إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 324

القسم الثاني : حجية الاستدلال الفقهي بالقراءات الشاذة .


نذكر هنا كلمات علمائهم في بطلان الاستدلال بالقراءات الشاذة في الفقه لعدم قرآنيتها في نظرهم ، وأن من جوّز ذلك فإنما يجوّزه باعتبارها خبرا أو تفسيرا جاء عن صاحب القراءة لا أنـها من قرآن .

البحر الـمحيط للزركشي : " اعلم ، أن الآمدي نسب القول بأنـها ليست بحجة إلى الشافعي . وكذا ادعى الأَبْياري في شرح البرهان أنه المشهور من مذهب مالك والشافعي وتبعه ابن الحاجب وكذلك النووي ، فقال في شرح مسلم مذهبنا : أن القراءة الشاذة لا يحتج بـها ، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنـها قرآن ، والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر و إذا لم يثبت قرآناً لم يثبت خبراً ، والموقع لهم في ذلك دعوى إمام الحرمين في البرهان : أن ذلك ظاهر مذهب الشافعي ، وتبعه أبو نصر بن القُشَيْري ، والغزالي في المنخول ، وإلْكيا الطبري في التلويح ، وابن السَّمْعاني في القواطع وغيرهم " ( 1 ) .

" وقال الرُّوْياني في البحر في كتاب الصلاة أنـها تجري مجرى الخبر عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أو الأثر عن الصحابة ، نعم الشرط عند الشافعي في ذلك أن لا يخالف رسم المصحف ( 2 ) ، ولا يوجد غيرها مما هو أقوى منها ، ولذلك لم يحتج بقراءة ابن عباس ( وعلى الذين يُطَوَّقُونه فدية ) مع أن مذهبه وجوب الفدية كما نص عليه في المختصر ؟ قال شارحوه : إنما عدل الشافعي عن الاستدلال بـهذه القراءة ، لأنـها تشذ عن الجماعة ، وتخالف رسم المصحف " ( 3 ) .

الـجوهر النقـي للإمام المارديني : " قال البيهقي : … عن أبي يونس مولى عائشة قال أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا فقالت إذا بلغت هذه الآية فآذني {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ }(البقرة/238). فلما بلغتها آذنتها فأملت عليّ ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى غير العصر )

  ( 1 ) البحر المحيط للزركشي ج1ص475 .
( 2 ) لاحظ إن الشافعي حكم بأن ما يخالف رسم المصحف ليس من القرآن فضلا عن كونه من القراءات الشاذة وهو كذلك قول إمام المالكية كما مر سابقا .
( 3 ) البحر المحيط ج1ص477 .
 
 

- ص 325 -

قلت : هذه قراءة شاذة ، والشافعي ومالك لا يجعلون القراءة الشاذة قرآناً ولا خبراً ويسقطان الاحتجاج بـها " ( 1 ).

"باب الشيخ الكبير يفطر ويفتدي ، ذكر فيه : عن ابن عباس وعائشة أنـهما قرءا ( وعلى الذين يطوّقونه ) قلت : مذهب الشافعية أن القراءة الشاذة لا يحتج بـها وليست بقرآن ولا خبر " ( 2 ) .

مفتاح الوصول للمالكي التلمساني : " ومن ذلك استدلال الحنفية : على أن التكفير بصيام ثلاثة أيام من شرطها أن تكون متتابعة ، فإن فرّقها لم تجْزه ، لقراءة ابن مسعود ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) . فيقول أصحابنا – المالكية- : هذه الزيادة ليست من القرآن ، فإنـها غير متواترة و من شرط القرآن أن يكون متواتراً . وكذلك احتجت الحنفية ، على أن الفَـيْـئة في الإيلاء إنما محلّها الأربعة أشهر لا بعدها ، بقراءة أبي ابن كعب ( فإن فاؤوا فيهن فإن الله غفور رحيم ) وأصحابنا يقولون : إنما الفيئة بعد تمام الأربعة الأشهر ، ويعترض على الحنفية بأن تلك الزيادة التي في قراءة أبي بن كعب ليست من القرآن لأنـها لم تتواتر ، ومن شرط القرآن أن يكون متواتراً .

والجواب عندهم : أن هذه الزيادة إما أن تكون قرآناً أو خبراً . لأنه إن لم تكن واجدا منهما حرم على القارئ أن يقرأها ، لما في ذلك من التلبيس ، وإن كانت إما قرآنا وإما خبراً وجب العمل به ، والتواتر ليس بشرط في وجوب العمل ، بل في التلاوة ، كما تقدم " ( 3 ) .

المنخول لأبي حامد الغزالي : " القراءة الشاذة المتضمنة لزيادة في القرآن مردودة كقراءة ابن مسعود في آية كفارة اليمين فصيام ( ثلاثة أيام متتابعات ) فلا يشترط التتابع ، خلافا لأبي حنيفة (رض) فإنه قبله وهو يناقض أصله من حيث أنه زيادة على النص وهو نسخ بزعمه كما قاله في كفارة الظهار ومعتمدنا شيئان أحدهما أن الشيء إنما يثبت من القرآن إما لإعجازه وإما لكونه متواترا ولا إعجاز ولا تواتر ومناط الشريعة وعمدتـها تواتر القرآن ولولاه لما استقرت النبوة وما يبتني على الاستفاضة لتوفر الدواعي على نقله كيف يقبل فيه رواية شاذة ، فإن قيل لعله كان من القرآن فاندرس قلنا الدواعي كما توفرت على نقله ابتداء فقد توفر على حفظه دواما ولو جاز تخيل مثله لجاز لطاعن

  ( 1 ) الجوهر النقي للإمام علاء الدين المارديني ج1 ص 463-464 ، ط دار الفكر .
( 2 ) المصدر ج4 ص 271 .
( 3 ) مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول لأبي عبد الله لمالكي التلمساني ص5-6 حققه الأستاذ عبد الوهّاب عبد اللطيف .
 
 

- ص 326 -

في الدين أن يقول لعل القرآن قد عورض فاندرست المعارضة وجوابنا عنه أنه لو كانت لانتشرت وتوفرت ولتوفرت الدواعي والجبلات على نقلها مع تشوف الطاعنين في الدين إلى إبطاله " ( 1 ) .

قال في اختلاف الفقهاء : " القراءة الشاذة : اتفق العلماء على الأخذ بالقراءة المتواترة لكنهم اختلفوا فيما نقل بطريق أحادي كمصحف ابن مسعود فنفاه الشافعي وأثبته أبو حنيفة وبنى عليه وجوب التتابع في الصيام كفارة عن اليمين مستدلاً بما نقله ابن مسعود في مصحفه : ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) ، ووجه الاستدلال عند الحنفية هو أنه ولو كانت هذه القراءة غير متواترة وحتى لو لم تثبت أنـها قرآن فلا أقل من أن تكون سنة نبوية ويجب العمل به " ( 2 ).

" رأي الشافعي لا يجب العمل بـها : قال الشافعية أن النبي صلوات الله وسلامه عليه كان مكلفاً بتبليغ ما ينـزل عليه من القرآن وإلقائه على طائفة معينة تقوم الحجة القاطعة بقولهم . ومن تقوم الحجة القاطعة بقولهم لا يتصور منهم التوافق على عدم نقل ما سمعوه منه ، ومن ثم يكون ما يروى عن الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم- قرآنا لا بد أن يكون متواتراً .

فالراوي إذا كان واحداً وذكر ما رواه على أنه قرآن فـهـو خـطـأ ، وإن لم يذكره على أنه قرآن فقد تردد بين أن يكون خبر عن الرسول عليه السلام ، وبين أن يكون حجة فلا يكون حجة وهذا خلاف خبر الواحد عن الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم – ولذلك فما روي عن ابن مسعود في صدد الصيام لا يدل على وجوب التتابع في صوم كفارة اليمين " ( 3 ) .

مذكرة في أصول الفقة للشنقيطي : " قال المؤلف رحمه الله تعالى : فأما ما نقل نقلاً غير متواتر كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) فقد قال قوم ليس بحجة ، لأنه خطأ قطعاً إلى آخره .

خلاصة ما ذكره في هذا الفصل ، أن ما نقل آحادا كقراءة ( متتابعات ) المذكورة لا يكون قرآناً وهذا لا خلاف فيه ، وهل يجوز الاحتجاج به مع الجزم بأنه ليس قرآناً ؟ قال جمع من أهل الأصول : لا يجوز الاحتجاج به لأنه رواه على أنه قرآن ، فلما بطل كونه قرآناً بطل الإحتجاج به من أصله . وقال قوم : يجوز الاحتجاج به كأخبار الآحاد ، لأنه لا يخرج عن كونه مسموعاً من النبي

  ( 1 ) المنخول للإمام الغزالي ج1ص281-282.
( 2 ) اختلاف الفقهاء ص26 د.أحمد محمد المصري .
( 3 ) ن.م ص27 .  
 

- ص 327 -

صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومروياً عنه ، وهذا هو اختيار المؤلف ، وعليه فلا مانع من أخذ لزوم التتابع في صوم كفارة اليمين من قراءة ابن مسعود متتابعات وإن جزمنا أنـها ليست من القرآن " ( 1 ) .

أصول الفقه الإسلامي :" فقال الحنفية والحنابلة : إن القراءة الشاذة يصح الاحتجاج بـها على أنـها حجة ظنية ( 2 )  ، إذ لابد من أن تكون مسموعة من النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، وكل مسموع عنه صلى الله عليه (وآله) وسلم حجة ، ودليل السماع أن الناقل عدل ، وعدالته تمنعه من الاختراع وإلا لما ساغ له كتابته وإثباته في مصحفه . وإذا ثبت أنه مسموع من النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فيكون سنة ، والسنة يجب العمل بـها ( 3 ) .

وقال المالكية والشافعية : إن القراءة الشاذة ليست بحجة ، ودليلهم أنـها ليست بقرآن ، إذ لم تتواتر ، بل وليست سنة ، لأنـها نقلت على أنـها قرآن و لم تنقل على أنـها سنة ، فلا يحتج بـها . وقد ردّ الغزالى على مذهب الحنفية فقال : لا يعد ذلك خبر آحاد : لأن خبر الواحد لا دليل على كذبه ، وأما جعله من القرآن فهو خـطـأ قـطـعًـا ، لأنه وجب على الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم أن يبلغه طائفة من الأمة تقوم الحجة بقولهم ، وكان لا يجوز له مناجاة الواحد به … وقال صاحب مسلم الثبوت والشوكاني في إرشاد الفحول : ما نقل آحاداً ليس بقرآن قطعاً ، لأن القرآن مما تتوافر الدواعي على نقله لكونه كلام الرب سبحانه ، وكونه مشتملاً على الأحكام الشرعية وكونه معجزاً وما كان كذلك فلا بد أن يتواتر ، فما لم يتواتر فليس بقرآن " ( 4 ) .

أصول الفقـه : " أما اعتبار القراءة الشاذة حجة في الاستنباط ، فقد اختلف فيه ، فقال الغزالي : لا يصح الاحتجاج بـها لأنـها ليست من القرآن ، فمثل قراءة ابن مسعود في كفارة اليمين … وقال الحنفية : يحتج بالقراءة الشاذة فيجب التتابع ، لأنه وإن لم يثبت كونه قرآناً فلا أقل من كونه خبراً ، والعمل يجب بخبر الواحد ، قال الغزالي : وهذا ضعيف لأن خبر الواحد لا دليل على كذبه ، وهو إن جعله من القرآن فهو خطأ قطعاً ….الخ " ( 5 ) .

  ( 1 ) مذكرة أصول الفقة للشنقيطي ص67-68 ط مكتبة ابن تيمية -الأولى-.
( 2 ) لعدم التواتر ، وعدم التواتر يعني عدم قرآنيتها كما اتضح .
( 3 ) واضح إن أخذ الحنفية والحنابلة بالقراءات الشاذة لا لأنـها من القرآن بل لكونـها من السنة ، وعليه فلا يوجد مذهب يرى أن تلك الزيادات من القرآن الكريم .
( 4 ) أصول الفقه الإسلامي ج1 ص426-437 د. وهبة الزحيلي ط دار الفكر .
( 5 ) أصول الفقه للشيخ الخضري بك ص 259 ط دار إحياء التراث العربي .
 
 

- ص 328 -

* زبدة المخض
نتوصل مما نقل من أقول علمائهم إلى أن القراءة الشاذة ليست من القرآن لعدم تواترها عنه صلى الله عليه وآله وسلم ، بل إن محل الكلام وهي القراءة المخالفة لرسم المصحف ليست من القراءات الشاذة أصلا ، فهي في نظرهم خارجة عن دائرة القرآن تماما كما أكد على هذا إمام المالكية وإمام الشافعية وأتباعهما وبعض من ذكرنا من علمائهم ، ولو حصل واستُدل بـها في الفقه فلا لكونـها من القرآن بل لكونـها رواية .

والبعض يلمح إلى أن عدم التواتر لا يفيد القطع بانتفاء قرآنية الشاذ بل لعله من القرآن ولم يكتب في المصحف ، وهذا الرأي كما ترى يناقض قولهم أن القرآن نقل متواترا وما ليس بمتواتر فليس من القرآن ، وعلى أقل تقدير فصاحب هذا الرأي يشك في أن المصحف قد شمل كل آيات القرآن لاحتمال أن بعض القرآن قد سقط من المصحف بعدم كتابة القراءات الشاذة ، فهو لا يقتطع بحفظ القرآن من التحريف .

* التحريف في القراءات الشاذة إما للصحابة وإما لعلماء أهل السنة :

المقدمة الحسية المسلّم بـها والآتي بيانـها إن شاء الله ، هي أن ( بعض الصحابة كانوا يدعون قرآنية قراءتهم الشاذة ) ، والمقدمة الثانية التي أثبتناها قبل قليل هي ( إن علماء أهل السنة يرون من يدعي قرآنية القراءة الشاذة قد أدخل في القرآن ما ليس منه ) ، فنستنتج أن ( علماء أهل السنة يرون بعض الصحابة قد أدخلوا في القرآن ما ليس منه ) ، فيثبت تحريف القرآن بالزيادة لبعض الصحابة .

أو نقول إن كلام علماء أهل السنة باطل وأن ما قرأ به الصحابة كان من القرآن ، فيصبح هؤلاء العلماء منكرين لقرآنية ما هو من القرآن ، وواضح أن اعتقاد علماء أهل السنة بعدم قرآنية ما هو من القرآن تحريف صريح بإخراج بعض القرآن منه .

وإما أن نقول إن أمر هذه الشواذ مبهم فلا نعلم أهي من القرآن أم لا ، فهذا يعني أن علماء أهل السنة في شك من سلامة القرآن من التحريف لأنـهم لا يعلمون أن المصحف قد سقط منه قرآن أم لا ، لاحتمال كون الشواذ قرآنا ! ، وبالنتيجة فهم يشكون في أن عثمان والصحابة تلاعبوا بكتاب

-  ص 329 -

الله عز وجل وأسقطوا بعض القرآن أم لا ( 1 ) ، ويلزم منه عدم إمكانية أخذ أي حكم من القرآن بعد احتمال سقوط آيات من المصحف لا نعلمها ، وهذا كما ترى رأي ساقط لا يقبله جمهور أهل السنة كما مرت كلماتـهم ، وإلتزاما منا لم نـهمل ذكر هذا الوجه لأنه قد يفهم من عبارات بعض علمائهم .

وخلاصة القول : إن الشاذ المخالف لرسم المصحف إما هو من القرآن فيثبت التحريف للنافين وهم علماء أهل السنة ، وإما أنـه ليس من القرآن فثبت التحريف للمثبتين وهم سلفهم الصالح ، وإما أن يشكوا في أمرها فيتطرق الشك حينها إلى سلامة القرآن من التحريف .

  ( 1 ) وهذا الاحتمال بتلاعب عثمان بالمصحف إنما يتصور في القراءات الشاذة التي كانت بين الصحابة قبل جمع المصحف زمن عثمان ، وهناك موارد كثيرة جدا كما سيأتي الإشارة لها بإذنه تعالى هي من الشواذ بمخالفة رسم المصحف وقد قرأ بـها الصحابة والتابعون إلى ما بعد زمن جمع عثمان بوقت كثير ، لذلك لم نذكر احتمال أن تلك الشواذ من الأحرف السبعة المزعومة لأن هذا الاحتمال لا يصدر إلا عن جهل بواقع الروايات وعصر صدورها ، خاصة وأن بعض الموارد الآتية بإذنه تعالى لا تقبل الدخول تحت دائرة الأحرف السبعة لما فيها من حذف لمفردات الآية ، أو الزيادة فيها ، أو الاجتهاد في مفرداتـها ، أو الإنكار لبعض كلمات القرآن وإحلال كلمات محلها من قبل الصحابي أو التابعي ، والكثير من هذا النوع .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب