إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 267

المبحث الثالث : القراءات القرآنية


التعرض لمبحث القراءات القرآنية أمر مهم للوقوف على حقيقة القراءات الشاذة وما يلحق بـها من لوازم وأحكام ، وستكون كلمات علمائـهم حولها مقدمة لمبحث آخر سيأتي في التحريف الصريح بإذنه تعالى ، ومن جهة أخرى علينا فهم معنى القراءات القرآنية بصورة عامة وما يدور في فلكها من حيثيات ومتعلقات لتسليط الضوء على بعض افتراءات الوهابية التي نسجت على بعض فروع هذا المبحث لذلك سنطيل الكلام في تشقيقاته وتفريعاته {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ}(النحل/127).

* بـين يـدي البحـث

ما هي القراءة ؟
القراءة يقصد بـها في علوم القرآن وجها من محتملات النص القرآني ( 1 ) ، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي في الحروف وكيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما ( 2 ) :

" أنواع اختلاف القراءات ربما تفوق الحصر ، كالاختلاف في الحركات الإعرابية والبنائيّة ، والتقديم والتأخير ، والزيادة والنقصان ، والمد والقصر ، والتخفيف والتشديد ، والتّرقيق والتفخيم ، والإخفاء والإظهار ، والفك والإدغام ، والإمالة والروم والإشمام ، على اختلاف أنواعه ، وغير ذلك مما فصّلها كتب القراءات ، وحصل الاختلاف فيها بين أئمة القراّء السلف والخلف " ( 3 ) .

فالقراءة هي طريقة نطق وتأدية ألفاظ الآية ، ولأسباب معينة -يأتي ذكرها- حصل الاختلاف من قارئ لقارئ والنص القرآني على كل التقادير ثابت ، لكن البعض يقرأ ( مالِكِ يوم الدين ) والبعض يقرأها ( مَلِك يوم الدين ) والخط القرآني القديم هو {ملك يوم الدين } ، واصطلح اسم ( القراءات السبع ) للدلالة على وجوه القراءات السبع المشهورة .

  ( 1 ) التمهيد للشيخ المحقق محمد هادي معرفة حفظه الله تعالى ج2 ص9.
( 2 ) معجم القراءات القرآنية ج1ص126 .
( 3 ) تلخيص التمهيد ص 281 .  
 

- ص 268 -

* أصل القضية

ما بـعد توحيد المصاحف على القراءة المتواترة
قد مرّ سابقا أن عثمان أمر بجمع المصاحف المشوهة وحرقها فجُمع الناس على مصحف واحد مشتمل على قراءة الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتواترة ، وقلنا إن المصحف المتيقّن خلوه من التغيير والتبديل أي ما أخذ من لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو مصحف أبي بن كعب كما بيناه من كتاب المصاحف لابن أبي داود مسبقا ، فوُحّدت المصاحف عليه بالصورة المتداولة ، وأخذ الناس قراءتـهم من المصاحف التي بعث بـها عثمان إلى الأقطار الإسلامية ، وهي طبق الأصل في الجملة عن المصحف المجموع .

قال في مناهل العرفان : " إذا فعدد المصاحف التي نسختها لجنة توحيد المصاحف هي تسعة ، واحدة هي الأم أو الإمام ، كانت في المدينة ، والبقيّة أرسلت إلى مراكز البلاد وكان المصحف المبعوث إلى كل قطر يحتفظ عليه في مركز القطر ، يستنسخ عليه ويرجع إليه عند اختلاف القراء . ويكون هو حجّة ، والقراءة التي توافقها تكون هي الرسميّة ، وكل نسخة أو قراءة تخالفها تعدُّ غير رسمية وممنوعة يعاقب عليها . أما مصحف المدينة ( الإمام ) فكان مرجعاً للجميع بصورة عامة ، حتى إذا كان اختلاف بين مصاحف الأمصار ، فإن الحجّة هو المصحف الإمام بالمدينة ، فيجب أن يصحح عليه . وروي أن عثمان بعث مع كل مصحف قارئاً يقرئ الناس على قراءة ذلك المصحف" ( 1 ) .

وانتهى تكفير سلفهم الصالح بعضهم لبعض ، وهدأ طعن بعضهم في قراءة بعض ، وصار المصحف المجموع هو مرجعهم في مطابقة ما بين أيديهم من المصاحف ، فمن أنقص من مصحفه حرفا زاده ، ومن زاد أنقصه ، وهكذا حتى حلّت الأزمة نوعا ما ، إلا أن بعضاً من سلفهم الصالح رفض تسليم مصحفه وأبى أن يقرأ كما يقرأ الناس ، كابن مسعود ومن معه من أهل الكوفة كما مرّ سابقا ، فكانت هذه بذرةً لنشوء مشكلة القراءات من جديد ، وأخطر منها فكرة جواز القراءة بالمعنى التي زرعها ابن مسعود في أذهان من التفوا حوله .

أضف إلى ذلك أن عملية كتابة المصاحف العثمانية ونسخها لم تكن بتلك الدّقة التي تمنع الاختلاف فقد دوّن العلماء اختلافات في رسم المصاحف المرسلة إلى الأقطار ، وكان لها دور مهم في إثراء الاختلاف فيما بعد ، والذي أبقى على المشكلة تساهل ابن عفان في اللحن الذي ادعى وجوده في تلك المصاحف ، فحينما عرضت عليه المصاحف المنسوخة قال إن بـها لـحنا ، ولكن ستقومه العرب بألسنتها ! وهذا الإهمال أبقى الشرخ ووسع هوّة الاختلاف .

  ( 1 ) مناهل العرفان ج1 ص 396-397 .  
 

- ص 269 -

ظهور المشكلة من جديد
ومع كل الجهود لتوحيد المصاحف على قراءة واحدة ورسم واحد ، أخذت تطفو على السطح بوادر الاختلاف كلما بعُد الزمن أكثر فأكثر ، وهذا الأمر كان متوقّعا لكل من وقف على تلك البذور المذكورة سابقا .

ومع ملاحظة الخط القديم الذي كتبت به المصاحف وسلبياته الكثيرة كان من المتوقع ألا يضبط الخط القراءة المتواترة بالدقّة المطلوبة ، نعم كان الخط يضبط حدود اختلاف القراءات ويضع حدودا حمراء كي لا تدخل الموارد التي تغاير ألفاظ القرآن تغايرا فاحشا ، وواضح أن هذا لا يحل المشكلة بل يبقى المجال مفتوحا لمن يجتهد داخل تلك الحدود .

ومع مرور الوقت أخذ بعض السلف يشذّ عن القراءة المتواترة بين جمهور المسلمين مع من التف حوله من الناس ، وهؤلاء المجتهدون في قراءة القرآن راج لهم السوق ، واشتهرت قراءتـهم بين الناس من باب ( خالف تُعرف ) ، وقيل قراءة فلان ، وقراءة ابن فلان ، في قبال قراءة المسلمين شرقا وغربا .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب