|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص
214 |
|
4-
التهاون في توقيفية السور والآيات !!
وهنا أمر عجيب ! تحكي رواياتـهم حال جامعي القرآن وما
كانوا عليه من التهاون في إثبات نصوصه ، فكانوا يثبتون
ما أرادوا من الآيات لما أرادوا من السور ! وعلى
استعداد لاختراع سور جديدة وجعلها من القرآن بتقطيع
بعض الآيات منه ، وهو أمرٌ جائز في نظرهم ولم يكن بذاك
العزيز بل كان على وشك التنجيز عند جمعهم للقرآن !
* التهاون في توقيفية السور :
أخرج الحاكم وأبو داود والنسائي وابن حِبّان وأحمد
والترمذي : " عن ابن عباس ، قال : قلت لعثمان بن عفّان
: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى
براءة وهي من المِـئـين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا
بينهما سطر{بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ
الرَّحِيمِ}ووضعتموها في السبع الطُّـواَل ، ما حملكم
على ذلك ؟ فقال عثمان : كان رسول الله صلى الله عليه
(وآله) وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو
تنـزل
عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا
بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هؤلاء الآيات في السورة
التي يُذكر فيها كذا وكذا . وإذا نزلت عليه الآية
فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا
وكذا . وكانت الأنفال من أوائل ما نزلت بالمدينة وكانت
براءة من آخر القرآن وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها فظننت
أنـها منها فقبض رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم
ولم يُبـيّن لنا أنّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما
ولم أكتب بينهما سطر {بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ
الرَّحِيمِ} فوضعتها في السّبع الطّوال " ( 1 ) .
قال العسقلاني تعليقا على الرواية السابقة : " ولما لم
يفصح النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بأمر براءة
أضافها عثمان إلى الأنفال اجتهادا منه رضي الله تعالى
عنه ، ونقل صاحب الإقناع أن البسملة لبراءة ثابتة في
مصحف ابن مسعود " ( 2 ) .
وهذه الرواية تدل على أن خليفة المسلمين والصحابة
ليسوا على علم بحال سورة التوبة ، هل هي سورة لوحدها
أم تكملة لسورة الأنفال ! ، والأدهى أن ابن عفان لا
ينسب هذا لجهله ولجهل من حوله وإنما يدّعي أن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم أهمل أمر هذا القرآن فلم
بين لـهم هل هي سورة بحد ذاتـها أم لا ؟!
و ليس في هذا القسم مشكلة سوى :
1- جهل جامعي المصحف بسور القرآن .
2- يجعل عثمان اجتهاده سبيلا لتقسيم سور القرآن بحذف
البسملة ، لا أن أصل السورة لا بسملة فيها !
3- إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أهمل أمر القرآن
حتى لم يستطع كبار الصحابة وكتّاب الوحي التمييز بين
السور !
حتى قال القرطبي في تفسيره : " وقول رابع قاله خارجة
وأبو عصمة وغيرهما قالوا : لما كتبوا المصحف في خلافة
عثمان اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله)
وسلم ، فقال بعضهم : براءة والأنفال سورة واحدة . وقال
بعضهم : هما سورتان . فتركت بينهما فرجة لقول من قال
أنـهما
| |
( 1 ) المستدرك على الصحيحين
ج 2 ص 221و330 وعلق عليه
الحاكم ( هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ) ووافقه
الذهبي ، سنن أبي داود ح 786 في الصلاة باب من جهر بـها ،
سنن الترمذي ح 3086 في التفسير باب و من سورة
التوبة ، و حسّنه ، النسائي ( في
فضائل القرآن ) ص32 ،
و السنن الكبرى للبيهقي ج2 ص 42 ،
المصاحف لإبن أبي
داود ص 31-32 ، وصحيح ابن حبّان ج1 ص230 ح 43 .
الترمذي ج5ص272ح3086 ( باب ومن سورة التوبة ) قال
الترمذي : ( هذا حديث حسن صحيح ).
( 2 ) فتح الباري ج9ص42 ، فضائل القرآن . |
|
|
سورتان ،
وتركت بسم الله الرحمن الرحيم لقول من قال هما سورة
واحدة ، فرضي الفريقان معا وثبتت حجتاهما في المصحف "
( 1 ) .
* التهاون في توقيفية الآيات
الجمع زمن عمر :
وأخرج ابن إسحاق وأحمد بن حنبل و ابن أبي داود عن
عبّاد بن عبد الله بن الزبير قال : " أتى الحرث بن
خزيمة بـهاتين الآيتين من آخر براءة {لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ }(التوبة/128) إلى عمر بن
الخطاب فقال : من معك على هذا ؟ قال : لا أدري والله ،
وإنيّ أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه (وآله)
وسلم ووعيتها وحفظتها . فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتها
من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ثم قال : لو
كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدةٍ فانظروا سورةً
من القرآن فضعوها فيها فوضعتها في آخر براءة " ( 2 ) .
وهذه الرواية واضحة في أن المتصدّي لجمع القرآن كان
على درجة كبيرة من الجرأة وحرية التصرف في توزيع آيات
القرآن ! وكأنه يرى أن تقسيم آي القرآن خاضع لاجتهاد
ورأي الخليفة فقوله " لو كانت ثلاث آيات لجعلها سورة
على حدة فانظروا سورة من القرآن فألحقوها في آخرها " ،
واضحٌ فيه ، ويستفاد منها أن هاتين الآيتين ليستا في
محلهما الصحيح من القرآن بل أقحمتا في مكان وقع
اختيارهم عليه ، وهو آخر براءة .
* الجمع زمن عثمان :
ومما أخرجه ابن أبي داود في كتاب المصاحف : " فقام
عثمان فقال : من كان عنده من كتاب الله شيئا فليأتنا
به .وكان لا يقبل من ذلك شيئا حتى يشهد عليه شهيدان،
فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إني قد رأيتكم تركتم آيتين
لم تكتبوهما . قالوا : ما هما ؟ قال : تلقيت من رسول
الله صلى الله عليه
| |
( 1 ) تفسير القرطبي ج8 ص62.
( 2 ) كتاب المصاحف لابن أبي داود ج1ص226 تحقيق محب
الدين واعظ ، مسند أحمد ج1ص199 الطبعة الميمنيّة ،
مجمع الزوائد للهيثمي المجلد السابع ص 35 وعلق عليه (
رواه أحمد وفيه ابن اسحاق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات )
، وهو في كنـز العمال ج2ص421ح4398 ( سورة التوبة )
والدر المنثور ج3ص296 ط دار المعرفة وفي
فتح الباري
لابن حجر ج9ص15 . |
|
|
(وآله)
وسلم : {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}(التوبة/128) إلى آخر
السورة ، فقال عثمان : وأنا أشهد أنـهما من عند الله ،
فأين ترى أن نجعلهما ؟ قال : اختتم بـهما آخر ما نزل
من القرآن ، فختمت بـهما براءة " ( 1 ) .
وهذه تنص على أن دمج الآيات المتفرّقة في السور لم يكن
توقيفيّـاً ، فقول ابن عفان : ( فأين ترى أن نـجعلهما
؟ ) واضح في عدم معرفته بمكان الآيتين من القرآن وكذا
حال المجيب بقرينة جوابه الذي لم يحدد فيه اسم السورة
وإنما قال : ( آخر ما نزل من القرآن ! ).
أي سواء كانت
براءة أم غيرها ! ، ويقرّبه نقل العسقلاني للرواية
بـهذا الشكل :
"وقد وقع عند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد
الرحمن بن حاطب فجاء خزيمة بن ثابت فقال : إني رأيت
تركتم آيتين فلم تكتبوهما ! قالوا : وما هما ؟ قال :
تلقيت من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم {لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ} إلى آخر السورة
فقال عثمان : وأنا أشهد فكيف ترى أن تجعلهما قال اختم بـهما آخر ما نزل من القرآن " ( 2 ) ، أي بدون تحديد
اسم السورة المختومة بالآيتين ! والعجيب أنـهم يرون أن
آخر ما نزل من السور هي سورة التوبة مع أنـها سورة
المائدة !!
* زيد بن ثابت ينسب العبقرية لنفسه !
وكما ينطبق الأمر على ابن الخطاب وابن عفان كذلك ينطبق
على ابن ثابت ، فقد رووا أنه قال نفس تلك الكلمة ( ولو
تمّت ثلاث آيات لـجعلتها سورة على حدة ) !
عن الطبري قال زيد :" ثم عرضته عرضة أخرى فلم أجد فيه
هاتين الآيتين {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ
أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُمْ }(التوبة/128) إلى آخر السورة فاستعرضت
المهاجرين فلم أجدها عند أحد منهم ثم استعرضت الأنصار
أسألهم عنها فلم أجدها عند أحد منهم حتى وجدتها مع رجل
آخر يدعى خزيمة أيضا فأثبتها في آخر براءة ، ولو تمّت
ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة " ( 3 ) .
| |
( 1 ) كتاب المصاحف لابن أبي داود ج1ص182 ح33 وهو
منقطع كما مر . وهو في كنـز العمال ج 2 ص 361 ( جمع
القرآن ) وفتح الباري
ج9ص15
أقول : من غير المعقول
أن تتكرر الحادثة بنفسها مع عمر وعثمان ، ولكنا ندور
مع رواياتـهم في هذا المقام .
( 2 ) فتح الباري ج9ص21 .
( 3 ) جامع البيان في تفسير القرآن للطبري ج1ص21 ،
تاريخ المدينة ج3ص1001 . |
|
|
وهو ما فهمه إمامهم الباقلاني حيث قال : " لأن زيد قال
: اعترضت المهاجرين والأنصار فلم أجدها ، وهو لا يقول
ذلك إلا بعد أن يبالغ في الطلب ، فكره أن يجعلهما سورة
على حالـها لـما لم يـجد في القرآن سورة أقل من ثلاث
آياتٍ ، فرأى إلـحاقها ببـراءة أولى " ( 1 ) .
وهذا حال زيد وعدم تحرّجه عن إعمال استحساناته ورأيه
في تقسيم آيات القرآن ، بل لو زاد ما وجده عن آيتين
لكانت الآيات سورة مستقلّة ! ، ونخلص إلى أن عدم علمهم
بمكان تلك الآيات كان سببا لوضعهما في آخر براءة !
* النتيجة :
مع كل هذا وتصريح علمائهم به ، ما الذي يضمن لنا أن
بعض السور القصار لم تدخل في غيرها من سور القرآن ؟ ،
أو أن بعض الطوال لم تتفرّق في غيرها من السور إذا كان
الجامع يقسّم الآيات بمزاجه ؟ ، بل ما الذي يمنع من
حصول التـهاون في عدم طلب بعض الآيات إذا كانت روح
التهاون موجودة في نفوس من تصدوا لجمعه وقد أثرت هذه
الروح في جعل آيتين في سورة براءة للمزاج والرأي ؟!
| |
( 1 ) نكت الإنتصار لنقل القرآن ص332 . |
|
|
|