إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 269

أولا : أهل السنة والقراءات القرآنية


* أسباب نشأة القراءات

نحن نعلم أن خصوصيات كل قراءة ومذاق كل قارئ في تأدية حروف الآية ليست مأثورة ومسندة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة علماء أهل السنة أنفسهم كما سيأتي بيانـها ، فما سبب نشأة تلك القراءات خاصة مع وجود قراءة متواترة بين المسلمين ؟

ذكروا لذلك أسبابا متعددة :

1- بداءة الخط : عند مراجعة المخطوطات القديمة التي كتب بـها القرآن الكريم في بداية عصر تدوينه ، تجد مدى صعوبة تمييز الأحرف بعضها عن بعض ، فهناك جـملة من الأحرف تتشابه في شكلها وتحتمل ألفاظا ومعاني متعددة للكلمة الواحدة ، فمع عدم معهودية القارئ بالقرآن سوف ينتج عنه الخلط والاشتباه ، وحصل هذا في البلاد النائية القريبة العهد بالقرآن .

2- الخلو من النقط : فكما أن تشابه الأحرف كان مدعاة للاشتباه فكذلك عدم وجود النقط على الكلمات ، لأن تنقيط المصحف بنقط الإعجام جاء في عصر متأخر نسبيا عن عصر عثمان بن عفان فكانت المدّة كفيلة بأن يقرأ البعض ( يعلمون ) ويبدلها ب‍ ( تعلمون ) ، و( تبينوا ) ب‍ ( تثبتوا ) وهكذا .

- ص 270 -

3- إسقاط الألفات : من خصوصيات الكتابة القديمة أنـها من غير ألفات ، فلم تستحدث إلا في زمن متأخر ، لذا كان يقرأ البعض ( مالك يوم الدين ) مع كون الكتابة الأصلية هي ( ملك ) ولا يعني هذا عندهم أن قراءتـها الصحيحة هي ( ملك ).

4- التجريد من الشكل : وكذلك كانت الكتابة الأولى خالية من التشكيل والحركات المميّزة ، فيختلط الأمر على من لا عهد له بآيات القرآن فيقرأ ( خلق ) باعتبار أنـها فعل ماضي وهي مصدرٌ ، وكثير من هذا القبيل .

تلميع !
ليس من الغريب أن يضفي بعض علماء أهل السنة شيئا من العبقرية والدقة في التنسيق والتخطيط إلى الصحابة وسلفهم الصالح ، كأن يقال إن الصحابة تعمدوا كتابة المصاحف في زمن عثمان خالية من النقط وحركات الإعراب ، ولنقتصر هنا على نقل قول ابن تيمية الحراني ، قال في مجموع الفتاوى :
" والحروف المكتوبة قد تنازع الناس في شكلها ونقطها ، فإن الصحابة لما كتبوا المصاحف كتبوها غير مشكولة ولا منقوطة لأنـهم إنما كانوا يعتمدون في القرآن على حفظه في صدورهم لا على المصاحف " ( 1 ) .

وزادها ابن تيمية عبقرية وكذا أغلب من داخ في هذه السمادير من بني جلدته ، فقالوا إنما فعله الصحابة عن قصد ليشتمل رسم المصاحف المكتوبة على الأحرف السبعة ووجوه القراءات !! :
" فكان النبي إذا أتاه جبريل استمع فإذا انطلق جبريل قرأه النبي كما أقرأه ، فلهذا لم تكن الصحابة ينقطون المصاحف ويشكلونـها ، وأيضا كانوا عربا لا يلحنون فلم يحتاجوا إلى تقييدها بالنقط ، وكان في اللفظ الواحد قراءتان يقرأ بالياء والتاء مثل يعملون وتعملون فلم يقيدوه بأحدهما ليمنعوه من الأخرى " ( 2 ) .

مع العلم أن الكتابة العربية لم يضف لها النقط ولا التشكيل إلا في زمن متأخر عن زمان عثمان ، وكان أول من حلّاها هو أبو الأسود الدؤلي رضي الله عنه تلميذ الإمام علي عليه السلام ، فمعنى ذلك أن الصحابة ومن بعدهم إلى زمن تغلّب زياد بن أبيه على الكوفة لم يكن يعلمون شيئا عن ذلك النقط والتشكيل ، فكيف يستقيم ما ذكره أهل العبقرية والتلميع ؟! وسيأتي الكلام مفصلا بإذنه تعالى .

  ( 1 ) مجموع فتاوى ابن تيمية ج12 ص100 مطابع الرياض . ( 2 ) ن.م ص101.  
 

- ص 271 -

5- تأثير اللهجة : واللهجة لها دور في تغيير قراءة الكلمة عن وضعها الأصلي ، كالإمالة وقلب بعض الأحرف وكذلك في الحذف والإثبات .

6- تحكيم الرأي والاجتهاد : كان قرّاء القرآن يتمسّكون باجتهاداتـهم ولو خالفت قراءة الجمهور ! ، وبعضهم كان لا يتزحزح عنه إلا بالجلد كما حصل لابن شنبوذ بدعوى أن له في ذلك وجها معتبرا ، وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالى .

7- الغلو في الأدب : وهي خصلة متميّزة في القرّاء النحويين ، فكان بعضهم يقرأ بالشاذ الذي يخالف رسم المصحف ، باعتبار أنه أوفق للعربية وقواعدها !

8- عوامل نفسية أخرى : كحب الظهور وبيان البراعة في قراءة القرآن الكريم فيأتون بكل غريب لأجل كسب الشهرة وذيوع الصيت وما إلى ذلك ( 1 ) .

* الدقة في المسألة :
يمكن القول أن لو اقتصر نشوء القراءات المختلفة على ( بداءة الخط والخلو من النقط وإسقاط الألفات والتجريد من الشكل وتأثير اللهجة ) لكانت أسباب اختلاف القراءات خارجة عن الاختيار ، ولكن الصحيح أن السبب الحقيقي الذي ترجع له كل تلك الأسباب هو تحكيم الرأي والاجتهاد سواء أكان منشؤه الغلو في الأدب أو العوامل النفسية ، لأن غير ذلك من العوامل التي تقدّمت كخصوصيات الخط القديم لا يمكن أن تعمل على نشوء قراءة معيّنة لها أتباعها أو أن تبتدع أسلوبا خاصا للقراءة له أنصاره ، لأن في مقابلها يوجد القراءة المشهورة المتواترة بين المسلمين جيلا بعد جيل ، وهي قراءة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانت هذه القراءة التي بين أيدينا اليوم على مر الزمان الميزان والقسطاس المستقيم لتحديد صحة القراءة من سقمها ، وبـهذه القراءة المعروفة المتواترة كانت تتميّز الكلمات ويزال الاشتباه عن بعض الأحرف في كلمات الآية سواء بتشابه الأحرف أو بتشكيلها .
 

فكيف يقال بعد هذا إن خصوصيات الخط القديم من هيئته ، وانعدام التنقيط والتشكيل ، وخلوه من الألفات كانت أسباب نشوء القراءات ، مع وجود قراءة متواترة تسير بـها الركبان ويقرأ بـها الناس والتي بدورها توضّح عوار القراءة المخالفة وتكشف عن خللها ؟! ، فلا مجال للاشتباه في أن مادة الكلمة هل تبدأ بالتاء أم بالياء أو بالباء أو بالثاء ، أو أن هيئة الكلمة بالفتح أو بالضم أو … الخ ، مع وجود قراءة متواترة بين أظهرهم .

ثم لنفرض أن تلك الأسباب عملت على تغيير القراءة حقا ، فالقارئ الذي اشتبه عليه الأمر بسبب رداءة الخط وفقدان النقاط وغيرها أو من اختلاف المصاحف في الرسم يجب عليه بمجرد سماعه

  ( 1 ) رؤوس الفقرات نقلناها من التمهيد في علوم القرآن .  
 

- ص 272 -

للقراءة المتواترة الرجوع والحكم ببطلان ما صار إليه ، فيرتفع غموض واشتباه الكلمة بكلمة أخرى ، وعليه لا تكون خصوصيات الخط أحد أسباب نشوء القراءات ، فنخلص إلى أن السبب الوحيد لاختلاف القراءات ونشوئها هو الاجتهاد والتمسك بالرأي .

نعم ، إن الخط البدائي غير المنضبط أفسح المجال لكثير ممن يجتهد في قراءته ويتمسك برأيه في قبال القراءة المتداولة بين المسلمين آنذاك ، فكان الخط القديم غير المعجم ولا المعرَب ذريعة لكل من يستمزج ويرتئي في قراءة الآيات بشكل يتوافق مع الخط ورسم المصحف ، إذ ان ذلك الرسم غير محدد الملامح حمال ذو وجوه ، وأما أن ينشئ بنفسه قراءة في قبال قراءة المسلمين ، فلا .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب