إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 219

التحريف ثابتٌ على كلتا النظرتين بلا فرق


* في رأي جمهور السلف :
لا أرى أحدا له مسكة من عقل يدعي أن ما فعله ابن عفان ليس حذفا وتحريفا لقرآن منـزل ، كيف لا ؟! وقد أحرق الأحرف الستة الباقية التي نزل عليـها القرآن والتي دونت من قبل في مصحف أبي بكر ، ففقدت بتحريق عثمان ستة أضعاف ما هو موجود اليوم في مصحفنا !

وقد يعتذر لعثمان بأنه أحرق ما قد أذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقراءته من باب التوسعة والرخصة ، وها قد انقلبت الرخصة إلى نقمة فيكفي بقاء حرف واحد منها نرفع فيه النقمة .

- ص 220 -

وهذا غير مقبول لأسباب :
1- الكلام فيه مغالطة لأن جواز الترك شيءٌ وجواز الحذف والإعدام شيءٌ آخر ، والكل يعلم أن المرخص بتركه لا يعني المرخص بحذفه وإلغائه من الدين ، فكتاب الله شأنه بيده عز وجل والتغيير فيه راجع له وحده ، ولا يصح تحريف كتاب الله اعتمادا على الظنون !

ولو أمكن حذف الشيء لأنه من باب التخيير لقمنا بحذف الكفارات المخيرة كما في كفارة إفطار العمد في شهر رمضان ، واقتصرنا على واحدة بدعوى أن الجميع رخصة ولا ملزم لأحد منها ، وواضح أن من يفعل هذا يرمى بتحريف أحكام الله عز وجل .

2- صريح القرآن لا يـجوّز لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغيير شيء من شؤون التشريع من نفسه مستقلا عن الله عز وجل ، ولا أن يبدل حرفا واحدا من القرآن ، فكيف يصح هذا لغيره فيحذف ستة أمثال القرآن ؟!
قال تعالى {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}(يونس/15)

وقال تعالى {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}(الحاقة/44-47)

وقوله تعالى {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ }(الأنعام/50) ، فهذه الآيات المباركة تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس له الحق بتغير أي كلمة أو حرف من كتاب الله عز وجل ، بل لا يصح له أن يسبق الوحي بسرد ما وقف على علمه مسبقا صلى الله عليه وآله وسلم ويدل عليه قوله تعال {وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}(طه/114) ، فإن كان الاستعجال في تبليغ ما علمه الله عز وجل له صلى الله عليه وآله وسلم أمرا غير مقبول ، فكيف يقوم أحد الناس من بعده صلى الله عليه وآله وسلم يحذف أضعاف القرآن منه من غير إذن من الله عز وجل ويقال هذا مراد الله عز وجل ؟! ، { أَاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ؟! }(يونس/59).

3- قولهم إن الأحرف السبعة أصبحت نقمة يناقض ما نصت عليه رواياتـهم من أن هذه الوجوه المتعددة أنزلها الله رحمة لا نقمة {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(النور/19) ، فمن الذي نعتمد تشخيصه فلان وفلان من الصحابة أم الله عز وجل ؟! ، فلعل الله عز وجل جعل

- ص 221 -

الأحرف المحذوفة حتى تبينّ لنا منها كثيرا من مبهمات القرآن ومعضلاته وتشرح معانيه شرحا لا يختلف فيه أحد .

4- سلمنا ، ولكن من قال إن إحراق وتخريق الأحرف السبعة هو الحل الذي يريده الله عز وجل ؟! ، فلماذا لا يمنع من قراءتـها مع الاحتفاظ بنصها في مكان آخر غير المصحف ؟

5- سلمنا ، ولكن بأي دليل اقتصر على هذا الحرف بالذات من الألفاظ المتفقة في المعنى ؟!

لذا أجهد أهل السنة أنفسهم لإيجاد ما يمكنهم إقناع الناس به بأن ما حذفه عثمان وأنقصه كان رضا لله عز وجل ، فكان نتيجة جهدهم هو أن التحريق والتخريق لستة أمثال القرآن كان بمرأى ومسمع من كل الناس وما غيروا عليه ورضاهم رضا الله . وهذا الكلام غير مقبول البتة ، لأمور :

1- لا ملازمة بين سكوت غير المعصوم وإمضائه ، فإن عدم الجهر بالإنكار أعم من الموافقة ، فلعل البعض غير راض بما يجري لكنه لم يجهر بالإعتراض لأسباب خاصة ، فكم من مرة غيّر الأمراء أحكام الله عز وجل دون رضا الناس ولا تجد أحدا منهم ينكر عليهم .

2- سلمنا ، ولكن من الذي أحرز رضا المسلمين وهم في شتى بقاع الأرض ؟! ، فهل أحرزوا رضا من في اليمن والبصرة وفارس ومصر و و ؟!!

3- سلمنا ، ولكن الإجماع لم يتحقق بمخالفة عبد الله بن مسعود ومن معه من أهل الكوفة حيث عارضوا تحريق عثمان للمصاحف وإلغائه أضعاف القرآن ، فقد كان يأمرهم ابن مسعود ليغلّوا المصاحف ولا يعطوها لجلاوزة عثمان فيحرقها ، وليلقوا الله بـها يوم القيامة ، ناهيك عن أن رواياتـهم تنص أن ابن مسعود هو مرجع الصحابة في القرآن بتعيين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

4- سلمنا ، لكن من قال إن الإجماع يصحح حذف قرآن أنزله الله عز وجل ؟! وإلا فما معنى أمره صلى الله عليه وآله سلم لهم بالتمسك بكتاب الله عز وجل ؟!

5- إن كان إجماع الصحابة كاشف عن حكم الله في كتابه ، فما بال الصحابة والتابعين خالفوا حكم الله عز وجل فعادوا بعد احراق المصاحف وإلغاء الأحرف الستة يقرؤوا بالشواذ

- ص 222 -

ويكتبوها في مصاحفهم ؟! ، وكان هذا فعل عائشة وحفصة حتى بقي في مصحف الأخيرة زيادات شاذة إلى زمن متأخر ، وكذلك فعل ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهم ، كما سيأتي بإذنه تعالى .

وهكذا يتضح أن ما ذكروه من التخريج مناقش مبنى وبناءً ولا يمكن التعويل عليه لإثبات جواز إحراق القرآن وإلغاء أضعافه ، فعلى نظرتـهم تلك نعلم بأن عثمان بن عفان هو أكبر محرف للقرآن في تاريخ البشرية .

* في نظرة الـمؤوليـن :
المعنى الآخر –غير المشهور- يفيد أن الأحرف السبعة موجودة بين طيات مصحفنا اليوم ، وهذا المعنى يخرج عثمان بن عفان عن دائرة التحريف ، ولكن من جهة أخرى يثبت التحريف لكثير من أكابر الصحابة ، فقد نصت رواياتـهم الصحيحة على أن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وعمر بن الخطاب وأبا موسى الأشعري وعائشة وحفصة وابن الزبير وأم سلمة وغيرهم كانت لهم مصاحف تختلف نصا عما هو موجود في مصحفنا اليوم ، وكانوا يقرؤون بالزيادة والنقص والتبديل والتغيير على أنه قرآن منـزل من عند الله عز وجل ! كما سيأتي بإذنه تعالى ، لذا قال السيد ابن طاووس رضوان الله عليه في رده على أبي علي الجبائي :

" كلّما ذكرته من طعن وقدح على من يذكر أن القرآن وقع فيه تبديل وتغيير فهو متوجه إلى سيّدك عثمان لأن المسلمين أطبقوا على أنه جمع الناس على هذا المصحف الشريف وحرّف وأحرق ما عداه من المصاحف ، فلولا اعتراف عثمان بأنه وقع تبديل وتغيير من الصحابة ما كان هناك مصحف يحرق وكانت تكون متساوية " ( 1 ) .

وحتى أصحاب هذا الرأي المؤول لم يسلموا من الخدش فيه من قبل الجمهور ! ، قال في كتاب دراسات حول القرآن : "وإذا كان عثمان قد كتب مصحفه على الأحرف السبعة فلا يكون في ذلك قضاء على الفتنة ولظل الناس على اختلافهم إلى يومنا هذا وليس كذلك " ( 2 ) .

  ( 1 ) سعد السعود ص144.
( 2 ) دراسات حول القرآن ص80 للدكتور بدران أبو العينين بدران
أقول : هذا التضارب متوقع لأن الحل الوحيد هو رفض هذين المعنيين من الأحرف السبعة .
 
 

- ص 223 -

وعلى أي حال فإن حرق المصاحف وإلغاء بعض نصوصها يقتضي أحد أمرين : إما كون تلك النصوص قرآنا فيكون عثمان قد أسقط الكثير من القرآن وهو ستة أضعاف ما عندنا ، وإما أن لا تكون قرآنا فيثبت التحريف لكثير من سلفهم الصالح الذي قال بقرآنية ما ليس منه .
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب