في ذلك آثار ، منها أثر من طريق همام – بسنده إلى رفاعة
بن رافع - : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه (وآله)
وسلم يقول : ( انـه لا يجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ
الوضوء كما أمره الله عز وجل ثم يغسل وجهه ويديه إلى
المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين )
وعن اسحاق
بن راهويه – بسنده –عن علي –عليه السلام- ( كنت أرى
باطن القدمين أحق بالمسح حتى رأيت رسول الله صلى الله
عليه (وآله) وسلم يمسح ظاهرهما ) ، قال علي بن أحمد
– ابن حزم -: و إنما قلنا بالغسل فيهما لما حدثنا عبد
الرحمن بن عبد الله ثنا ابراهيم بن أحمد ثنا الفربري
ثنا البخاري ثنا مسدد ثنا أبوعوانة ، عن أبى بشر عن
يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : (
تخلف النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في سفر فأدركنا
وقد أرهقنا العصر ، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا ،
فنادى بأعلى صوته ويل للأعقاب من النار ، مرتين أو
ثلاثا ) "اه
أقول : هذه الرواية التي طالما احتج بـها أهل السنة في إثبات الغسل هي مثبتة للمسح لا
للغسل ! وذلك لأن الصحابة بكمهم الغفير حينما وصلوا في
الوضوء إلى الرجلين شرعوا من تلقاء أنفسهم بمسح
الرجلين ، فمن الذي أخبرهم بمسحها ؟! مع أن الوضوء من
الأفعال التوقيفية التي تحتاج إلى بيان من الشارع
وليست معهودة بين العرب سابقا فليس لذلك وجه إلا أن
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد علمهم هذا المسح في
الوضوء ، وقول ( ويل للأعقاب من النار ) المراد منها
أن بعضا منهم كانت أرجلهم غير نظيفة وعليها أوساخ
عالقة خاصة وأن بعضهم كانوا بوالين على الأعقاب ،
والبحث موكول لمحله . |
|
|
واختلف القراء السبعة في قراءة {أَوْ لاَمَسْتُمْ
النِّسَاءَ}(النساء/43)، فقرأ الكسائي وحمزة ( أو
لمستم ) والباقون على ما هو في المصحف الآن فأدى ذلك
إلى اختلاف الحكم في أن الوضوء ينتقض بمجرد لمس النساء
أو بالجماع .
وكذلك اختلافهم في قراءة {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
يَطْهُرْنَ}(البقرة/222) فبعضهم قرأ بالتشديد وهما الكسائي وحمزة والباقي بالتخفيف ، فأثر هذا على جواز
وطء التي طهرت من حيض قبل الاغتسال أو بعده .
ثم لو سلّمنا بأن الأمر هيّن باعتبار أن الآيات قد
رجعت في الجمع الثاني لكن هذا ليس هو محل الكلام لأن
مقصدنا هو حصول الوثوق بكمال المصحف وتمامه بتلك
الطريقة من الجمع بعد أن ثبت حصول النقص في كتاب الله
عز وجل من باب الغفلة ! وقد صرح بذلك الآلوسي في قوله
" إذ يحتمل أن يكون سقوطها منه من باب الغفلة " .
أما قوله إن الله قد تكفل بحفظ كتابه فهذا صحيح عندي
وعند من جزم بصيانة القرآن من التحريف ، ولكن قد مرّ
أن بعض المسلمين لا يرى أن الله عز وجل قد تكفل بحفظ
كتابه كبعض الشيعة وأهل السنة الآتية أسماؤهم
وكلماتـهم بإذنه تعالى ، ولهذا فالاستدلال بأن الله قد
تكفل بحفظه هو أول الكلام عند هؤلاء ، ونحن لا نريد أن
نقنع هؤلاء الثلة فقط بصيانة القرآن ،
بل نريد إقناع
العالم كله وكل الديانات والملاحدة بأن كتابنا تام
كامل .
|