إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 304

شروط قبولهم للقراءة ووصفها بالصّحة :


هذا المطلب من بحث القراءات يعد مقدمة للكلام عن صورة من صور تحريف القرآن عند أهل السنة ، وقد مرّ استعراض قليل من القراءات التي قرأ بـها بعض سلفهم ، وسيأتي الكثير منه بإذنه تعالى ، وعندها يتضح سبب تقديم هذه المقدمات الطوال .

ذكر علماء أهل السنة ضوابطا يجب أن تتوفر في القراءة حتى يمكن نسبتها للقرآن ، وقد اتبعوا في ذلك ابن الجزري الذي قنّن الشروط التي على ضوئها يحكم بصحّة القراءة من عدمها ، وهي :

1- صحة السند :
أي صحّة سند القراءة من الصحابي الذي ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى القارئ ، وهذا باتصال سند القراءة بالعدل الضابط عن مثله .

2- أن يكون لـها وجهٌ في العربية :
ألا تكون معارضة لقواعد النحو العربي البتة ولا تشذ عنها بأجمعها ، وليس من اللازم أن تتوافق مع الأفصح والمجمع عليه ، بل يكفي أن لها وجها في العربية ولو كان غريبا بعيدا .

قال في الكوكب الدري : " أن تكون القراءة موافقة وجها من أوجه النحو سواء كان هذا الوجه في الذروة العليا من الفصاحة أم كان أنزل من ذلك ، وسواء كان مجمعا عليه ، أم مختلفا فيه اختلافا لا يضر مثله إذا كانت القراءة مما شاع و ذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم وهذا ما اختاره محققو العلماء (فلا يشترط في قبول القراءة أن تكون موافقة لأفصح الأوجه من اللغة) ولا أن تكون موافقة لوجه مجمع عليه بين النحاة (بل متى ثبتت القراءة عن الأئمة وجب قبولها) ولو كانت موافقة لوجه لم يبلغ القمة في الفصاحة أو لوجه مختلف فيه بين النحاة

- ص 305 -

ولهذا لا يعد إنكار بعض النحاة لقراءة ما قادحا فيها وسببا في ردها " ( 1 ) ، ولـهذا موارد كثيرة قرأ بـها القراء وأنكر عليهم اللحن في العربية ( 2 ) .

3- موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا :
حينما كتبت المصاحف العثمانية لم تكن النقاط قد وضعت بعد ، فكانت الكلمة الواحدة غير محددة ومحتملة الحروف ، ويتردد أمر الحرف بين كونه ياء أو تاء وفاء أو قافا وهكذا ، والمصاحف المبعوثة كانت متفاوتة في موارد أخر نحو زيادة كلمة ( من ) التي كان ابن كثير يقرأها في الآية {جَنَّاتٍ تَجْرِي (من) تَحْتَهَا الأَنْهَارُ}(التوبة/100)، ومصحفنا خالٍ منها ولكن المصحف المبعوث لمكة كان مشتملا عليها ، لذلك قيل موافقة أحد المصاحف العثمانية لا فقط مصحف عثمان .

قال في الكوكب الدري : " {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}(البقرة/281) فإن كل كلمة من كلمات هذه الآية موافقة رسم جميع المصاحف ومثال الموافقة رسم بعض المصاحف قوله تعالى في سورة الحديد {وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}(الحديد/24) كتب في مصحفي المدينة والشام بحذف لفظ ( هو ) ، وفي بقية المصاحف بإثباته ، وفي مثال الموافقة مصحفا واحداً قوله تعالى في سورة البقرة {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا}(البقرة/116) فقد رسم بحذف الواو الأولى من ( وقالوا ) في مصحف الشام فقط ، وفي بقية المصاحف بإثباتـها " ( 3 ) .

وهذا ما ذكره ابن الجزري : " كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ، و وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا و صح سندها ، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها و لا يحل إنكارها " ( 4 ) .

وقال في طيبته :

فكلُّ ما وافق وجـه نـحوٍ وكان للرسم احتمالا يحوي

  ( 1 ) الكوكب الدري في شرح طيبة ابن الجزري ص18-19 ، لمحمد الصادق قمحاوي الأستاذ المساعد بكلية القرآن بالمدينة المنورة .
( 2 ) وللإطلاع على الشواهد راجع كتاب إتحاف فضلاء البشر

أقول : قد نقلنا سابقا اعتراضات النحويين على قراءة القراء السبعة ، ولم نكن نقصد منه إثبات بطلان تلك القراءات وإنما قصدنا بيان عدم اعتقاد كثير من علمائهم بتواتر تلك القراءات عن النبي صلى الله عليه وآله سلم وهذا لا يتوافق مع اعتراضهم عليها .
( 3 ) الكوكب الدري في شرح طيبة ابن الجزري ص19 .
( 4 ) النشر في القراءات العشر ج1ص9 .

 
 

- ص 306 -

وصح إسنـاداً هو القـرآن فهـذه الثلاثـة الأركـان
وحيث ما يختل ركن أثـبتِ شـذوذهُ لو أنه في السّبعـة
 

 ملاحظات واعتراضات حول الأركان الثلاثة :

* التواتر مفقود !
كيف يدعي أهل السنة أن القرآن الكريم لا يثبت إلا بالتواتر وأن ما جاء آحادا لا يمكن قبوله ولا الجزم بكونه قرآناً ، مع أنـهم أخذوا بقول ابن الجرزي في شرط صحة السند ؟! ، مع أن التواتر ليس من علم الإسناد كما هو مبحوث في محلّه ، بمعنى أن القول بلزوم كون السند صحيحا يعني أن القرآن يثبت بأخبار الآحاد الصحيحة لا بالتواتر !
وهذا ما نص عليه بعض علماء أهل السنة حيث رفض هذا الشرط ، بل رفض الشروط كلها ! ورأى أن الصحيح في قبول القراءة هو التواتر ، ولكن للأسف ! هؤلاء هم القلّة القليلة من علمائهم .

قال في النشر : " ويؤخذ منه صراحة أن الإمام ابن الجزري لا يشترط في صحة القراءة التواتر بل يكتفي بصحة السند ، وقد صرح بـهذا في النشر فقال : وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ، ولم يكتف فيه بصحة السند ، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن . وهذا مما لا يخفى ما فيه ، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من الرسم وغيره ، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق الرسم أم خالفه ، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم ولقد كنت أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده " ( 1 ) .

ولازم هذا القول أن تواتر القرآن متحقق في الموارد المتفق عليها بين القراء لا في القرآن كله بتفاصيله ! ، فمن أين يثبت علماء السنة تواتر القرآن في الموارد التي اختلف فيها القراء السبعة ؟! ، ناهيك عن أن تواتر القرآن لا يتحقق بأسانيد القرّاء السبعة كما ثبت سابقا ( 2 ) .

  ( 1 ) الكوكب الدري شرح طيبة ابن الجزري ص 23 .
( 2 ) بعدا لـجهل من قال إن أهل السنة أثبتوا تواتر القرآن من طرقهم !!
 
 

- ص 307 -

وكلمات جمهور علماء أهل السنة اليوم لا تتعدى ما مذهب له ابن الجزري ، وجاء بعض المحدثين يريد إثبات تواتر نصوص القرآن اعتمادا على تلك الضوابط فقال :
" إن هذه الأركان الثلاثة تكاد تكون مساوية للتواتر في إفادة العلم القاطع بالقراءات المقبولة ، بيان هذه المساواة أن ما بين دفتي المصحف متواتر ومجمع عليه من الأمة في أفضل عهودها وهو عهد الصحابة ، فإذا صحّ سند القراءة ووافقت قواعد اللغة ثم جاءت موافقة لخط هذا المصحف المتواتر كانت هذه الموافقة قرينة على إفادة هذه الرواية للعلم القاطع و إن كانت آحاداً " ( 1 ) .

وقد رد عليه بعض بني جلدته فقال : " وقوله : إن هذه الأركان تكاد تكون مساوية للتواتر في إفادة العلم القاطع بالقراءات المقبولة فغير صحيح ، ذلك لأن كون ما بين دفتي المصحف متواتر ومجمع على تواتره لا يكفي في اعتبار ما روي منها آحاداً بمنـزلة المتواتر ، مادام موافقاً لخط المصحف ، لأن قراءة القرآن مبنية على السماع والتلقي ولا بد فيها من التواتر ، وليس على خط المصحف ، فإن خط المصحف يحتملها كما يحتمل غيرها مما لم يقرأ به ، ولم يصح أنه قرآن وكما أن خط المصحف لا يعتمد عليه في اعتبار مما لم يقرأ به من القرآن المنـزل وإن وافق خطه قرآنا ، كذلك لا يصح الاعتماد عليه في رفع ما روي آحاداً إلى مرتبة المتواتر " ( 2 ) .

* الرواة ليسوا كلهم ثقات !

لنسأل : ما المقصود من صحة السند ؟ هل المقصود وثاقتهم على مباني علماء الجرح والتعديل ؟ ، فإن كان هذا هو المقصود – ولا أرى يعدوه- فهذا البزي وهو أحد راويي قراءة ابن كثير قال العقيلي عنه : منكر الحديث . وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث لا أحدث عنه ، وقال ابن حجر العسقلاني : لين الحديث ( 3 ) .

  ( 1 ) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ج1ص421 ط الحلبي .
( 2 ) لغة القرآن الكريم د. عبد الجليل عبد الرحيم ص131 ط مكتبة الرسالة الحديثة .
( 3 ) لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج1ص283 .
 
 

- ص 308 -

وكذا راوي القراءة التي يقرأ بـها المسلمون من الشرق إلى الغرب وهو حفص بن سليمان ضعيف ، متروك الحديث ، كذاّب ، وضاع ، ففي تحرير تقريب التهذيب : " حفص بن سليمان الأسدي . متروك الحديث " ( 1 ) .

" وقال ابن أبي حاتم عن عبد الله عن أبيه : متروك الحديث . وقال عثمان الدارمي وغيره عن ابن معين : ليس بثقة . وقال ابن المديني : ضعيف الحديث ، تركته على عمد . وقال البخاري : تركوه . وقال مسلم : متروك . وقال النسائي : ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه . وقال صلاح بن محمد : لا يكتب حديثه وأحاديثه كلها مناكير . وقال ابن خراش : كذاب ، متروك ، يضع الحديث . وقال ابن حيان : كان يقلب الأسانيد ، ويرفع المراسيل . وحكي ابن الجوزي في الموضوعات عن عبد الرحمن بن مهدي قال : والله ما تحل الرواية عنه . وقال الدارقطني : ضعيف . وقال الساجي : حفص ممن يذهب حديثه ، عنده مناكير " ( 2 ) .

أقول : على هذا كيف تكون قراءة المسلمين اليوم مقبولة وموثقة عندهم وسندها بـهذه النظافة ؟!

وقد هَبّ الذهبي ليرقع هذه الخرقة البالية بقوله : " وقول الدارقطني : ضعيف ، يريد في ضبط الآثار . أما في القراءات فثبتٌ إمام . وكذلك جماعة من القُراّء أثباتٌ في القراءة دون الحديث ، كنافع ، والكسائي ، وحفص فإنـهم نـهضوا بأعباء الحروف وحرّروها ، ولم يصنعوا ذلك في الحديث ، كما أن طائفةً من الحفاظ أتقنوا الحديث ولم يُحكموا القراءة . وكذا شأن كل من برّز في فنٍّ ولم يَعْتنِ بما عداه والله أعلم" ( 3 ) .

وقد يقبل ترقيع الذهبي في نافع والكسائي بمقتضى كلمات علماء الجرح والتعديل فيهما ، أما بالنسبة لحفص بن سليمان وهو راوي قراءة المسلمين اليوم فإن علماء الجرح والتعديل عندهم كذّبوه واتـهموه في دينه وتقواه ، بل في رأيـهم كان يضع الأحاديث كذباً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم !! فما شأن الإتقان والتخصص بالفنّ هنا ؟! فمشكلة حفص عندهم مشكلة كذب وافتراء على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا مشكلة تخصص وتفنن !

  ( 1 ) تحرير تقريب التهذيب ج1ص312ت1405 حفص بن سليمان الأسدي ، ط مؤسسة الرسالة .
( 2 ) تـهذيب التهذيب ج12ص401 نقلا عن البيان ص131 .
( 3 ) سير أعلام النبلاء ج11ص543ت159 ط الرسالة .
 
 

- ص 309 -

فاتضح أن مراعاة ركن صحّة السند الذي وضعه ابن الجزري لقبول القراءة يحذف ويخرج القراءة التي يقرأ بـها المسلمون شرقا وغربا وهي المسماة بقراءة عاصم برواية حفص ( الكذاب ) في نظرهم ! فأي قرآن يثبت بعد هذا ؟! نسأل الله عز وجل أن يحل أهل السنة هذه الأزمة في القريب العاجل !

* الإعجاز البلاغي للقرآن !

إن شرط موافقة أي وجه من وجوه العربية حتى ولو كان غريبا شاذا للحكم بصحة القراءة أبعد ما يكون عن لغة الشروط ! لأن الشروط بطبيعتها الإلزام لا الانسيابية ! فهذا توسيع ورخصة لا شرط وتقييد ! ، وفي الواقع هذا الشرط أو قل التنبيه إنما ذكر لإبطال اعتراض النحويين وأهل البلاغة على ما شذ به القراء باجتهاداتـهم عن قواعد النحو العربي والبلاغة العربية وإعطاء الشرعية لاجتهادهم في مخالفة الأفصح ، وهنا تساؤل وهو ألا يُخِلّ تجويز مخالفة القرآن للأفصح بالإعجاز البلاغي للقرآن فيقال بقرآنية غير الأفصح حال تحقق الشرطين الآخرين ؟

قال ابن الجزري : "وقولنا في الضّابط ( ولو بوجه ) نريد وجهاً من وجوه النحو ، سواء كان أفصح أو فصيحاً ، مجمعاً عليه أم مختلفاً فيه اختلافاً لا يضرّ مثله إذا كانت القراءة مما شاع وذاع ، وتلقّاه الأئمة بالإسناد الصحيح ، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم ، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية ، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يعتبر إنكارهم ، بل أجمع الأئمة المقتدى بـهم من السلف على قبولـها كإسكان ( بارئكم ، و يأمركم ) ونحوه ( وسبأ ، ويا بني ، ومكر السيئ ، وننجي المؤمنين ) في الأنبياء ، والجمع بين الساكنين في تاءات البزي وإدغام أبي عمرو ( واستطاعوا ) لحمزة و إسكان ( نعما و يهدي ) وإشباع الياء في ( نرتعي ، ويتقي ، ويصبر ، وأفئيدة من الناس ) وضم ( الملائكة اسجدوا ) ونصب ( كن فيكون ) وخفض ( والأرحام ) ونصب ( وليجزي قوماً ) والفصل بين المضافين في الأنعام وهمز ( سأقيها ) ووصل ( وإن إلياس ) وألف ( إنّ هذان ) وتخفيف ( ولا تتبعان ) وقراءة ( ليكة ) في الشعراء وص~ وغير ذلك " ( 1 ) .

  ( 1 ) النشر في القراءات العشر ج1 ص 10 ط دار الكتب العلمية .  
 

- ص 310 -

* الرسم حمال ذو وجوه !

لا يمكن الاقتصار على موافقة رسم المصحف للحكم بصحة القراءة لما علمت أن المصاحف القديمة كتبت خالية عن النقاط والحركات والألفات ، فكان من اللازم أن يقوّم الرسم بالقراءة للوصول لنص القرآن الصحيح ، لذا صارت القراءة هي الأصل وليس الرسم كما اشتبه ذلك على البعض ، فلا فائدة من الرسم بلا القراءة المتواترة ، وعليه كيف يعقل اتخاذ الرسم مصححا ومصفاة للقراءة ؟‍!

قال في لغة القرآن : " لأن قراءة القرآن مبنية على السماع والتلقي ولا بد فيها من التواتر ، وليس على خط المصحف ، فإن خط المصحف يحتملها كما يحتمل غيرها مما لم يقرأ به ، ولم يصح أنه قرآن وكما أن خط المصحف لا يعتمد عليه في اعتبار مما لم يقرأ به من القرآن المنـزل وإن وافق خطه قرآنا " ( 1 ) ، نعم يمكن أخذ الرسم مصفاة للقراءات التي تزيد في كلمات وتنقصها ، أو تغاير الرسم مغايرة شديدة كمن يقرأ بالمعنى ، وبالطبع فإن هذا الضابط قليل الفائدة مع سرعة اكتشاف الخلل والدس حال حصول مثل هذا التلاعب الفاضح .

ثم إن المصاحف المرسلة إلى الأقطار الإسلامية كانت متغايرة فيما بينها كما بينا في مبحث جمع القرآن ، فأي منها سلم من اللحن الذي جزم عثمان بوجوده فيها عندما عرضت عليه ؟ وأي موضع وقع فيه اللحن ؟ ، أو بمعنى آخر ، إن وجود اللحن في رسم المصاحف متيقن منه ، ولا نعرف بالضبط أين موضع اللحن في أي من تلك المصاحف ، وحتى لو قمنا بتحديد المصحف لسألنا عن موضع اللحن فيه ! ، وعليه يلزم عدم اعتماد هذا الركن لتقييم القراءة الصحيحة من الفاسدة لوجود خلل متيقن ومحصور بين هذه المصاحف .

ملاحظة :
إن عدم وجود مستمسك شرعي يثبت حجية تلك الضوابط مع أخذها هينة هكذا على علاتـها يوحي بأن هذه الضوابط إنـما جاءت نتيجة استقراء وتتبع لما تحتويه القراءات من هيئات وتراكيب متغايرة ، لا سيما ضابطتا الموافقة لوجهٍ في العربية والموافقة الاحتمالية لرسم أحد المصاحف العثمانية ، لما يعطيه الاحتمال والوجهية من مطاطية في الضابط يَدخل على أثرها عمل القرّاء السبعة تحت مظلة الأركان ، فتشمل الكثير من الشواذ ، حتى أنه ليتكلف لذلك في بعض الأحيان .

  ( 1 ) لغة القرآن الكريم د . عبد الجليل عبد الرحيم ص 131 ط مكتبة الرسالة الحديثة .  
 

- ص 311 -

والحق إن هذه الشروط جاءت لتصحيح عمل القرّاء ، ويخترع لاجتهاداتـهم منهجية للقول بأن القراء عملوا على ضوابط وسلكوا منهجية محددة في القراءة ومستند عكفوا على تحريه ! ، قال في تلخيص التمهيد :

" إن هذه الأركان وضعت على ضوء التّسالم على القراءات السبع أو العشر ، ومن ثم يجب تحويرها بما يتّفق معها ، فهي علاج للقضية بعد وقوعها . فاللازم هو التصرّف في الشرائط بما يتلاءم ووجوه القراءات ، و ليست القراءات هي التي تناقش على ضوء هذه الأركان . ولذلك تجدهم يعالجون حدود هذه الشّرائط حسب ما ورد من قراءات هؤلاء السبعة أو العشرة . ولم نرهم يناقشون قراءة مأثورة عن هؤلاء على ضوء الأركان المذكورة .

قال الداني – بعد حكاية إنكار سيبويه لإسكان أبي عمرو في مثل ( بارئكم ) و ( يأمركم ) : والإسكان أصحّ في النقل وأكثر في الأداء ، وهو الذي أختاره وأخذ به . قال : وأئمة القراّء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللّغة ، والأقيس في العربية ، بل على الأثبت في الأثر ، والأصح في النّقل ، والرواية إذا ثبتت عنهم لم يردّها قياس عربية ولا فشو لغة لأن القراءة سنّة متّبعة يلزم قبولـها والمصير إليها .أنظر إلى هذا التزمت والاختيار التقليدي المحض ، وإن دلّ على شيء فإنما يدل على مبلغ ضغط التحميل المذكور " ( 1 ) .

وما أراده الداني من قوله هو أن هذه الأركان والشروط تقاس بـها كل قراءة في دنيا المسلمين إلا قراءة القرّاء السبعة فقد جازت القنطرة استثناءً وبلا تطبيق لتلك الشروط عليها ، بل الشروط نفسها تنخرم وتنفصم عراها أمام قراءة أحدهم ! ولكن لنسائلهم ، ما هو مستند هذا الاستثناء ؟ ومن أي كتاب منـزل أم من أية سنة جاءت هذه الامتيازات ؟!

والتكلف في تصحيح قراءة هذا وذاك من القرّاء السبعة ظاهر في كتبهم ، وتحميل قراءاتـهم على أقصى حدود الأركان وعلى أوسع نطاق للشروط واضح في كتبهم ، وكله لتصحيح قراءاتـهم ولو بشق الأنفس ، وبعبارة مختصرة إن القراءات السبع كانت أصلا لشروط قبول القراءة لا العكس !

  ( 1 ) تلخيص التمهيد ص359 ط دار الميزان
أقول : وهذا ديدن القوم الذي لم يتخلوا عنه يوما ما ، فمن السقيفة إلى يومنا وهم يحاولون تنظيف التاريخ المزري وما حدث فيه من مخازي ، ومع كل تنظيف يسقط شيء من الدين ! فهاهم يقولون بكفاية بيعة اثنين من أهل الحل والعقد لتعيين خليفة المسلمين ، ولو بحثت في الكتاب والسنة لما وجدنا أثرا لهذا ، وما قالوا به إلا تصحيحا لمبايعة عمر وإبي عبيدة لأبي بكر بالخلافة ، وعدم عملهم بـهذا الفكر عندما تتحقق شروطه دليل دامغ على أنه ابتدع للتصحيح فقط ، فمثلا في وقتنا قامت ميليشيا تسمى بطالبان –التي تسبح الوهابية بحمدها وتقدس لها- بالسيطرة على أفغانستان ، وقد بويع لزعيمها بإمرة المؤمنين من قبل آلاف من أهل الحل والعقد في نظر الوهابية ومع ذلك لم تقر الوهابية له بإمرة المؤمنين ! ، فلماذا تنازلوا عن فقههم ومرتكزاتـهم ؟! .
 
 

- ص 312 -

* ما ينتج عن مخالفة أحد تلك الأركان

لنسلم بتلك الشروط التي أقرها أهل السنة والتي تصح على ضوئها القراءة فلا توصف بالشذوذ ، فنصل معهم للنتيجة التي أرادوها وهي أن القراءة التي تتوفر فيها تلك الأركان هي القرآن ، وكما قال ابن الجزري في طيبته :
وصح إسنـاداً هو القـرآن فهـذه الثلاثة الأركـان

وإذا ما اختل أحد تلك الشروط لا تصح القراءة بـها ، أو بعبارة صريحة ليست من القرآن ، وهو ما صُرّح به سابقا : " ومتى ما اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم ، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف " ( 1 ) .

ويعني هذا أن القراءة التي تخالف أحد تلك الأركان تُنفى عن ساحة القرآن ولا يمكن القول بقرآنيتها وإلا لفتح الباب على مصراعيه لكل من أراد العبث بآخر الكتب الإلهية وعصارة جهاد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ، ودون ذلك ضرب الرقاب كما صرّح به بعضهم ، لا سيما تبديل وتحريف الآية الكريمة بجعل كلمة مكان أخرى ، وتلك القراءات الشاذة التي قرأ بـها البعض وتجاهر بـها قد استتيب تحت جلد السياط كما حصل لابن شنبوذ ولابن مقسم البغدادي ، فقد تتبعا شواذ القراءات الخارجة عن الأركان الثلاثة وقرؤوا بـها فلم يرَ علماء ذلك الوقت إلا الجلد سبيلا لردع هذا التيار المنحرف المحرّف لكتاب الله عز وجل ( 2 ) .

قال في مقدمة كتاب السبعة في القراءات : " وأهم من ذلك موقفه – ابن مجاهد- من ابن شَـنّبوذ المقرئ ببغداد لعصره ، وكان يعتمد شواذ القراءات ويقرأ بـها ، وقرأ بالمحراب في بعض صلواته بحروف مرويّة عن عبد الله بن مسعود وأبيّ بن كعب يخالف مصحف عثمان بن عفان الذي اجتمعت عليه الأمة ، وجادل في ذلك وحاول في جرأة أن يُقْرئ بـها بعض الناس واشتهر أمره ، وحاول ابن مجاهد أن يردّه إلى جادة الصواب ، ولكنه لم ينته فرفع أمره إلى ابن مُقْلة الوزير ( 3 ) حينئذ ، فاستدعاه و أحضر القضاة والفقهاء و القرّاء و في مقدمتهم ابن مجاهد ، وكان ذلك في سنة 323 للهجرة ، غير أن ابن شَـنّبوذ اعترف بما عُزي إليه و أقرّ عليه ، فأشار جميع من حضروا بعقوبته ،

  ( 1 ) النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج1ص9 ط دار الكتب العلمية .
( 2 ) مع أن الموارد التي ذكروها لبيان شذوذ قراءتـهما هي بعينها قراءة وجوه الصحابة كابن مسعود وأبي بن كعب !!
( 3 ) وهذا الوزير شيعي وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالى .
 
 

- ص 313 -

فضرب أسواطاً و حُبس ، فأعلن توبته . وعقد له ابن مقلة محضراً أقرَّ فيه ابن شنبوذ واعترف بذلك في حضوره طوعاً . و قد احتفظ ياقوت بطائفة من قراءاته التي تبع فيها ما رُوي عن أُبي بن كعب و عبد الله بن مسعود من مثل ( وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا ) والآية في مصحف عثمان كما هو المعروف {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا}(الكهف/79).

ومثل ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله ) وهي في مصحف عثمان {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ }(الجمعة/9) ( 1 ) إلى غير ذلك من قراءات انفرد بـها أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود . ومرّ بنا أن عثمان أمر بإحراق مصحفيهما وأنه لم يعد من حقهما ولا من حق غيرهما أن يقرأ بما يخالف رسم المصحف العثماني " ( 2 ) .

ولكنا سنقتصر في الكلام على ما يمس موضوعنا الأساس وهو الشاذ المخالف لركن موافقة رسم المصاحف العثمانية فقط ، وهو ما نقصده من كلمة شاذ في ما يلي من فقرات .

وقد استفاضت كلمات علماء أهل السنة على أن القراءات الشاذة ليست من القرآن في شيء وليس لها حكم آياته ، ولا يصح القراءة بـها في الصلاة ولا في غيرها فتبطل الصلاة إذا قرأها المصلي متعمدا ، وعلى هذا فمن قرأ بـها على أنـها قرآن فإنه بحسب القواعد يكون قد أدخل في النص القرآني ما ليس منه سواء زاد في كلمات الآية المباركة أو أنقص ، أو أبدل كلماته بغيرها ، وبفعله الشنيع ذلك يخالف رسم المصاحف العثمانية المتفق عليه بين المسلمين شرقا وغربا ، فيستحق الإستتابة كما مرّ بالحادثة السابقة ، ولكن كلمات علماء أهل السنة تارة تصرح بأنـها قراءة شاذة ، وتارة بأنـها لا يثبت بـها القرآن ، وأخرى بأنـها باطلة ، ورابعة بأنـها ليست من القرآن في شيء… الخ ، وليس هذا إلا تخفيفا لوقع كلمة (تحريف) لأن من ينسب تلك الشواذ للقرآن وهي ( ليست من القرآن في شيء ) يعني أنه نسب كلمات وجملا للقرآن ليست منه وهذا التحريف بعينه .

فسواء سمّيت تلك القراءة التي نسبها القارئ للقرآن شاذة أم باطلة أم مرفوضة أم لا يثبت بـها القرآن أو غيرها من الألفاظ فهي التحريف المقصود لا غير ، وهي من باب ( عباراتنا شتى وحُسنك واحدُ ) ، إلا أن يقال إن القول بأنـها باطلة أو لا يثبت بـها القرآن يعني أننا نشك في كونـها منه أو لا ، وهذه طامة كبرى ! ، فهذا الكلام معناه أن تلك القراءات الشاذة – الآتي ذكرها بإذنه تعالى- من المحتمل أن تكون نصوصا قرآنية ومع ذلك فهي غير موجودة في مصحفنا ! أي أن أهل السنة يشكون في كون مصحفنا قد اشتمل على كل القرآن النازل من السماء ؟!

لمتابعة القراءات الشاذة اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 1 ) عمر بن الخطاب هو أول من غيّرها إلى ( فامضوا ) وأنكر ما هو موجود في مصحفنا ، وسيأتي ذلك بإذنه تعالى .
( 2 ) مقدمة كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد ص15 بتحقيق الدكتور شوقي ضيف ط دار المعارف مصر .
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب