|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص
314 |
|
بعض
كلماتـهم في نفي قرآنية القراءات الشاذة
قال علماء أهل السنة إن ما يحصل به النقص من كلمات
القرآن بسبب اختلاف النسخ المبعوثة إلى الأقطار
الإسلامية لا نسمّيه تحريفا للقرآن ، ونحن نسلم لأجلهم
بذلك لأن ذلك يتفق مع الركن الثالث المذكور مسبقا ،
وإن كنت لا أرى فرقا بين معنى التحريف ومعنى الزيادة
من يد الناسخ سهوا ( 1 ) ، ومثاله مصحف مكّة المشتمل
على زيادة عن المصحف في كلمة ( من ) في الآية {تَجْرِي
تَحْتَهَا الأَنْهَارُ}(التوبة/100)
وهكذا غيره مما
يشابـهه ، ولنتمسك بأمر واحد مما هو شاذ في نظرهم وهو
ما يخالف رسم المصاحف العثمانية ، ونستعرض الآن كلمات
علمائهم في نفي قرآنية هذا الشاذ ، وكلمات علمائهم
نقسمها إلى قسمين ، القسم الأول يتعلق بجانب علوم
القرآن ونفي قرآنية الشواذ ببطلان التعبّد بـها ،
والقسم الثاني يرتبط بجانب حجية الاستدلال الفقهي
بالقراءات الشاذة .
* القسم الأول :
قال ابن الجزري : " ومتى اختل ركن من هذه الأركان
الثلاثة ، أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة ، سواء
أكانت عن السبعة أو عمن هو أكبر منهم ، هذا والصحيح
عند أئمة التحقيق من السلف والخلف ، وصرح بذلك الإمام
الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني ، ونص عليه في
غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب ، وكذلك
الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي ، و حققه
الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي
شامة . وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه
" ( 2 ) .
| |
( 1 ) الغريب أن بعض علماء أهل السنة يبرر إهمال عثمان
إصلاح اللـحن والإسراع في بعث المصاحف بلا تدقيق ، بأن
هذا الاختلاف والتغاير كان على مرأى ومسمع منهم وبقصد
منهم لبيان الأحرف السبعة التي نزل بـها القرآن الكريم
كما يزعمون ، أو بمعنى أوضح ، أن المملي كان يملي
عليهم القرآن ويقول لبعضهم ( أكتب كذا ) وللبعض الآخر
( أكتبها أنت كذا ) وهكذا في باقي المواضع !! ، وهذا
غير مقبول لأن هذا المعنى لم يرد في أية رواية مع توفر
دواعي نقله لغرابته ولبيان مدى دقة سلفهم الصالح في
توحيد المصاحف ! ، فكيف لا يرد منه شيء ؟! ، ثم إنـهم
يقولون أن عثمان أراد توحيد المصاحف والاجتماع على حرف
واحد لمنع وقوع الفتنة ، فكيف يفعلون ما أرادوا الهروب
منه ؟! ، ثالثا إن كان الأمر كذلك فلماذا قال عثمان
(إني أرى لحنا وستقيمه العرب بألسنتها) ، فما معنى
إقامته إن لم يكن معوجا ؟! وأخيرا : إلى متى التلميع
والترقيع واختراع العبقريات ؟!
( 2 ) النشر في القراءات العشر ج1ص9 . |
|
|
قال في منجد المقرئين : " وقال شيخنا قاضي القضاة أبو
نصر عبد الوهاب السبكي في كتابه جمع الجوامع في الأصول
ولا تجوز القراءة بالشاذ والصحيح أن ما وراء العشرة
فهو شاذ وفاقا للبغوي والشيخ الإمام قال ابن الجزري
يعني بالشيخ الإمام والده مجتهد العصر أبا الحسن عبي
بن عبد الكافي السبكي ، والقسم الثاني عنده هو ما خالف
المصحف ولو صحت روايته لا يعتبر قرآنا ولا تجوز الصلاة
به " ( 1 ) .
قال الزركشي :" قال شيخ الشافعية : يشترط أن يكون
المقروء به على تواتر نقله عن رسول الله صلى الله
وعليه وسلم قرآناً ، واستفاض نقله بذلك ، وتلقته الأمة
بالقبول كهذه القراءات السبع ، لأن المعتبر في ذلك
اليقين والقطع على ما تقرر وتمهّد في الأصول فما لم
يوجد فيه ذلك ما عدا العشرة فممنوع من القراءة به منع
تحريم ، لا منع كراهة في الصلاة وخارج الصلاة منه ممن
عرف المصادر والمعاني ومن لم يعرف ذلك ، وواجب على
مَنْ قدر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يقوم
بواجبه في ذلك وإنـما نقلها مَنْ نقلها من العلماء
لفوائد منها ما يتعلق بعلم العربية لا القراءة بـها ،
هذا طريق من استقام سبيله
ثم قال : والقراءة الشاذة
ما نقل قرآناً من غير تواتر واستفاضة متلقاة من الأئمة
، كما يشتمل عليه المحتسب لابن جني وغيره ، وأما
القراءة بالمعنى على تجوزه من غير أن ينقل قرآناً ،
فليس ذلك من القراءة الشاذة أصلاً ، والمتجرئ على ذلك
متجرئ على عظيم ، وضالٌ ضلالاً بعيدا ، فيعزّز ويمنع
بالحبس ونحوه ، ويجب منعُ القارئ بالشواذ وتأثيمه بعد
تعريفه ، وإن لم يمتنع فعليه التعزير بشرطه " ( 2 ) .
ثم قال : " وقال شيخ المالكية رحمه الله : لا يجوز أن
يُقرأ بالقراءة الشاذة في صلاة و لا غيرها ، عالماً
بالعربية كان أو جاهلاً ، وإذا قرأها قارئ ، فإن كان
جاهلاً بالتحريم عُرِّف به و أمر بتركها ، وإن كان
عالماً أُدِّب بشرطه ، وإن أصر على ذلك أدّب على
إصراره ، وحبس إلى إن يرتدع عن ذلك ، وأما تبديل (
آتينا ) ب ( أعطينا ) و ( سوّلت ) ب ( زيّنت ) و
نحوه ، فليس هذا من الشواذ ، وهو أشد تحريماً ،
والتأديب عليه أبلغ ، والمنع منه أوجب " ( 3 )
فكلٌ من إمام المالكية والشافعية يرى أن الشاذ هو ما
لم يتواتر نقله ، أما ما خالف رسم المصحف وإن كان
بمعناه فهو خارج عن نطاق القراءات الشاذة فضلا عن النص
القرآني ، وعليه فمن
| |
( 1 ) منجد المقرئين ص16 .
( 2 ) البرهان في علوم القرآن للزركشي ج2ص332-333
بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ط دار إحياء الكتب
العربية .
( 3 ) ن.م ص333 . |
|
|
نسبه
للقرآن فقد أضاف ما ليس منه إليه ، وهذا تحريف صريح
للقرآن على ضوء ما يراه إماما المالكية والشافعية .
وقال في البحر المحيط :" قال الشيخ أبو الحسن السّخاوي
: ولا تجوز القراءة بشيء من الشواذ لخروجها عن إجماع
المسلمين وعن الوجه الذي ثبت به القرآن ، وهو المتواتر
وإن كان موافقا للعربية وخط المصحف لأنه جاء من طريق
الآحاد ، وإن كانت نقلته الثقات . وقال أبو شامة
والشأن في الضبط ما تواتر من ذلك وما اجتُمع عليه ،
ونقل الشاشي في ( المستظهري ) عن القاضي الحسين : أن
الصلاة بالقراءة الشاذة لا تصح ، وقال النووي في (
فتاويه ) : تـحرم " ( 1 ) .
وقال :" فقال إلْكِيا – الطبري- : القراءة الشاذة
مردودة لا يجوز إثباتـها في المصحف ، وهذا لا خلاف فيه
بين العلماء … وقال : والدليل القاطع على إبطال نسبة
القراءات الشاذة إلى القرآن أن الاهتمام بالقرآن من
الصحابة الذين بذلوا أرواحهم في إحياء معالم الدين
يمنع تقدير دروسه وارتباط نقله بالآحاد " ( 2 ) .
" وقال أبو زيد الدّبوسي
في كتاب تقويم الأدلّة : لا
تثبت القراءة بخبر الواحد ، ولهذا قالت الأئمة ، فيمن
قرأ في صلاته بكلمات تفرد بـها ابن مسعود : إن صلاته
لا تجوز كما لو قرأ خبرا من أخبار الرسول صلى الله
عليه (وآله) وسلم " ( 3 ) .
قال النووي : " قال أصحابنا – الشافعية- وغيرهم تجوز
القراءة في الصلاة وغيرها بكل واحدة من القراءات السبع
ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة
لأنـها ليست قرآناً ، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر
".
| |
( 1 ) البحر المحيط ج1ص474 ط وزارة الأوقاف والشؤون
الإسلامية في الكويت -الثانية- .
( 2 ) ن.م ص475-476 .
( 3 ) ن.م ص479 . قلنا سابقا أن ابن مسعود كان يغير
ألفاظ القرآن بغيرها إن كانت متفقة معها في المعنى ! . |
|
|
وقال " وأما الشاذة ليست متواترة ( 1 ) ، فلو خالف
وقرأ بالشاذة أنكر عليه قراءتـها في الصلاة أو في
غيرها وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ
بالشواذ .
وقد ذكرت قصة في التبيان في آداب حملة
القرآن ونقل الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر إجماع
المسلمين على أنّه لا تجوز القراءة بالشواذ و لا يُصلى
خلف من قرأ بـها ، قال العلماء : فمن قرأ بالشاذ إن
كان جاهلاً به أو بتحريمه عرف ذلك فإن عاد إليه أو كان
عالماً به عزر تعزيراً بليغاً إلى أن ينتهي عن ذلك و
يجب على كل مكلف قادر على الإنكار أن ينكر عليه فإن
قرأ الفاتحة في الصلاة بالشاذ فان لم يكن فيها تغيير
معنى ولا زيادة حرف ولا نقصه صحت صلاته و إلا فلا " (
2 ) .
قال ابن قدامة :" فأما ما يخرج عن مصحف عثمان ، كقراءة
ابن مسعود وغيرها ، فلا ينبغي أن يقرأ بـها في الصلاة
، لأن القرآن ثبت بطريق التواتر ، وهذه لم يثبت
التواتر بـها ، فلا يثبت كونـها قرآناً " ( 3 ) .
قال العسقلاني : " وآخر من صرّح بذلك السبكي في شرح
المنهاج عند الكلام على القراءة بالشاذ : صرح كثير من
الفقهاء بأن ما عدا السبعة شاذ توهما منه انحصار
المشهور فيها ، والحق أن الخارج عن السبعة على قسمين :
الأول ما يخالف رسم المصحف فلا شك أنه ليس بقرآن .
والثاني ما لا يخالف رسم المصحف وهو على قسمين أيضا :
الأول ما ورد من طريق غريبة فهذا ملحق بالأول ،
| |
( 1 ) وكل ما لم يكن متواترا فليس من القرآن ، قال
صاحب مسلم الثبوت ج2ص9 : ( ما نقل آحاداً فليس من
القرآن قطعاً ، ولم يعرف فيه خلاف لواحد من أهل
المذاهب ، واستدل بأن القرآن مما تتوافر الدواعي على
نقله لتضمّنه التحدي ، ولأنه أصل الأحكام باعتبار
المعنى و النظم جميعاً حتى تعلق بنظمه أحكام كثيرة ،
ولأنه يتبرك به في كل عصر بالقراءة والكتابة ، ولذا
علم جهد الصحابة في حفظه بالتواتر القاطع ، وكل ما
تتوافر الدواعي نقله ينقل متواتراً عادة فوجوده ملزوم
التواتر عند الكل عادة ، فإذا انتفى اللازم وهو
التواتر ، انتفى الملزوم قطعاً ،
والمنقول آحاداً ليس
متواتراً فليس قرآنـاً ).
( 2 ) المجموع شرح المهذب للنووي المجلد الثالث ص 393
. ط دار الفكر .
( 3 ) المغني لابن قدامة ج1ص354
أقول : كلامه يشعر
أن القراءة الشاذة لا يتيقن من عدم قرآنيتها ! أي
أنـها من المحتمل أن تكون من القرآن وهي غير موجودة في
المصحف ! ، فمعناه أن ابن قدامة يحتمل أن مصحف
المسلمين لم يشتمل على كل القرآن بين دفتيه !! وهذا
ينسف اعتقادهم بحفظ القرآن من التحريف ، وأيضا يقف سدا
دون استنباط أي حكم شرعي من القرآن لأن أي حكم يأخذه
من المصحف يحتمل وجود آيات ساقطة منه ناسخة أو مخصصه
لهذا الحكم ، كقراءة ابن مسعود التي تزيد كلمة (
متتابعات ) المقيدة لوجوب صيام ثلاثة أيام وسيأتي
الكلام عنها بإذنه تعالى ، ولكنا نحمل كلامه على
المحمل الحسن بأنه قصد أن ما لم يتواتر مما يتوافق مع
رسم المصحف العثماني لا يقطع بكونه من القرآن ، وأما
ما لم يتواتر ولم يتوافق مع المصحف العثماني فليس من
القرآن قطعا ، وهذا الكلام هو عين ما نقله العسقلاني
في المورد التالي عن المجتهد السبكي . |
|
|
والثاني
ما اشتهر عند الأئمة هذا الشأن القراءة به قديمًا
وحديثا فهذا لا وجه للمنع منه كقراءة يعقوب وأبي جعفر
وغيرهما " ( 1 ) .
قال ابن الحاجب في منتهاه :" مسألة ما نقل آحاداً فليس
بقرآن ، لأن القرآن مما تتوفر الدواعي على نقل تفصيله
متواترا لما تضمنه من الإعجاز وأنه أصل جميع الأحكام
فما لم ينقل متواترا قطع بأنه ليس بقرآن ".
قال ابن الساعاتي في بديعه : " مسألة ما لم ينقل
متواترا قطع بأنه ليس بقرآن " ( 2 ) .
قال الإمام أبو الحسن السخاوي : " الشاذ ليس بقرآن
لأنه لم يتواتر . فإن قيل : لعله كان مشهورا متواترا
ثم ترك حتى صار شاذا ! قلت : هو كالمستحيل ، لما تحققناه من أحوال هذه الأمة واتباعها عن نبيها وحرصها
على امتثال أوامرها وقال لهم صلى الله عليه (وآله)
وسلم : بلغوا عني ولو آية ، وأمرهم باتباع القرآن
والحرص عليه ، وحضهم على تعلمه وتعليمه ، فكيف
استجازوا تركه وهجروا القراءة به حتى صار قرآنا شاذا
بتضييعهم إياه وانحرافهم عنه "( 3 ).
قال الإمام أبو زرعة : " وأجمعوا على تحريم القراءة بـها في الصلاة ، كما تحرم في غير الصلاة أيضاً إذا
اعتقد قرآنيتها أو أوهم ذلك . هذا وقد قرروا أن الشاذ
هو كل ما وراء القراءات العشر المعروفة " ( 4 ) .
قال الشيخ برهان الجعبري : " وحكم الشاذ الجواز فمحمول
على جواز النقل والرواية لا مطلقا بل بشرط عدم اعتقاد
القرآنية ، كما تقدم في كلام ابن عبد البر لأن المقرئ
من حيث كونه
| |
( 1 ) فتح الباري شرح صحيح البخاري ج9 ص 32 فضائل
القرآن باب أنزل القرآن على سبعة أحرف ، ط دار المعرفة
.
( 2 ) وهنا مقدمة مطوية ذكرناها سابقا وهي : كل ما كان
شاذا مخالفا للرسم العثماني فهو غير متواتر .
( 3 ) مقدمة البحر المحيط ج1ص80 نقلا عن
علوم القرآن
عند المفسرين ج2ص65
أقول : استدلاله السابق مخدوش
بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( لتتبعن سنن من
كان قبلكم ) ، ولو استدل بقوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ
نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). مع الاتفاق على قرآنيتها لكان
أسلم .
( 4 ) حجّة القراءات للإمام أبي زرعة ص14 ، تحقيق سعيد
الأفغاني ، ط مؤسسة الرسالة . |
|
|
مقرئا
وظيفته مجرد النقل والرواية ، وكذلك كل من وقع في
كلامه الجواز يحتمل أن يكون مراده بشرط أن لا يعتقد
قرآنيته والله أعلم " ( 1 ) .
قال السجاوندي : " لا تجوز القراءة بشيء من الشواذ ،
لخروجها عن إجماع المسلمين وعن الوجه الذي ثبت به
القرآن وهو التواتر وإن كان موافقا للعربية وخط المصحف
لأنه جاهل من طريق الآحاد وإن كان نقلته ثقات فتلك
الطريق لا يثبت بـها القرآن ومنها ما نقله من لا يعتمد
على نقله ولا يوثق بخبره فهذا مردود ولا تجوز القراءة
به ولا يقبل وإن وافق العربية وخط المصحف ولقد نبغ قوم
يطالعون كتب الشواذ ويقرؤون بـها فيها ، وربما صحفوا
ذلك فيزداد الأمر ظلمة " ( 2 ) .
قال الزرقاني : " ما صحّ نقله عن الآحاد وصحّ وجهه في
العربية وخالف لفظه خط المصحف فهذا يقبل ولا يقرأ به
".
وعلّق بالهامش :" ومعنى هذا أنه يقبل على اعتبار أنه
خبر شرعي يصح الاحتجاج به عند من يرى ذلك وهم الحنفية
دون الشافعية ، ولا يقرأ به على أنه قرآن ، ولا ليوهم
القارئ أحداً أنه قرآن . قال النويري : اعلم أن الذي
استقرّت عليه المذاهب وآراء العلماء أن من قرأ بـها–أي
الشواذ- غير معتقد أنـها قرآن ولا موهم أحداً ذلك ، بل
لما فيها من الأحكام الشرعية عند من يحتجُّ بـها أو
الأحكام الأدبية ، فلا كلام في جواز قراءتـها . وعلى
هذا يحمل حال من قرأ بـها من المتقدمين . وكذلك أيضاً
يجوز تدوينها في الكتب والتكلم على ما فيها . وإن
قرأها باعتقاد قرآنيتها أو لإيهام قرآنيتها حرم ذلك .
ونقل ابن عبد البر في تمهيده إجماع المسلمين عليه .اه
" ( 3 ) .
قال في شرح طيبة ابن الجزري :" إذا أردت معرفة القراءة
التي يحكم بقرآنيتها ، وتمييزها من القراءة الشاذة
التي لا يحكم بقرآنيتها هي القراءة الصحيحة التي
استوفت شروطا ثلاثة… وقد ذكر الناظم في هذه الأبيات
قاعدة هامة أبان فيها أركان القراءة الثلاثة التي إذا
تحققت في الكلام حكم بكونه
| |
( 1 ) مقدمة البحر المحيط ج1ص79 نقلا عن علوم القرآن
عند المفسرين ج2ص69.
( 2 ) ن.م .
( 3 ) مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني ج1 ص
417-418 ، ط الحلبي الثالثة . |
|
|
قرآناً
وإذا فقدت كلها أو بعضها في الكلام حكم بشذوذه وأنه
ليس بقرآن ، حتى لو ثبت عن القراء السبعة " ( 1 ) .
وقال:" وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانـها وتقديمها
وتأخيرها حتى ولو كانت حرفاً واحدا من حروف المعاني
فإن حكمه في حكم الكلمة لا يسوغ مخالفة الرسم فيه .
وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته "
( 2 ) .
قال في أصول الفـقه : " ومن جزء ماهيته – أي القرآن-
التواتر ، فالقراءات الشاذة التي لم يثبتها قراّء
الأمصار لا تسمى قرآناً ولا تصح بـها الصلاة " ( 3 ) .
قال في لغة القرآن الكريم :" فإن القراءة التي يصح أن
توصف بأنـها من القرآن المنـزل لا بد وأن تكون منقولة
بطريق التواتر غير خارجة عما يحتمله خط المصحف ولو
تقديراً ، وهي عندما تكون متواترة لابد وأن يكون خط
المصحف محتملاً لـها ودالاً عليها ، لأنه إن كان لا
يدل عليها ، أو ينافيها كان وجوده عبثاً لا فائدة منه
، بل عدم وجوده أولى منه إذا كان يتنافى مع حقيقة
القرآن المنـزل ، والأمر بمثل هذا يتنـزه عنه الله
ورسوله " ( 4 ) .
\" وقد نصّ على إجماع الأصوليين والفقهاء وغيرهم على أن
الشاذ ليس بقرآن لعدم صدق الحد عليه " ( 5 ) .
" أما هجرهم لمثل تلك القراءات وعدم عناية المسلمين
بـها فإنه دليل على عدم قرآنيتها وهذا ما أجمع عليه
المسلمون دون خلاف بينهم " ( 6 ) .
قالا في معجم القراءات القرآنية : " وترى الكثرة من
العلماء عدم جواز القراءة بالشاذ في الصلاة ، لأن هذه
القراءات لم يثبت تواتره عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم . وان ثبت بالنقل فإنـها منسوخة بالعرضة الأخيرة
، أو بإجماع الصحابة على المصحف العثماني ، أو أنـها
لم تنقل إلينا
| |
( 1 ) الكوكب الدري في شرح طيبة ابن الجزري ص18 لمفتش
الأزهر محمد الصادق قمحاوي ، ط الأولى .
( 2 ) ن.م ص22 نقلا عن النشر لابن الجزري .
( 3 ) أصول الفقة ص209 للشيخ الخضري بك ، ط دار إحياء
التراث العربي .
( 4 ) لغة القرآن الكريم د. عبد الجليل عبد الرحيم
ص119-120 ط مكتبة الرسالة الحديثة .
( 5 ) ن.م ص126 .
( 6 ) ن.م ص157 . |
|
|
نقلاً
يثبت بمثله القرآن ، أو أنـها لم تكن من الأحرف السبعة
" ( 1 ) ، وما ليس من الأحرف السبعة ليس من القرآن
قطعا .
قال في موسوعة الإجماع : " أجمع المسلمون على أنه لا
يكتب في المصحف بخط القرآن غير القرآن وعليه فانـهم
مجمعون على أن الزيادة في الآية : ( وحافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر ) ( 2 ) لا يحل
لأحد أن يقرأ بـها ولا أن يكتبها في مصحفه . – ثم ينقل
كلام ابن الجزري بتصرف – " ( 3 ) .
قال في أثر الاختلاف في القواعد الأصولية :" قال
الإمام النووي في شرح مسلم عند ذكره حديث عائشة في
الصلاة الوسطى قال : واستدل به بعض أصحابنا على أن
الوسطى ليست العصر ، لأن العطف يقتضي المغايرة ، لكن
مذهبنا أن القراء الشاذة لا يحتج بـها ، ولا يكون لها
حكم الخبر عن الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم ، لأن
ناقلها لم ينقلها إلاّ على أنـها قرآن ، والقرآن لا
يثبت إلا بالتواتر والإجماع ، وإذا لم يثبت قرآناً لم
يثبت خبراً .اه " ( 4 ) .
قال في أصول الفقه الإسلامي : " اختلف العلماء في
المنقول إلينا آحاداً كمصحف ابن مسعود وغيره ، هل هو
قرآن أو لا ؟ فالقراءة الشاذة : هي التي لم يثبتها
قراء الأمصار لعدم تواترها ، وهي التي صح سندها ،
ولكنها لم تحتمل رسم المصحف مع موافقتها للوجه
الإعرابي والمعنى العربي ، مثل قراءة ابن مسعود في
كفارة اليمين : ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام
متتابعات ) فزيادة متتابعات لم تتواتر فليست من القرآن
. ومثل ما ورد في قراءة بعضهم في نفقة الوالدات : (
وعلى الوارث ذي الرحم المحرم مثل ذلك ) فزيادة ذي
الرحم المحرّم لم تتواتر . ثم ذكر الدكتور وهبة الزحيلي في مبحث حكم القراءة الشاذة ما نصّه: ما نقل
آحاداً ليس بقرآن قطعاً " ( 5 ) .
| |
( 1 ) معجم القراءات القرآنية ج1ص113 د.أحمد مختار عمر
، د.عبد العال سالم مكرم ط جامعة الكويت ، أقول : لاحظ
أن الاحتمالات الثلاثة الأولى تفتح باب الشك والترديد
على سلامة القرآن من النقص خاصة مع فقدان الدليل على
هذه الدعاوى .
( 2 ) كانت تصر كل من عائشة وحفصة على أن هذه الزيادة
من القرآن وأمرتا بأن تكتبا في مصحفيهما !
( 3 ) موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي ج2 ص 872-873
ط الدار العربية ، د. سعدي أبو حبيب .
( 4 ) أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص389 . د.
مصطفى الخنّ .
( 5 ) أصول الفقه الإسلامي ج1ص425-426 للدكتور وهبة الزحيلي ، ط الأولى ، دار الفكر . |
|
|
قالا في مقدمة كتاب البحر المحيط : " أجمع الأصوليون
والفقهاء وأكثر القراء وكل من قال بالتواتر ، على أن
الشاذ ليس بمتواتر بل نقل آحاد سواء كان بثقة عن ثقة
أم لا ، حصل مع الثقة شهرة واستفاض أم لا ؟ وعلى قول
مكي ومن وافقه : هو ما خالف الرسم أو العربية ونقل ولو
بثقة عن ثقة أو وافقهما ونقل بغير ثقة أو بثقة لكن لم
يشتهر .
وأما قرآنية الشاذ ، فأجمع الأصوليون أيضا
والفقهاء وغيرهم على أن مطلق الشاذ يقطع بكونه ليس
بقرآن ( 1 ) ، فكل ما صدق عليه عند قوم أنه شاذ فهو
عندهم ليس بقرآن ، وإن كان قرآنا عند غيرهم كصحيح
السند المشتهر إذا لم يتواتر ليس هو قرآنا عند الجمهور
وإن صدق عليه أنه عند مكي وأتباعه ( 2 ) ، والضابط
حينئذ ما صدق عليه أنه شاذ وذلك لعدم صدق حد القرآن
عليه وهو التواتر ، وصرح بذلك الغزالي وابن الحاجب في
كتابيه والقاضي عضد الدين وابن الساعاتي والنووي
وغيرهم ممن لا فائدة في عده لكثرته " ( 3 ) .
وقال أبو إسحاق الحويني أحد وهابية مصر في محاضرة له :
" وقرأ ابن مسعود ( ومنكم جائر ) ( 4 ) لكن هذه قراءة
شاذة لا يقرأ بـها ، وليست قرآنـًا ، لأن القرآن يشترط
فيه أن يكون موافقا لرسم المصحف ، وأن يكون متواترًا ،
وأن يوافق وجها من وجوه العربية ، وإنما هذه القراءة
شاذة . العلماء يستخدمون القراءات الشاذة في بيان
معاني القرآن ، وإن كنا لا نقرأ بـها ولا يَـحِل أن
تسمى قرآنا " ( 5 ) .
وهناك من علماء السنة من قام بتكفير من عد هذه
القراءات الشاذة من القرآن حتى ولو اتبع في ذلك
الصحابة ! ، قال ابن حزم الأندلسي في الإحكام :
" ومن العجب أن جمهرة من المعارضين لنا وهم المالكيون
قد صح عن صاحبهم ما ناه المهلب بن أبي صفرة الأسدي
التميمي قال ابن مناس نا ابن مسرور نا يحيى نا يونس بن
عبد الأعلى نا ابن وهب حدثني ابن أنس قال أقرأ عبد
الله بن مسعود رجلا {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ
طَعَامُ
| |
( 1 ) لاحظ إن الغالب على كلماتـهم هو النفي القاطع
لقرآنية الشاذ المخالف لرسم المصحف ، ولكن قد يفهم من
كلام البعض كابن قدامة أن الشاذ قد يكون قرآنا ولكنه
لم يثبت ، وقد بينا ما يلزم من هذا القول ، وعلى أي
حال فمن الإنصاف ألا نلزمهم برأي شاذ نادر وحتى لا
نكون كالوهابية .
( 2 ) ولكن مكي وأتباعه جزموا بأن ما خالف الرسم
العثماني هو الشاذ الذي يقطع بعدم قرآنيته .
( 3 ) مقدمة البحر المحيط ج1ص79 نقلا عن
علوم القرآن
عند المفسرين ج2ص65.
( 4 ) والآية في القرآن هكذا {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ
السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ
لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}(النحل/9).
( 5 ) قالها في شريط له باسم ( المبتدع الأحمق ) ، وهو
متوفر في الأسواق . |
|
|
الأَثِيمِ}(الدخان/43-44). فجعل الرجل يقول ( طعام
اليتيم ) فقال له ابن مسعود ( طعام الفاجر ) ، قال ابن
وهب : قلت لمالك أترى أن يقرأ كذلك ؟ قال : نعم ، أرى
ذلك واسعا . فقيل لمالك : أفترى أن يقرأ بمثل ما قرأ
عمر بن الخطاب ( فامضوا إلى ذكر الله ) ؟ قال مالك :
ذلك جائز ، قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم :
أنزل القرآن على سبعة أحرف فاقرؤوا منه ما تيسر مثل
تعلمون يعلمون ، قال مالك : لا أرى في اختلافهم في مثل
هذا بأسا ولقد كان الناس ولهم مصاحف والستة الذين أوصى
لهم عمر بن الخطاب كانت لهم مصاحف .
قال أبو محمد- ابن حزم - : فكيف يقولون مثل هذا ؟!
أيجيزون القراءة هكذا ؟! فلعمري لقد هلكوا وأهلكوا
وأطلقوا كل بائقة في القرآن أو يمنعون من هذا فيخالفون
صاحبهم في أعظم الأشياء وهذا إسناد عنه في غاية الصحة
، وهو مـما أخطأ فيه مالك مما لم يتدبره لكن قاصدا إلى
الخير ، ولو أن أمرا ثبت على هذا وجازه بعد التنبيه له
على ما فيه وقيام حجة الله تعالى عليه في ورود القرآن
بخلاف هذا لكان كافرا ونعوذ بالله من الضلال " ( 1 ) .
واضح أن ملاك ابن حزم في التكفير منطبق على الإمام
مالك بن أنس ولكنه اعتذر له بأنه كان غافلا عن مقتضى
الكلام !! ، وواضح أن الإمام مالك قد استند إلى حديث
الأحرف السبعة ، فلا يحتمل أن يكون غافلا !
وابن حزم قد كفّر علماء السنة إجمالا في مبحث الأحرف
السبعة لأنـهم قالوا بجواز القراءة بالمعنى بمقتضى
حديث الأحرف السبعة ، وكفر إمام الحنفية أبا حنيفة
لأنه قال بأن ترجمة القرآن بالفارسية هي أيضا قرآن ،
وسيأتي الكلام عنه بإذنه تعالى .
| |
( 1 ) الإحكام لابن حزم ج4ص559-560. |
|
|
|