إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 207

3- عملية الجمع وشخص زيد مطعون فيهما !


موقف الصحابي عبد الله بن مسعود من عملية جمع القرآن في زمن عثمان وإنكاره لها ولإحراق المصاحف معروف ومشهور ، فقد أمر أهل الكوفة ألا يسلموا مصاحفهم لجلاوزة عثمان وأن يغلوا المصاحف ، وقد طعن بشخص الصحابي زيد بن ثابت بأنه شاب حدث لا يعتمد عليه في هذا العمل الخطير .

واستنكار ابن مسعود لعمل عثمان لا يمكن الإغماض عنه والاستهانة به ، فرواباتـهم المتتابعة في مدحه والناصة على مرجعيته في ما يختص بالقرآن من أصح الروايات ، فقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " وقال : استقرئوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل " ( 1 ).

  ( 1 ) صحيح البخاري (كتاب فضائل الصحابة ) باب مناقب عبد الله بن مسعود ج 4 ص 199 .  
 

- ص 208 -

وكذا رووا :" من أراد أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد " ، وهكذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " رضيت لأمتي ما رضى لها ابن أم عبد ، وكرهت لأمتي ما كره لها ابن أم عبد " ( 1 ) .

وكذا جاء في صحيح الجامع الصغير للألباني : " اهتدوا بـهدي عمار ، وما حدثكم ابن مسعود فاقبلوه " ( 2 ) .

وبحسب رواياتـهم هذه يجب علينا قبول كل ما حدثنا به ابن مسعود لا سيما في أمر القرآن الذي تخصص فيه ، فهل قبل ابن مسعود بما فعله عثمان بالقرآن أم لا ؟ وما موقف ابن مسعود من زيدٍ هذا ؟

* الروايات :

أخرج الحاكم في المستدرك :" قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لقد قرأت من فيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة وزيد بن ثابت يلعب مع الصبيان " ( 3 ) .

قال الحاكم : " ولهذه الزيادة شاهد :حدثني إسماعيل بن سالم بن أبي سعيد الأسدي قال : سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت ".

وقال ابن أبي شبة في تاريخ الـمـدينـة : " حدثنا الحماني قال ، حدثنا شريك عن ابن إسحاق عن أبي الأسود- أو غيره -قال : قيل لعبد الله ألا تقرأ على قراءة زيد ؟ قال : مالي ولزيد ، ولقراءة زيد ؟! لقد أخذت من فيّ رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم سبعين سورة و إن زيد بن ثابت ليهودي له ذؤابتان " ( 4 ) .

وقال الباقلاني في نكت الانتصار لنقل القرآن :" قال ابن شهاب فأخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عيينة عن عبد الله بن مسعود أنه قال :- يا معشر المسلمين أُعزل عن كتابة المصحف ويتولاه رجل والله

  ( 1 ) مجمع الزوائد المجلد التاسع ص 290 وعلق عليه ( رواه الطبراني في الأوسط باختصار الكارهة ، ورواه في الكبير منقطع الإسناد وفي إسناد البزار محمد بن حميد الرازي وهو ثقة ، وفيه خلاف وبقية رجاله وثقوا ) ، أقول ولهذه الرواية مورد خاص .
( 2 ) صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني ج1ص254ح1144 ط المكتب الإسلامي .
( 3 ) المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 228 وعلق عليه : ( وهذا حديث صحيح ولم يخرجاه ) ، ووافقه الذهبي .
( 4 ) تاريخ المدينة ج3ص 1008.
 
 

- ص 209 -

لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت . وقال : يا أهل العراق ، ويا أهل الكوفة أكتبوا المصاحف التي عندكم وغلّوها ، فإن الله تعالى يقول {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}(آل عمران/161) ، فالقوا الله بالمصاحف " ( 1 ) .

وقد اعترف ابن حجر العسقلاني باستنكار ابن مسعود : " وقد شق على ابن مسعود صرفه عن كتابة المصحف حتى قال ما أخرجه الترمذي في آخر حديث إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب من طريق عبد الرحمن بن مهدي عنه قال ابن شهاب : فأخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف وقال : يا معشر المسلمين أُعزل عن نسخ كتابة المصاحف ويتولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه في لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت .

وأخرج ابن داود من طريق خمير بن مالك : سمعت ابن مسعود يقول لقد أخذت من في رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم سبعين سورة و إن زيد بن ثابت لصبي من الصبيان " ( 2 ) .

وذكر ابن أبي داود فصلا في كتابه المصاحف بعنوان ( كراهية عبد الله بن مسعود ذلك ) أي ما فعله عثمان من الجمع على قراءة واحدة وحرق بقية المصاحف ، وذكر عشرين رواية وبعضها بثلاثة طرق ، منها :

" عن أبي الشعثاء المحاربي ، قال : قال حذيفة : يقول أهل الكوفة قراءة عبد الله ، ويقول أهل البصرة قراءة أبي موسى ، والله لئن قدمت على أمير المؤمنين لأمرته أن يغرقها ، قال : فقال عبد الله : أما والله لئن فعلت ليغرقنك الله في غير ماء . قال شاذان : في سقرها " ( 3 ) .

وأخرج أيضا " عن عبد الله قال : لما أمر بالمصاحف تغيّـر ( 4 ) ، ساء ذلك عبد الله بن مسعود ، قال : من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليغلل فإنه من غل شيئا جاء بما غل يوم القيامة . ثم قال عبد الله :

  ( 1 ) نكت الانتصار ص358 -359
( 2 ) ن.م ج9ص19.
( 3 ) كتاب المصاحف ج1 ص189 تحقيق محب الدين واعظ .
( 4 ) ذكر في الهامش : " وفي فضائل القرآن لابن كثير : يعني بتحريقها " .
 
 

- ص 210 -

لقد قرأت القرآن من في رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم سبعين سورة و زيد بن ثابت صبي ، أ فأترك ما أخذت من فيّ رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟! " ( 1 ) .

ويتضح مما ذكرناه شهرة إنكار ابن مسعود لجمع عثمان واحراقه المصاحف ، والروايات صريحة في القدح في شخص زيد وأنه ليس بكفء لمثل هذا العمل .

وقد استدل ابن الأثير على حداثة سن زيد من طعن ابن مسعود فيه :" وقد صح عن ابن مسعود أنه قال لما كتب زيد المصحف : لقد أسلمت و إنه في صلب رجل كافر . وهذا أيضا يدل على حداثة سنه عند وفاة النبي صلى الله عليه و سلم " ( 2 ) .

ولم يتحمل بعضهم ما نسبه ابن مسعود لزيد فقال أبو بكر الأنباري : " وما بدا من عبد الله بن مسعود من نكير ذلك ، فشيء نتجه الغضب ولا يعمل به ولا يؤاخذ به ، ولا يشك في أنه رضي الله عنه قد عرف بعد زوال الغضب عنه حسن اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم ، فالشايع الذائع المتسالم عند أهل الرواية والنقل : أن عبد الله بن مسعود تعلّم بقيّة القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . وقد قال بعض الأئمة : مات عبد الله بن مسعود قبل أن يختم القرآن " ( 3 ) .

أهذا قول إمام ؟! ولا عجب ممن يقع في مثل هذه المآزق أن يتشبث بأي قشة ! لك الله يا ابن أم عبد !

  ( 1 ) كتاب المصاحف ج1ص192 تحقيق محب الدين واعظ
أقول : صاحب الكتاب عقب بفصل آخر عنوانه ( باب رضاء عبد الله بن مسعود بجمع عثمان المصاحف ) وأورد رواية واحدة ، ولا أدري ما علاقتها بعنوان الفصل ! ، وهي : ( عن فلفلة الجعفي قال : فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف ، فدخلنا عليه ، فقال رجل من القوم : إنا لم نأتك زائرين ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر فقال : إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف –أو حروف- وإن الكتاب قبلكم كان ينـزل –أو نزل- من باب واحد على حرف واحد معناهما واحد ) ، وهذه الرواية واضحة في الاستنكار لا في الرضا لأنه يذكرهم بأن القرآن نزل على سبعة أحرف ، وعثمان بعمله ألغى ستة أحرف وأبقى حرفا واحدا ! ، وقد وجدنا قولا لابن كثير في فضائل القرآن ص38 فيه ما ذكرناه : ( وهذا الذي استدل به أبو بكر رحمه الله على رجوع ابن مسعود رضي الله عنه فيه نظر ، من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه ، والله أعلم ).
( 2 ) أسد الغابة ج1ص80 .
( 3 ) الجامع لأحكام القرآن ج1ص53 .
 
 

- ص 211 -

* زيد بن ثابت في الميزان

والإنصاف إن اعتراض ابن مسعود له وجه مقبول لأن أوصاف زيد بن ثابت ليست بتلك التي تـهيئه لتحمل هذا العمل الخطير ، وهذه روايات أهل السنة تعطينا صورة كالـحة عنه حيث تنص على قلة تثبت زيد في أحكام الله عز وجل ، وعدم مبالاته بـها ، وينتابه الضحك عندما يعلم بافترائه على الله عز وجل ، وكان يخالف أمر الله في أحكام الميراث ويجتهد فيها برأيه !

فقد أخرج الدارمي : " عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت أنه أفتى في ابنة أو أخت ، فأعطاها النصف وجعل ما بقي في بيت المال " ( 1 ) .

وقال الترمذي " واختلف فيه أصحاب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فورث بعضهم الخال والخالة والعمة ، وإلى هذا الحديث ذهب أكثر أهل العلم في توريث ذوي الأرحام ، وأما زيد بن ثابت فلم يورثهم وجعل الميراث في بيت المال " ( 2 ) .

والنص الآتي اعتراف من زيد بتقوله على الله عز وجل واتـهام من يكتب ذلك عنه بالغدر ! ، فعن الطبقات الكبرى : " عن الشعبي : أن مروان دعا زيد بن ثابت ، وأجلس له قوما خلف ستر ، فأخذ يسأله و هم يكتبون ففطن زيد ، فقال : يا مـروان ! أ غـدراً إنـما أقول برأيي ! " ( 3 ) .

ورواياتـهم صريحة في أنه كان يفتي بلا تثبت : "حدثنا أيوب عن عكرمة : أن ناسا من أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة حاضت بعدما أفاضت. فقال : تـنفـر . فقالوا : ما نبالي أفتيتنا أم لا وزيد بن ثابت يقول : لا تـنفـر . فقال ابن عباس : إني لأقول ما أعلم ولا أبالي أخذتم به أو لم تأخذوا به ، ولكن إذا قدمتم المدينة فسلوا أم سليم وغيرها . فأخبرتـهم أن عائشة قالت لصفية : أفي الخيبة أنت ، إنك لحابستنا ! فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : ما ذلك ! فقالت عائشة : صفية حاضت . قال : قيل إنـها قد أفاضت. قال : فلا إذن . قال : فرجعوا إلى ابن عباس فقالوا : وجدنا الحديث على ما حدثتنا " ( 4 ) .

  ( 1 ) سنن الدارمي ج2 ص 361 .
( 2 ) سنن الترمذي ج3 ص 285.
( 3 ) طبقات ابن سعد ج 2 ص 276 ، سير أعلام النبلاء ج2 ص438 وذكر في آخره ( رواه ابراهيم بن حميد الرؤاسي عن ابن أبي خالد ، نحوه وزاد : فمحوه ).
( 4 ) المعجم الكبير للطبراني ج25ص129ح314.
 
 

- ص 212 -

وكذا : " عن عكرمة قال سأل أهل المدينة بن عباس عن امرأة طافت بالبيت يوم النحر ثم حاضت فقال: تنفر . فقالوا :لا نأخذ بقولك وهذا زيد بن ثابت يخالفك . قال : إذا أتيتم المدينة فسلوا . فلما قدموا المدينة سألوا فأخبروهم بصفية وكان فيمن سألوا أم سليم فأخبرتـهم بصفية " ( 1 ) .

بل كان يعترض على ابن عباس في قوله السابق وعندما يعلم زيد بخطئه ينتابه الضحك ! : " عن طاوس قال :كنت مع ابن عباس إذ قال له زيد بن ثابت : أنت تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت ؟ قال : نعم . قال : فلا تفت بذلك . فقال ابن عباس : أما لي، فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ قال : فرجع إليه زيد بن ثابت يضحك ويقول : ما أراك إلا قد صدقت ! " ( 2 ) .

وفي رواياتـهم أيضا أن ابن الخطاب عندما بلغته فتوى عن زيد في مسألة ، قال له عمر : " يا عدو نفسه ! أنت تضل الناس بغير علم ! " ( 3 ) .

وكان زيد لا يساوي بين المتخاصمين في المعاملة فيكيل بالمكيالين ويتودد للأمراء دون الناس حال التنازع ، والأدهى طلبه من خصم الخليفة إعفاء الخليفة من اليمين !! وهذه كلها خصال منافية للعدالة :

" حدثنا الشعبي قال : كان بين عمر بن الخطاب وبين أبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما تداري في شيء ، وادعى أبي على عمر رضي الله تعالى عنهما ، فأنكر ذلك فجعلا بينهما زيد بن ثابت ، فأتياه في منـزله فلما دخلا عليه قال له عمر رضي الله تعالى عنه : أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يؤتى الحكم . فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال : ههنا يا أمير المؤمنين . فقال له عمر رضي الله تعالى عنه : لقد جُرت في الفتيا ، ولكن أجلس مع خصمي . فجلسا بين يديه فادعى أبي وأنكر عمر رضي الله تعالى عنهما فقال زيد لأبي : أعف أمير المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحد غيره . فحلف عمر

  ( 1 )  المعجم ج5ص163ح9542 . وعلق عليه الطبراني ( رواه البخاري في الصحيح عن أبي النعمان عن حماد قال البخاري : ورواه خالد وقتادة عن عكرمة ) وللزيادة راجع ح9543و9544و9545 من نفس الجزء .
( 2 ) ن.م ج5ص163ح9540 ، وأخرجه بطريق آخر وعلق عليه الطبراني : ( رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن حاتم عن يحيى بن سعيد) .
( 3 ) المعجم الكبير للطبراني ج5ص42ح4536 .
 
 

- ص 213 -

رضي الله تعالى عنه ثم أقسم لا يدرك زيد بن ثابت القضاء حتى يكون عمر ورجل عمن عرض المسلمين عنده سواء " ( 1 ) .
" أنبأ شعبة عن سيار قال سمعت الشعبي قال : كان بين عمر وأبي رضي الله تعالى عنهما خصومة فقال عمر : اجعل بيني وبينك رجلا قال : فجعلا بينهما زيد بن ثابت قال : فأتوه قال فقال عمر رضي الله تعالى عنه : أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يؤتى الحكم. قال : فلما دخلوا عليه أجلسه معه على صدر فراشه . قال: فقال : هذا أول جور جرت في حكمك ، أجلسني وخصمي مجلسا قال فقصا عليه القصة . قال: فقال زيد لأبي : اليمين على أمير المؤمنين ، فإن شئت أعفيته. قال: فأقسم عمر رضي الله تعالى عنه على ذلك ، ثم أقسم له لا تدرك باب القضاء حتى لا يكون لي عندك على أحد فضيلة " ( 2 ) .

وقد زاد هنا في الطنبور نغمة ! إذ اتضح أنه لا يهتم بشرائط القضاء عندما يخاصم ولا يمتثل لما يؤمره القاضي به ! : " عن داود بن الحصين أنه سمع أبا غطفان بن طريق المزيد قال: اختصم زيد بن ثابت وابن مطيع إلى مروان بن الحكم في دار ، فقضى باليمين على زيد بن ثابت على المنبر فقال زيد : احلف له مكاني . قال مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق . فجعل زيد يحلف أن حقه لـحق ، ويأبى أن يحلف على المنبر ، فجعل مروان يعجب من ذلك " ( 3 ) .

وهذا نوع آخر من أحكام زيد بن ثابت : " عن خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت كانت له جارية فارسية وكان يعزل عنها فجاءت بولد ، فأعتق الولد وجلدها الحد (!) ، وقال : إنما كنت استطبت نفسك ، ولا أريدك . وفي رواية قال : ممن حمّلت ؟ قالت : منك ! ، فقال : كذبت ، وما وصل إليك مني ما يكون منه الحمل وما أطؤك إلا أني استطبت نفسك " ( 4 )  .

فمثل زيد بن ثابت هذا لا يكاد يصلح لهذه المهمة الخطرة المصيرية ، فها هو يجعل رأيه واستحسانه طريقا لمصادرة ميراث الورثة الشرعيين ويضعه في بيت المال ! ، ويجيب مروان على مسائله برأيه ، ويفتي بغير علم وبعد أن يتضح له الأمر يضحك ويهش ويبش بدلا من الندم ، ويحيف في حكمه

  ( 1 ) السنن الكبرى ج10ص136ح20250.
( 2 ) نفسه ج10ص144ح20297. راجع تاريخ المدينة لابن شبة ج2ص755-756 .
( 3 ) السنن الكبرى ج 10ص177ح20484 .
( 4 ) المغني ج10ص412.
 
 

- ص 214 -

ويتودد للأمراء حال التقاضي ، ولا يلتزم بشرائط القضاء ، فمثل هذا الشخص لا يمكن أن يُطمأن لـجمعه ، فكيف وهو حدث السن أيضا ؟!!

والأخطر من ذلك كله أنه عبد مطيع لما يمليه الحاكم ، يداهن ويجامل على حساب حفظ القرآن من التحريف ! ، فقد أخرج أبو عبيد وسعيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاري : " أن عمر بن الخطاب قرأ {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ}(التوبة/100), فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في {الَّذِينَ} فقال له زيد بن ثابت : {والَّذِينَ} فقال عمر : {الَّذِينَ} فقال زيد : أمير المؤمنين أعـلـم (!!) . فقال عمر رضي الله عنه : ائتوني بأبي بن كعب فاتاه فسأله عن ذلك ، فقال أبي : {والَّذِينَ} فقال عمر رضي الله عنه : فنعم إذن فتابع أبيا " ( 1 ) .

فلو كان عمر يرى مصداقية ووثاقة لكلام زيد لما انصرف عنه إلى أبي بن كعب وطلب رأيه ، وبعد هذا كله كيف يوثق بجمع زيدٍ هذا وكيف يضرب باعتراض ابن مسعود على شخص زيد عرض الجدار ؟!

  ( 1 ) الدر المنثور ج3 ص269 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب