إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 233

4 – بعض الصحابة أتـموا جمع القرآن في عصر النبوة


"عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أربعة كلهم من الأنصار ، أبي ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت ، قلت لأنس : من أبو زيد ؟ قال : أحد عمومتي " ( 2 ) .

"عن أنس بن مالك قال : مات النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة ، أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قال : ونحن ورثناه " ( 3 ) .

أقول : قوله ( نحن ورثناه ) نص صريح في أن الجمع الذي قصده أنس هو الجمع التقليدي في الصحف وعلى ظهر الرقاع ، لا كما قال أهل السنة من أن جمع هؤلاء كان بمعنى الجمع في الصدور ، إذ كيف يصح توريث ما هو محفوظ في الصدور ؟!
 

5 - المصحف موجود في عصر النبوة

الروايات الآتية تتعارض مع قولهم إن أول جمع للمصحف كان في زمن أبي بكر إذ فيها أن لفظ المصحف كان متداولا في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا معناه وجود كيان جمعي للقرآن منسق ومرتب الصفحات وهذا هو محل النـزاع سواء أكان الجمع بتمام الآيات أو ببعضها ، فإن تحقق هيئة

  ( 2 ) صحيح البخاري ج4ص228 ح3599 ،صحيح مسلم ج7ص149و150 ، السنن الكبرى ج6ص211 ، سنن الترمذي ج5ص331 ، مسند أحمد ج3 ص233 ،277 .
( 3 ) صحيح البخاري ج6ص103 ، صحيح مسلم ج4ص191 ، الإتقان ج1ص70 عن ابن جرير و البخاري ، فتح الباري ج9ص49 ، تفسير ابن كثير ج4ص28 نقلا عن صحيح مسلم ، البرهان للزركشي ج1ص241

أقول : وليس هؤلاء فقط من جمع المصحف في عهده صلى الله عليه وآله وسلم و سيأتي ذكر البقية في ضمن كلمات علمائهم الآتية .

 
 

- ص 234 -

المصحف المنسق الورق والمرتب السور هو حقيقة الجمع كما أكدنا عليه مرارا ، وهذه الروايات تدل عليه :

" عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : قراءة الرجل القرآن في غير الـمصحف ألف درجة وقراءته في المصحف يضاعف على ذلك إلى ألفي درجة " ( 1 ) .

" عن سلمة وهو ابن الأكوع أنه كان يتحرى موضع مكان الـمصحف يسبح فيه ، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يتحرى ذلك المكان ، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر شاة " ( 2 ) ، ولا ريب في أنه كان يتحراه لكونه مكانا للمصحف .

" عن عبد الله بن عمرو أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بابن له فقال : يا رسول الله إن ابني هذا يقرأ المـصحف بالنهار ويبيت بالليل ! فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : ما تنقم أن أبنك يضل ذاكرا و يبيت سالما " ( 3 ) .

" عن نافع عن ابن عمر قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ينهى أن يسافر بالمـصحـف إلى أرض العدو " ( 4 ) .

استدل بعض علماء أهل السنة على أن المقصود هنا هو المصحف بتمام الآيات القرآنية لا ببعضها ، قال الإمام أبو المحاسن الحنفي :

  ( 1 ) المعجم الكبير للطبراني ج1ص221ح601 ، وقد ذكر في الجامع الكبير للسيوطي ج12ص3930ح284 وعلق عليه بأنه قد صُحّـح وابن عدي في الكامل ج7ص2454 والهيثمي في مجمع الزوائد ج7ص165(كتاب التفسير) باب (القراءة في المصحف وغيره) ، والبيهقي في شعب الإيمان ج2ص407ح2217، ح2218، الموسوعة الفقهية ج13ص257 وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (الكويت).
( 2 ) صحيح مسلم ج2ص59 وأخرجه البخاري في صحيحه ج1ص127 بأدنى اختلاف ، وابن ماجة ج1ص459 والسنن الكبرى للبيهقي ج2ص271 ، والطبراني في المعجم الكبير ج7ص34ح6299 بلفظ (عن سلمة بن الأكوع أنه كان يسجد موضع المصحف يسبح فيه ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يتحرى ذلك المكان ).
( 3 ) مسند أحمد ج2ص270 ، وعنه في مجمع الزوائد للهيثمي ج2ص270 .
( 4 ) مسند أحمد بن حنبل ج7ص266ح545 ، علق عليه أحمد محمد شاكر ( إسناده صحيح ) ، وقد روي بلفظ آخر في سنن أبي داود ج1 ص587 ( ياب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو ) : " عن أن عبد الله بن عمر قال : نـهى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يسافر بالقـرآن إلى أرض العدو "، قال مالك : أراه مخافة أن يناله العدو . وهو في شعب الإيمان ج2ص426ح2288،ح2289.
 
 

- ص 235 -

" عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم نـهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ، وهو من كلام النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لا من كلام الراوي فإنه روي فأني أخاف أن يناله العدو . وقد اختلف أهل العلم في السفر به إلى أرض العدو ، فأبو حنيفة وصاحباه ذهبوا إلى إباحته ، وبعضهم إلى كراهته منهم مالك ، وعن محمد : إن كان مأمونا عليه من العدو فلا بأس وإن كان مخوفا عليه فلا ينبغي أن يسافر به إليهم ، وهذا أحسن الأقوال وعليه يحمل القول الأول منهم ، وما روي عن ابن عباس أنه قال : أخبرني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى فيّ : أن هرقل دعا لهم بكتاب رسول الله صلى الله عيه وسلم فقرأه فإذا فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عيك إثم الأريسيين {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}(آل عمران/64) ، ليس بمعارض لنهيه صلى الله عيه وسلم من المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو ، لأن محمل النهي السفر بجملة القرآن وما في كتابه صلى الله عيه وسلم إنما هو بعضه ، فالجمع بينهما بإباحة السفر بالأجزاء التي فيها من القرآن بعضه وبالكراهة في السفر بكليته إليهم عند خوفهم عليه " ( 1 ) ، فيكون معنى الحديث نـهي الصحابة عن السفر بالمصحف كاملا إلى أرض العدو .

" عن أبي أمامة الباهلي قال : لما كان في حجة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو يومئذ مردف الفضل بن العباس على جمل آدم فقال : يا أيها الناس خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم وقبل أن يرفع العلم وقد كان أنزل الله عز وجل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}(المائدة/101). قال : وكنا قد كرهنا كثيرا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله عز وجل ذلك على نبيّه صلى الله عليه (وآله) وسلم ، قال فأتينا أعرابيا فرشوناه برداء قال فاعتم به حتى رأيت حاشية البرد خارجة من حاجبه الأيمن ، قال : ثم قلنا له : سل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، قال فقال له : يا نبي الله كيف يرفع العلم منا وبين أظهرنا الـمصاحف ، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا ؟! قال : فرفع النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم رأسه وقد علت وجهه حمرة الغضب ،

  ( 1 ) معتصر المختصر ج1ص206-207.  
 

- ص 236 -

قال فقال : أي ثكلتك أمك ، وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يصبحوا يتعلقوا بحرف مما جاءتـهم به أنبياؤهم ، ألا وإن ذهاب العلم أن يذهب حملته ، ثلاث مرار " ( 1 ) .

" عن أبي محرز أن عثمان بن أبي العاص وفد إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مع ناس من ثقيف فدخلوا على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فقالوا له : حفظ علينا متاعنا أو ركابنا . فقال : على أنكم إذا خرجتم انتظرتموني حتى أخرج من عند رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . قال : فدخلت على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فسألته مصحفا كان عنده فـأعطانيه واستعملني عليهم وجعلني إمامهم وأنا أصغرهم " ( 2 ) .

" عن عمر بن عبد العزيز عن أبي الوازع ذريح بن الوازع عن أبيه وكانت له صحبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : " النظر إلى الـمصحف عبادة " ( 3 ) .

" حدثنا جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن علي بن الحسين-عليهم السلام- عن ابن عباس قال : كانت المصاحف لا تباع ، كان الرجل يأتي بورقه عند النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فيقوم الرجل فيحتسب فيكتب ، ثم يقوم آخر فيكتب ، حتى يفرغ من الـمصحف " ( 4 ) .

أقول : الرواية دالة على وجود ورق للكتابة فلا حاجة إذن لـجريد النخل والأحجار الرقيقة والعظام وغيرها من الأمور الغريبة التي ادعوها ، ومن الغريب قولهم إن المصحف المجموع في عهد أبي بكر كان كهيئة الملزمة مربوطا بخيط يجمع ورقه ، فأين كان ذلك الورق في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى احتاجوا إلى العظام والحجارة ؟! ولماذا أمكن كتابة أشعار الجاهلية على ورق وعلقت على الكعبة فسيمت بالمعلقات وقصر هذا الورق عن القرآن الكريم ؟! ، ومتى ، وكيف حدثت هذه النقلة

  ( 1 ) مسند أحمد ج5ص266 وهو في مجمع الزوائد ج1ص199 .
( 2 ) المعجم الكبير للطبراني ج9ص61ح8393.
( 3 ) الإصابة في تمييز الصحابة ج6ص593ت9096 وعلق عليه ابن جحر ( قلت ولهذا المتن طريق أخرى أوردها أبو نعيم من حديث عائشة بسند واه ولفظه كتاب الله بدل المصحف )

أقول : لا يشكل بأن هذه الروايات بصدد الكلام عن قضية كلية ، أي أن المصحف المقصود هو المصحف كحقيقة ستوجد بين المسلمين فيما بعد ، وذلك لأن سكوت الصحابة عن طلب معنى هذه الحقيقة التي تعلق بـها بعض الأحكام كعدم السفر واستحباب النظر وغيرهما أمر غير معقول بعد عدم معهوديتهم بـهذه الحقيقة ، نعم لفظ ( مصحف ) لا يثبت أنه الجمع الكامل للقرآن وهذا لا ضير فيه لأنا قلنا أن جمع القرآن يكفي فيه ترتيب السور والآيات في ملزمة وتضاف إليها الآيات واحدة تلو الأخرى بعد نزولها ، وأما كونه جمع كاملا قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا ييستفاد من لفظ ( مصحف ) بل لأدلة أخرى قد بيّنا بعضها.
( 4 ) سنن الكبرى للبيهقي ج6 ص16 .

 
 

- ص 237 -

النوعية في عالم الكتابة والتدوين ؟! ، ولا ريب أن ما تدعيه رواياتـهم من صعوبة عملهم ومشقة جمع القرآن من العظام والحجارة ليس إلا تعظيما وتضخيما لعمل زيد والحزب العمري في ذلك المصحف الخاص الذي لم يكتمل العمل به ، وللأسف فإن طلب هذا النحو من المفاخرة الكاذبة وتسجيل المناقب الجوفاء طمس على صورة الجمع الحقيقي للقرآن الكريم وشوهها !

" عن عثمان بن أبي العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : لا تـمس الـمصحف وأنت غير طاهر " ( 1 ) .
" عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم " ( 2 ) .
" عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : الغرباء في الدنيا أربعة : قرآن في جوف ظالم ، و مسجد نادي قوم لا صلى فيه ، ومصحف في بيت لا يقرأ فيه ، ورجل صالح مع قوم سوء " ( 3 ) .

" عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال : " أعطوا أعينكم حظها من العبادة النظر في الـمصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه " ( 4 ) .

" عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : من أدام النظر في الـمصحف متع ببصره ما دام في الدنيا "  ( 5 ) .

"عن ابن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : من سره إن يحب الله ورسوله فليقرا في الـمصحف " ( 6 ) .
" عن معاذ قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : أطيعونى ما دمت بين أظهركم فإذا ذهبت فعليكم بكتاب الله أحلوا حلاله وحرموا حرامه فانه سيأتى زمان يسرى على القرآن في ليلة فيسلخ من القلوب والـمصاحف "  ( 7 ) .

  ( 1 ) كنـز العمال ج1ص548و543 عن كتاب المصاحف وسنن الترمذي و أبي داود والمستدرك والطبراني في الكبير والدار قطني في سننه .
( 2 ) نوادر الأصول ص334 .
( 3 ) كنـز العمال ج1ص544 عن الديلمي في الفردوس .
( 4 ) كنـز العمال ج1 ص510 ح2262 . عن نوادر الأصول ، حب .
( 5 ) كنـز العمال ج1 ص353 ح2406 . عن أبي الشيخ .
( 6 ) نفسه ص604 ح2760 عن حل ، هب.
( 7 ) نفسه ص189 ح960 عن الديلمي .
 
 

- ص 238 -

"عن أبي أمامة قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : لا تغرنكم هذه الـمصاحف المعلقة إن الله تعالى لا يعذب قلبا وعى القرآن " ( 1 ) .

والآن ، كيف تنسجم هذه الروايات مع ما ذهبوا إليه من بعثرة القرآن على أكتاف الإبل وعلى الحجارة وفي صدور الرجال ؟ ، وما جيلتنا مع من يلقي ضلال الشك والريبة على كتاب الله فقط لإثبات فضيلة لفلان وفلانة ؟!

والأغرب هو ادعاؤهم أن أول من أطلق لفظ ( مصحف ) على القرآن الكريم هم الصحابة بعد أن فرغوا من جمع القرآن في عهد أبي بكر !

  ( 1 ) نفسه ص536-537 ح2400 عن نوادر الأصول .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب