|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص
336 |
|
الوهابية من جديد !
قال أحد الوهابية ( عثمان
الخميس ) في شريط (الشيعة وتحريف
القرآن) :
" أما الشيعة فالقرآن عندهم رواه عن النبي صلى الله
عليه (وآله) وسلم علي رضي الله عنه ، وعن علي ابنه
الحسن وابنه الحسين رضي الله عنهم أجمعين ، وهكذا إلى
المهدي –عليهم الصلاة والسلام- ، فأين التواتر ؟! إن
التواتر هو رواية جمع عن جمع تحيل العادة تواطئهم على
الكذب ، وقد ذكر أهل العلم أن أقل طبقة من طبقات
التواتر يكون فيها عشرة ، فهل يستطيع الشيعة أن يثبتوا
هذا ؟ وهذا التواتر إنما ينقله أهل السنة في كتبهم
ويثبتونه ، فإن كان أهل السنة ثقات في نقلهم وجب قبول
قولهم في غيره ، وإن كانوا غير ثقات وجب رد روايتهم
للقرآن ، وليبحث الشيعة بعد ذلك لهم عن قرآن آخر ودين
آخر " ( 1 ) .
هذا ما قاله الوهابي ، ولا موضع فيه سَلِمَ من العوار
والخدش ، ولنذكر هنا بعض الملاحظات :
| |
( 1 ) نـهاية الوجه الأول من شريط (الشيعة والقرآن). |
|
|
1-
يقول إن الشيعة تعتقد أن الصحابة خرجوا عن الملة
بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بضع نفر !
واعتمد في دعواه على بضع روايات في رجال الكشي رضوان
الله تعالى عليه .
وأقول :
أولا : وهذه الروايات لم تسلم من النقاش من قبل مراجع
الشيعة ومحققيهم رضوان الله تعالى عليهم ( 1 ) ، فكيف يقال
إن الشيعة يرون كفر الصحابة إلا بضع نفر !
ثانيا : سلمنا ، ولكن من قال إن الارتداد المعني في
الروايات هو بمعنى الارتداد الذي يرادف الكفر والمروق
عن الإسلام الذي تستباح به الدماء ؟!
قال السيد الگلپايگاني رضوان الله تعالى عليه : " إن
قلت : فما تصنع بما قاله الإمام أبو جعفر عليه السلام
: ارتد الناس بعد رسول الله إلا ثلاثة نفر سلمان وأبو
ذر والمقداد ؟ ، نقول : إن هذا الارتداد ليس هو
الارتداد المصطلح الموجب للكفر والنجاسة والقتل ، بل
الارتداد هنا هو نكث عهد الولاية ، ونوع رجوع عن ممشى
الرسول الأعظم ، وعدم رعاية وصاياه ، ولو كان المراد
منه
| |
( 1 ) ناقش الشيخ السبحاني حفظه الله في كتابه
القيم
بحوث في الملل والنحل هذه الروايات وجزم ببطلان التمسك بـها وأشكل عليها بعدة وجوه : ( ومع ذلك كلّه فإن هذه
الروايات لا يحتج بها أبداً لجهات عديدة نشير إلى بعض
منها :
1- كيف يمكن أن يقال إنّه ارتد الناس بعد رسول الله
ولم يبق إلاّ ثلاثة تمسّكوا بولاية علي ولم يعدلوا
عنها مع أنّ ابن قتيبة والطبري رويا أنّ جماعة من بني
هاشم وغيرهم تحصّنوا في بيت علي معترضين على ما آل
إليه أمر السقيفة ، ولم يتركوا بيت الإمام إلا بعد
التهديد و الوعيد وإضرام النار أمام البيت ، وهذا يدل
على أنه كان هناك جماعة مخلصين بقوا أوفياء لما
تعهّدوا به في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وإليك نص التاريخ …) ، ثم نقل سددّه الله
نص ابن قتيبة
ونص الطبري ثم تابع قائلا : ( كل ذلك يشهد على أنه كان
هناك أُمة بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول
الأعظم ، ولم يغترّوا بانثيال الأكثرية إلى غير من كان
الحق يدور مداره ، وكيف يمكن ادّعاء الردّة لعامة
الصحابة إلاّ القليل؟!!
2- كيف يمكن أن يقال ارتدّ الناس إلا ثلاثة مع أن
الصدوق رضي الله عنه ذكر عدة من المنكرين للخلافة في
أوائل الأمر وقد بلغ عددهم اثنا عشر رجلاً من
المهاجرين والأنصار وهم : خالد بن سعيد بن العاص ،
والمقداد بن الأسود ، وأبي بن كعب ، وعمّار بن ياسر ،
وأبو ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، وعبد الله بن
مسعود ، وبريدة الأسلمي ، وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين
، و أبو أيّوب الأنصاري ، وأبو هيثم ابن التيهان
وغيرهم ، ثم ذكر اعتراضاتـهم على مسألة الخلافة واحداً
بعد واحد .
3- إن وجود الاضطراب و الاختلاف في عدد من استثناهم
الامام يورث الشك في صحّتها ففي بعضها ….
4- كيف يمكن إنكار إيمان أعلام من الصحابة مع اتفاق
كلمة الشيعة والسنة على علو شأنـهم كأمثال بلال الحبشي
وحجر بن عدي وأويس القرني ومالك بن النويرة المقتول
ظلماً على يد خالد بن الوليد ، وعباس بن عبد المطلب
وابنه حبر الأمة وعشرات من أمثالهم … ) ، راجع إن أردت
الزيادة . |
|
|
هو الارتداد الاصطلاحي لكان الإمام عليه السلام –
بعد أن تقلد القدرة وتسلط على الأمور – يضع فيهم السيف
ويبددهم ويقتلهم من أولهم إلى آخرهم خصوصا بلحاظ أن
توبة المرتد الفطري لا تمنع قتله ولا ترفعه بل يقتل
وإن تاب " ( 1 ) .
وقال الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله :" وأقصى ما يمكن
أن يقال في حقّ هذه الروايات هو أنه ليس المراد من
الارتداد ، الكفر والضلال والرجوع إلى الجاهلية وإنّما
المراد عدم الوفاء بالعهد الذي أخذ منهم في غير واحد
من المواقف وأهمّها غدير خم . ويؤيد ذلك – إلى أن قال-
وظني أن هذه الروايات صدرت من الغلاة والحشوية دعماً
لأمر الولاية وتفانياً في الإخلاص غافلين عن أنّها
تضاد القرآن الكريم وما روي عن أمير المؤمنين وحفيده
سيد الساجدين من الثناء والمدح لعدّة من الصحابة "
( 2 ) .
| |
( 1 ) نتائج الأفكار ج1ص196.
( 2 ) بحوث في الملل والنحل ج 6 ص 406-411 ، ط قُم
المقدّسة
أقول : إن أول من ذكر قول النبي صلى الله
عليه وآله وسلم في ارتداد جمهور الصحابة من بعده هو
إمام أهل السنة البخاري صاحب الصحيح ، فقد ذكر البخاري
في صحيحه ارتدادهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم وأن أغلبهم سيرد نار جهنم
، وهذه نصوص صحيح
البخاري كما ذكرها السيد شرف الدين رضوان الله تعالى
عليه ( وإليك ما أخرجه البخاري في باب الحوض وهو في
آخر كتاب الرقاق ص 94 من الجزء الرابع من صحيحه
بالإسناد إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم قال : " بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم
خرج رجل من بيني و بينهم ، قال : هلمَّ ، قلت : أين ؟
قال : إلى النار والله ، قلت وما شأنـهم ، قال :
إنّـهم ارتـدّوا بعدك القهقرى . ثم إذا زمرة حتى إذا
عرفتهم خرج رجل من بيني و بينهم ، قال : هلمَّ ، قلت :
أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : و ما شأنـهم ؟
قال : إنّـهم ارتـدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، فلا
أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم " .
قال السندي في
تعليقته على صحيح البخاري : هَمَل النعم بفتح الهاء و
الميم : الإبل بلا راع ، أي لا يخلص منهم من النار إلا
قليل. وأخرج في الباب المذكور عن أسماء بنت أبي بكر ،
قالت : قال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : " إنّي
على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم ، وسيؤخذ ناس
دوني ، فأقول يا رب مني و من أمّـتي ؟ فيقال : هل شعرت
ما عملوا بعدك ؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابـهم
". فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن
نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا .
وأخرج في الباب
المذكور أيضا عن ابن المسيب أنه أنه كان يحدّث عن
أصحاب النبي صلى الله عليه و آله وسلم أنّ النبي قال :
" يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّؤون عنه فأقول :
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " إنّي فرطكم على
الحوض ، من مرّ عليّ شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبداً ،
ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم و يعرفوني ، ثم يحال بيني
وبينهم ".
قال أبو حازم : فسمعني النعمان بن أبي عياش
، فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ فقلت : نعم فقال : أشهد
على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها : " فأقول :
إنـهم مني ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا من بعدك ؟
فأقول : سحقاً سحقاً لمن غيّر بعدي " .
قال القسطلاني في شرح هذه الكلمة من إرشاد الساري ما هذا لفظه : لمن
غير بعدي أي دينه لأنه لا يقول في العصاة بغير الكفر
سحقاً سحقاً بل يشفع لهم و يهتم بأمرهم كما لا يخفى .
وأخرج في الباب المذكور أيضاً عن أبي هريرة أنّه كان
يحدّث أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : "
يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلؤون
-حَلأه :
طرده و منعه عن وروده - على الحوض ، فأقول يا رب
أصحابي ، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ،
إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ".
وأخرج في أبو
الباب المذكور عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : " أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال
منكم ثم ليختلجُنّ دوني -اختلج الشيء : انتزعه - فأقول
: يا رب أصحابي فيقال : إنك لا تدري
=> |
|
|
فأين هذا من المعنى الذي افتراه الوهابي على الشيعة ؟!
، ولو سأل هذا الوهابي علماء الشيعة عن عقيدتـهم في
هذه الروايات لما فضح نفسه وكشف عن جهله ، لذا يجب على
كل طالب سؤال أهل المذهب قبل أن ينسب أي عقيدة لهم لا
أن يعتمد على ما يسمعه من الذين يتصيدون بدهاء ما في
بطون الكتب مما يدل بظاهره خلاف ما يعتقده أصحابـها .
ثالثا : سلمنا ، ولكن الروايات تقول إنـهم رجعوا بعد
وقت العصر ، وعلماؤنا جمعوا أسماء الشيعة من الصحابة
فأوصلوهم إلى ثلاثمائة صحابيا ، قال الشيخ كاشف الغطاء
رضوان الله تعالى عليه :
" ولكن يخطر على بالي إني جمعت ما وجدته في كتب تراجم
الصحابة كالإصابة ، وأسد الغابة والاستيعاب ونظائرها
من الصحابة الشيعة زهاء ثلاثمائة رجل من عظماء النبي
صلى الله عليه وآله وسلم كلهم من شيعة علي عليه السلام
ولعل المتتبع يعثر على أكثر من ذلك " ( 1 ) .
فكيف لا يثبت التواتر عن هؤلاء بعد أن رجعوا إلى
الإسلام ؟! ، هذا إن سلمنا أن الشيعة ترى ارتداد
الصحابة في أول أمرهم كما تزعم الوهابية .
2-
قال إن الشيعة لو اعتمدوا على أحد من الصحابة فإن
لهم طريقا واحدا وهو الإمام علي عليه السلام ثم الحسن
والحسين وعلي بن الحسين إلى بقية الأئمة عليهم السلام
، وهذا طريق آحاد لا يثبت التواتر .
أقول :
| |
=>
ما أحدثوا بعدك " .
قال البخاري : تابعه عاصم بن أبي
وائل و قال حصين عن أبي وائل عن حذيفة عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم . وأخرج أيضاً في باب غزوة
الحديبية ص30 من الجزء الثالث من صحيحه عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء بن عازب ، فقلت له :
طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبايعته
تحت الشجرة ، فقال : يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا
بعده .
وأخرج أيضاً في أول باب قوله تعالى : ( و
اتّـخذ الله إبراهيم خليلا ) من كتاب بدء الخلق ص154
من جزئه الثاني ، عن ابن عبا س عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال – من حديث : " وإن اناساً من أصحابي
يؤخذ بـهم ذات الشمال ، فأقول : أصحابي أصحابي ، فيقال
: إنـهم مازالوا مرتدين على أعقابـهم منذ فارقتهم " .
هذا بعض ما وجدناه في صحيح البخاري ).
راجع أجوبة
مسائل موسى جار الله ص10-13 ، وفي
مجمع الزوائد الهيثمى ج9 ص 7 : ( عن أم سلمة أن عبد الرحمن بن عوف
دخل عليها ، فقال : يا أمه ! قد خفت أن يهلكني مالي !
أنا أكثر قريش مالا . قالت : يا بني ، فانفق فانى سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن من أصحابي من
لا يرانى بعد أن افارقه ، الخ . رواه البزار ورجاله
رجال الصحيح ) وهو في مسند احمد ج6ص317 .
( 1 ) أصل الشيعة وأصولها ص25 ط الأعلمي . |
|
|
هذا الكلام يتضمن جهلين ، جهل كبير بمذهب الشيعة ،
وجهل بأوليات علم الأصول ، لأن التواتر لا يطلب لذاته
بل لكونه وسيلة يراد منها إثبات القطع واليقين ،
وتواتر القرآن يراد منه إثبات القطع بقرآنية كل آياته
، فلو ثبت لنا قطعية كل آياته من طريق آخر فيكون البحث
عن التواتر تحصيلا للحاصل ، لذلك الصحابة الذين سمعوا
القرآن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحتاجون
للتواتر لإثبات قرآنية ما سمعوه لأن إفادة الحس
والسماع لليقين أقوى من التواتر .
وكذلك الشيعة يعتقدون بعصمة أئمة أهل البيت عليهم
السلام من الخطأ والنسيان ، فلو ثبت عندهم بالقطع
واليقين قولا لأحد أئمتهم عليهم السلام بأن كل ما في
المصحف من القرآن ، فلا داعي حينها لإثبات تواتر
القرآن لأن القطع واليقين يحصل عند الشيعة بقول
المعصوم عليه السلام كما يحصل القطع واليقين للصحابة
بسماع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يغنيهم
عن طلب التواتر .
وهذا الجاهل يقول حتى لو أن الشيعة أحرزوا نقل كل أئمة
أهل البيت –عليهم السلام- لآيات القرآن فلا يثبت
التواتر !! ، فنقول : نعم ، ولكن ما الفائدة من
التواتر بعد القطع بقول المعصوم ؟!
ومن عرف أوليات مذهب التشيع يعلم أن قطع الشيعة بنقل
معصوم واحد فقط أقوى من عشرات النقولات المتواترة من
غير المعصوم ، وهذا ليس مختصا بالشيعة بل إن كل عاقل
يقر بأنه لو سمعت أذنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ينقل شيئا وجاء ألف من الناس ونقلوا عكسه لكذبـهم وصدق
ما سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فالأحرى
لمن جهل هكذا أمر عن مذهبنا ألا يخوض فيه أبدا !
3-
قال إن الشيعة لا يمكنهم الاعتماد على التواتر عن
طريق الصحابة لأنـهم كفار في نظرهم .
أقول : هذا يؤكد لي أنه لم يتقن منهج الجامعة أو
المعهد الديني التي تخرج منه ، لأمور :
أولا : إن التواتر لا يندرج تحت علم الإسناد والرجال
حتى ينظر في أحوال الرواة ، وهذا أبسط ما قاله علماء
السنة قبل الشيعة في علم الحديث ( 1 ) .
ولا بأس بنقل أقوال علماء أهل السنة لإثبات هذا المعنى
، وليحفظها هذا الوهابي المبتدئ ويستفيد منها أكثر :
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في نزهة النظر ، وهو
الكتاب المبسط المختصر الذي يدرّسه أهل السنة للصبية
في المساجد قبل المعاهد الدينية والجامعات الإسلامية :
" وإنما أبـهمت شروط التواتر في الأصل ، لأنه على هذه
الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد ، إذ علم الإسناد
يبحث فيه عن صحة الحديث أوضعفه ، ليعمل به أو يترك من
حيث صفات الرجال ، وصيغ الأداء ، والمتواتر لا يبحث عن
رجاله ، بل يجب العمل به من غير بحث " ( 2 ) .
وقال الملا علي القاري : " تقدم أن التواتر ليس من
مباحث علم الإسناد ، وأنه لا يبحث عن رجاله " ( 3
) .
وقال الشيخ طاهر الجزائري : " والمتواتر ليس من مباحث
علم الإسناد ، لأن علم الإسناد علم يبحث فيه عن صحة
الحديث أو ضعفه من حيث صفات رواته وصيغ أدائهم ليعمل
به أو يترك ، والمتواتر صحيح قطعا فيجب الأخذ به من
غير توقف وهو يفيد العلم بطريق اليقين ، والمتواتر
يندر أن يكون له إسناد مخصوص كما يكون أخبار الأحاد
لاستغنائه بالتواتر عن ذلك ، وإذا وجد له إسناد معين
لم يبحث عن أحوال رجاله بخلاف خبر الآحاد فإن فيه
الصحيح وغير الصحيح " ( 4 ) .
| |
( 1 ) ومن الأمور الغريبة حقا أن ردودي على هذا
الوهابي الجاهل ( عثمان الخميس ) – وهو مُشيخ يؤم الناس ويخطب
في المساجد وتنشر له الكتب والأشرطة في الأسواق- تتسم
بميزة خاصة وهي تعليمه دروسا وإرشاده لأقوال علماء أهل
السنة التي كان من المفترض أن يتقنها ويحفظها في
الجامعة أو المعهد الديني !! ، فإن كان أحداث الشيعة
يعلمون مشايخهم دينهم فلا ضير إن سكت عن هرجهم علماء
الشيعة .
( 2 ) النكت على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر
للعسقلاني ص60 ط . دار ابن الجوزي .
( 3 ) شرح شرح نخبة الفكر للقاري ص187 ط.دار الأرقم .
( 4 ) توجيه النظر ص209 نقلا عن الحديث النبوي لمحمد
الصباغ ص245 ط . المكتب الإسلامي . |
|
|
وقال صبحي الصالح : " والمحدثون لا يذكرون المتواتر
باسمه الخاص المشعر بمعناه ، وإنما يتبعون فيه الفقهاء
والأصوليون لأن التواتر ليس من مباحث علم الإسناد "
( 1 ) .
وقال محمد عجاج الخطيب : " وقد فصل الأصوليون القول في
المتواتر وشروطه ، ولم يفصل أهل الحديث ذلك ، لأنه ليس
من مباحث علم الإسناد ، الذي يبحث فيه عن صحة الحديث ،
أو ضعفه ليعمل به أو يترك ، من حيث صفات الرجال ، وصيغ
الأداء ، والمتواتر لا يبحث عن رجاله ، بل يجب العمل
به من غير بحث وقد ثبتت بعض السنن القولية والعملية
بالتواتر " ( 2 ) .
وهذا ما قاله شيخ الوهابية محمد بن عثيمين عندما كان
يشرح متن نخبة الفكر لصغار الطلبة ، سننقله بالنص من
الشريط المسجل :
" لماذا ؟ لأنه متيقن الثبوت وعلم الإسناد إنما يبحث
فيه عن صحة الإسناد وعدم صحته ، والمتواتر لا يبحث فيه
عن صحة السند لأنه ثابت مفيد للعلم ".
وقال : " فذكره – أي سند المتواتر- لا شك أنه مفيد وإن
كان كما قال المؤلف ليس من مباحث علم الإسناد لأن علم
الإسناد يبحث فيه عما يُقبل ويُرد أما هذا فهو مقبول
بكل حال " ( 3 ) .
فأين هو عن أبسط معلومة في علم الحديث ؟! ، وأين هو عن
كلمات علمائه ؟ ، وإلى متى نقوم بتعليمه وتعليم أمثاله
أقوال علمائهم ؟!
ثانيا : التواتر يفيد اليقين ولو من الكفار واليهود
والنصارى ، وهذا رأي علماء الأصول عند أهل السنة قبل
الشيعة إذ ذهبوا إلى عدم اشتراط الإسلام في ناقلي
التواتر ، فيجوز الاعتماد على نقل الكفار في حصول
القطع واليقين إذا تواتر عنهم الخبر ، فقد نقل الزركشي
أقوال علماء أهل السنة في المسألة مع تخطئته لقول ابن
عبدان الذي أخذ قيد الإسلام شرطا في الاعتماد على
ناقلي الخبر المتواتر فقال في البحر المحيط :
| |
( 1 ) علوم الحديث ومصطلحه د.صبحي الصالح 50 ط.دار
العلم للملايين .
( 2 ) أصول الحديث د. محمد عجاج الخطيب ص301-302 ط.دار
الفكر .
( 3 ) شرح نخبة الفكر لابن عثيمين شريط رقم 2 ، وهو
متوفر في الأسواق . |
|
|
" والصحيح خلاف ما قال –أي ابن عبدان- . قال سليم في
التقريب : ولا يشترط في وقوع العلم بالتواتر صفات
المخبرين ، بل يقع ذلك بإخبار المسلمين والكفار
والعدول والفساق والأحرار والعبيد والكبار والصغار ،
إذا اجتمعت الشروط .
وكذا قال أبو الحسين بن القطّان في كتابه : ذهب قوم من
أصحابنا إلى أن شرط التواتر في الكفار أن يكون منهم
مسلمون للعصمة ، وعندنا لا فرق بين الكفار والمسلمين
في الخبر ، وإنما غلطت هذه الفرقة ، فنقلت ما طريقه
الاجتهاد إلى ما طريقه الخبر .
وصرّح القفّال الشاشي بأن الإسلام ليس بشرط ، وإنما
رَدَدْنا خبر النصارى بقتل عيسى لأن أصله ليس بـمتواتر
، لأنـهم بلغوه عن خبر لوما ومارقين ( 1 ) ، ثم تواتر الخبر
من بعدهم .
وكذا قال الأستاذ منصور ، قال : ولا يشترط أن تكون
نقَلـتُه مؤمنين أو عدولا ، وفرّق بينه وبين الإجماع
حيث اشترط الإيمان والعدالة فيه أن الإجماع حكم شرعي ،
فاعتبر في أهله كونـهم من أهل الشريعة .
وقال ابن البرهان : لا يشترط إسلامهم خلافاً لبعضهم ،
وجرى عليه المتأخرون من الأصوليين .
وقطع به ابن الصباغ في باب السلم من الشامل ، فإن
الشافعي قال في المختصر : ولو وَقّت بفضح النصارى لم
يجز ، لأنه قد يكون عاما في شهر ، وعاما في غيره ، على
حساب ينسئون فيه أياماً ، فلو اخترناه كنا قد عملنا في
ذلك بشهادة النصارى ، وهذا غير حلال للمسلمين ، قال
ابن الصباغ : هذا ما لم يبلغوا حد التواتر ، فإن بلغوه
بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب ، فإنه يكفي لحصول
العلم . " ( 2 ) .
فأين هذا المتعالم المبتدئ عن رأي أهل السنة ؟!
، وقد
نصت جملة من كلماتـهم التي نقلناه في أن التواتر ليس
من علم الإسناد على أن التواتر يفيد العلم بلا نظر في
أحوال الرواة ، ونعيد هنا كلام شيخه ابن عثيمين حتى
يخرج هذا الوهابي من الجهل المركب إلى الجهل البسيط :
" فذِكرُه –أي سند المتواتر- لا شك أنه مفيد وإن كان
كما قال المؤلف ليس من مباحث علم الإسناد لأن علم
الإسناد يبحث فيه عما يُقبل ويُرد أما هذا فهو مقبول
بكل حال ".
| |
( 1 ) من الهامش : الصواب لوقا ومرقص . |
( 2 ) البحر المحيط للزركشي ج4 ص 235-236.
|
|
|
وأما وضوح أمر التواتر عند الشيعة وكونه مفيدا لليقين
بلا شرط الإسلام أو العدالة أو الوثاقة فلا ينظر في
إسناده فأمر لا يحتاج إلى بيان ، ولا بأس من باب
المناسبة أن نذكر بعض كلماتـهم فيه :
قال السيد المرتضى رضوان الله تعالى عليه في الذريعة :
" اعلم أن من يذهب إلى وجوب العمل بخبر الواحد في
الشريعة يكثر كلامه في هذا الباب ويتفرع ، لأنه يراعي
في العمل بالخبر صفة المخبر في عدالته وأمانته . فأما
من لا يذهب إلى ذلك ، ويقول : إن العمل في مخبر الاخبار تابع للعلم بصدق الراوي ، فلا فرق عنده بين أن
يكون الراوي مؤمنا أو كافرا أو فاسقا ، لان العلم بصحة
خبره يستند إلى وقوعه على وجه لا يمكن أن يكون كذبا ،
وإذا لم يكن كذبا فلابد من كونه صدقا ، على ما بيناه
من الكلام على صفة التواتر وشروطه ، فلا فرق على هذه
الطريقة بين خبر العدل وخبر من ليس كذلك ، ولذلك قبلنا
أخبار الكفار كالروم ومن جرى مجراهم إذا خبرونا عن
بلدانـهم ، والحوادث الحادثة فيهم ، وهذا مما لا شبهة
فيه " ( 1 ) .
وقال المحقق الحلي رضوان الله تعالى عليه في معارج
الأصول : " شرط قوم شروطا ليست معتبرة ، وهي أربعة :
الاول : أن لا يجمعهم مذهب واحد ولا نسب واحد . الثاني
أن يكون عددهم غير محصور . الثالث : أن لا يكونوا
مكرهين على الاخبار . الرابع : العدالة . والكل فاسد ،
لانا نجد النفس جازمة بمجرد الاخبار المتواترة من دون
هذه الامور ، فلم تكن معتبرة " ( 2 ) .
وقال ابن الشهيد الثاني رضوان الله عليهما في المعالم:
" فالمتواتر هو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه .
ولا ريب في إمكانه ووقوعه . ولا عبرة بما يحكى من خلاف
بعض ذوى الملل الفاسدة في ذلك ، فانه بـهت ومكابرة ،
لانا نجد العلم الضرورى بالبلاد النائية والامم
الخالية كما نجد العلم بالمحسوسات ، ولا فرق بينهما
فيما يعود إلى الجزم . وما ذلك إلا بالاخبار قطعا .
وقد أوردوا عليه شكوكا ... ومنها : أنه يلزم تصديق
اليهود والنصارى فيما نقلوه عن موسى وعيسى عليهما
السلام أنه قال : ( لا نبي بعدي ) . وهو ينافي نبوة
نبينا عليه الصلاة والسلام ، فيكون –القول بإفادة
التواتر العلم- باطلا ".
| |
( 1 ) الذريعة في أصول فقه ج2ص555-556. |
( 2 ) معارج الأصول ص139-140. |
|
|
فأجاب بما يدل على عدم اشتراط الإسلام في التواتر فضلا
عن الوثاقة والعدالة : " أن نقل اليهود والنصارى لم
يحصل بشرائط التواتر ، فلذلك لم يحصل العلم " ( 1
) .
قوانين الأصول للميرزا القمي رضوان الله تعالى عليه :
" اختلفوا في أقل عدد التواتر والحق أنه لا يشترط فيه
عدد ، وهو مختار الأكثرين فالمعيار هو ما حصل العلم
بسبب كثرتـهم وهو يختلف باختلاف الموارد فرب عدد يوجب
القطع في موضع دون الأخر وقيل أقله الخمسة وقيل إثنى
عشر وقيل عشرون وقيل أربعون وقيل سبعون وقيل غير ذلك
وحججهم ركيكة واهية لا يليق بالذكر فلا نطيل بذكرها
وذكر ما فيها وقد إشترط بعض الناس هنا شروطا آخر لا
دليل عليها وفسادها أوضح من أن يحتاج إلى الذكر فمنهم
من شرط الإسلام والعدالة ومنهم من إشترط أن لا يحويهم
بلد ليمتنع تواطئهم ومنهم من إشترط اختلاف النسب ومنهم
من إشترط غير ذلك والكل باطل " ( 2 ) .
وقال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه في بحثه ما
يشعر بعدم اشتراط الإسلام فضلا عن العدالة في إفادة
التواتر العلم: " وليس لنا يقين بنبوة موسى إلا من
طريق شريعتنا ، فان التواتر لم يتحقق في جميع الطبقات
من زمان موسى إلى زماننا هذا . والتوراة الموجودة عند
اليهود ليس هو الكتاب المنزل من الله سبحانه على موسى
. ومن راجعه يجد فيه ما يوجب العلم له بعدم كونه من
عند الله من نسبة الزنا والفواحش الى الانبياء وغيرها
مما يجده من راجعها . نعم لنا علم بنبوة موسى لاخبار
نبينا بنبوته ، فتصديقه يوجب التصديق بنبوته " (
3 ) .
فتحصل أن التواتر عند علماء الشيعة وأهل السّنة حجة
ويفيد القطع واليقين سواء كانت النقلة مسلمين أو كفارا
، فالشيعة يمكنهم الاعتماد على الصحابة في إثبات تواتر
القرآن حتى وإن كانوا كفارا مرتدين في عقيدة الشيعة
كما تزعم الوهابية .
| |
( 1 ) المعالم ص184-185.
( 2 ) قوانين الأصول ص264.
( 3 ) مصباح الأصول تقرير بحث الخوئى للبهسودي ج3ص215
، ومن كتب في التواتر وشروط إفادته للعلم من علماء
الشيعة لم يذكر قيد العدالة مطلقا ، فيمكن مراجعة
كتبهم الأصولية ، وكمثال كتاب قوانين الأصول للميرزا
القمي رضوان الله تعالى عليه ص420و425 ،
ودروس في علم
الأصول للسيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه
ج2ص123-124 ، الأصول العامة للفقه المقارن
للسيد محمد
تقي الحكيم رضوان الله تعالى عليه ص194 ،
اصطلاحات
الأصول للشيخ علي المشكيني حفظه الله ص142 ،
دروس في
أصول فقه الإمامية للشيخ عبد الهادي الفضلي حفظه الله
ص271 . |
|
|
ثم من أين لأهل السنة إثبات تواتر القرآن بنقل فلان عن
فلان ؟! ، إن أقصى ما يمكنهم إثباته هو التواتر
الإجمالي وأما التواتر التفصيلي ومواضع اختلاف القراء
فهذا دونه خرط القتاد ، ونعيد ما قاله إمامهم في
القراءات ابن الجزري :
" وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ، ولم
يكتف فيه بصحة السند ، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا
بالتواتر وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن .
وهذا مما لا يخفى ما فيه ، فإن التواتر إذا ثبت لا
يحتاج فيه إلى الركنين الآخرين من الرسم وغيره ، إذ ما
ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي صلى الله عليه
(وآله) وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآنا سواء وافق
الرسم أم خالفه ، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من
حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن
هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم ولقد كنت أجنح إلى هذا
القول ثم ظهر فساده " ( 1 ) .
وهذا قول أستاذ الفن من علماء أهل السنة الذي قصد به
أن تواتر القرآن لا يمكن إثباته بكل تفاصيله ، فيتردد
النص القرآني بين ما قرأ به ابن عامر والكوفيون كقوله
( ننشزها ) أو كما قرأ الباقون ( ننشرها ) ؟ أو كما
قرأ الكسائي ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبّتوا ) أو كما
قرأ الباقون ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا ) والكثير
الكثير مثله ! ، فمن أين يثبت علماء السنة تواتر
القرآن في الموارد التي اختلف فيها القراء السبعة ؟
ناهيك عن أن نفس أسانيد القرّاء السبعة لا تثبت تواتر
القرآن كما مر بنا ، ولو تنازلنا لقلنا كيف يمكنهم
إثبات تواتر آيات خزيمة بن ثابت التي دمجت في القرآن
بشهادته فقط – بزعمهم- وفقدت طيلة ثلاث عشرة سنة ؟!
وقلنا سابقا أن أهل السنة وكذا الشيعة لا يستطيعون
إثبات تواتر القرآن بنقل شخص عن شخص إلى النبي صلى
الله عليه وآله وسلم ، وهذا لا نقص فيه ، وإنما لوضوح
الأمر وعدم الحاجة إليه في تلك العصور حتى أغفله الناس
، فالأمر معتمد على البداهة وتصور حال المسلمين
واهتمامهم بالقرآن من زمن النـزول إلى يومنا الحالي ،
ولكن بعض الوهابية يتبجحون بأن أهل السنة أثبتوا تواتر
القرآن بإسناد القراء السبعة !! ، { ظُلُمَاتٌ
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ }(النور/40).
| |
( 1 ) الكوكب الدري شرح طيبة ابن الجزري ص 23 . |
|
|
زبدة المخض :
سنذكر هنا كلمات علماء الشيعة رضوان الله تعالى عليهم
الناصة على أن قراءتنا متواترة بدون شك ، وأن المسلمين
مازالوا يتناقلونـها جيلا بعد جيل بلا فصل وانقطاع ،
وقد تواترت بجميع حركاتـها وسكناتـها .
قال السيد شرف الدين الموسوي رضوان الله عليه :" فإن
القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع
آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته ، تواترا
قطعيا عن أئمة الهدى من أهل البيت عليهم السلام ، ولا
يرتاب في ذلك إلا معتوه ، وأئمة أهل البيت كلمهم
أجمعون رفعوه إلى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله
عن الله تعالى وهذا أيضا مما لا ريب فيه وظواهر القرآن
الحكيم -فضلا عن نصوصه- أبلغ حجج الله تعالى ، وأقوى
أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولية من مذهب الإمامية
" ( 1 ) .
قال العلامة البلاغي رضوان الله تعالى عليه :" ومن أجل
تواتر القرآن الكريم بين عامّة المسلمين جيلاً بعد جيل
، استمرّت مادّته وصورته وقراءته المتداولة ، على نحو
واحد ، فلم يؤثّر شيئاً على مادّته وصورته ما يروى عن
بعض الناس من الخلاف في قراءته من القرّاء السّبعة
المعروفين وغيرهم . فلم تسيطر على صورته قراءة أحدهم اتّباعاً له ولو في بعض النّسخ ، ولم يسيطر عليه أيضاً
ما روي من كثرة القراءات المخالفة له ممّا انتشرت
روايته في الكتب كجامع البخاري ومستدرك الحاكم … وأن
القراءات السبع فضلا عن العشر إنما هي في صورة بعض
الكلمات لا بزيادة كلمة أو نقصها ومع ذلك ما هي إلا
روايات آحاد عن آحاد لا توجب اطمئنانا ولا وثوقا فضلا
عن وهنها بالتعارض ومخالفتها للرسم المتداول بين عامة
المسلمين في السنين المتطاولة "( 2 ) .
" إذن فلا يحسن أن يعدل في القراءة عما هو المتداول في
الرسم والمعمول عليه بين عامة المسلمين في أجيالهم إلى
خصوصيات هذه القراءات . مضافا إلى أنا معاشر الإمامية
قد أمرنا بأن نقرأ كما يقرأ الناس أي نوع المسلمين
وعامتهم . ولعلما تقول : إن غالب القراءات السبع أو
العشر ناشئ من سعة اللغة العربية في وضع الكلمة
وهيئتها –إلى قوله- فعلى أي قراءة قرئت أكون قارئا على
العربية .
| |
( 1 ) أجوبة مسائل موسى جار الله ص29 ، قوله رضوان
الله تعالى عليه بأنه متواتر من طرقنا ، إن قصد به أن
هذا التواتر متحقق بمقتضى طبيعة الأمر وأنه حاصل
تلقائيا لشدة اهتمام المسلمين بالقرآن فهذا صحيح ،
وأما إن قصد به رضوان الله تعالى عليه أن للشيعة طرقا إسنادية إلى كل كلمة في القرآن ، فأتمنى –من كل قلبي-
أن أكون من هؤلاء المعتوهين الذين عناهم السيد المبجل
رحمة الله تعالى عليه بقوله .
( 2 ) لعل العلامة رضوان الله تعالى عليه غفل عن أن
قراءتنا اليوم منسوبة لأحد القراء السبعة وهو عاصم بن
أبي النجود . |
|
|
ولكن كيف يخفى عليه أن تلاوة القرآن وقراءته
يجب فيها وفي تحققها أن تتبع ما أوحي إلى الرسول وخوطب
به عند نزوله عليه ؟ وهـو واحـد ، فعليك أن تتحراه بما
يثبت به وليس قراءة القرآن عبارة عن درس معاجم اللغة "
( 1 ) .
وهاك ما أغدقه علينا الإمام الخميني قدس الله نفسه
الزكية عند ترجيحه للقراءة المتداولة {
يَطْهُرْنَ}(البقرة/222). بالتخفيف على قراءة بالتشديد
، فقال :
" هذا مع أن ترجيح قراءة التخفيف على التضعيف كالنار
على الـمنار عند أولى الأبصار ضرورة أن ما هو الآن بين
أيدينا من الكتاب العزيز متواتر فوق حد التواتر
بالألوف والآلاف ، فإن كل طبقة من المسلمين وغيرهم ممن
يبلغ الملايين أخذوا هذا القرآن بـهذه المادة والـهيئة
عن طبقة سابقة مثلهم في العدد وهكذا إلى صدر الإسلام
وقلما يكون شئ في العالم كذلك ، وهذه القراءات السبع
أو العشر لم تـمس كرامة القرآن رأسا ولم يعتن المسلمون
بـها وبقرائها فسورة الحمد هذه مما يقرأها الملايين من
المسلمين في الصلوات آناء الليل وأطراف النهار وقرأها
كل جيل على جيل وأخذ كل طائفة قراءة وسماعا من طائفة
قبلها إلى زمان الوحي .
ترى أن القراء تلاعبوا بـها بما شاءوا ومع ذلك بقيت
على سيطرتـها ولم يمس كرامتها هذا التلاعب الفضيح وهذا
الدّس القبيح وهو أدل دليل على عدم الأساس لتواتر
القراءات ، إن كان المراد تواترها عن النبي الأكرم صلى
الله عليه وآله مؤيدا بحديث ( 2 ) وضعه بعض أهل الضلال
والجهل وقد كذبه أولياء العصمة وأهل بيت الوحي قائلا :
إن القرآن واحد من عند واحد .
هذا مع أن كلا من القراء
على ما حكي عنهم استبد برأيه بترجيحات أدبية وكلما
دخلت أمة لعنت أختها ! وظني أن سوق القراءة لما كانت
رائجة في تلك الأعصار فتح كل دكة لترويج متاعه والله
تعالى بريء من المشركين ورسوله صلى الله عليه وآله .
نعم ما هو المتواتر هو القرآن الكريم الموجود بين أيدي
المسلمين وغيرهم وأما غيره من القراءات والدعاوي
فخرافات فوق خرافات ظلمات بعضها فوق بعض ، وهو تعالى
نزل الذكر وحفظه أي حفظ فإنك لو ترى القرآن في أقصى
بلاد الكفر لتراه كما تراه في مركز الإسلام وأيدي
المسلمين وأي حفظ أعظم من ذلك " ( 3 ) ، انتهى كلامهم أعلى
الله مقامهم .
| |
( 1 ) من مقدّمة تفسير آلاء الرحمن ج1 ص 29 –30 ط
مكتبة الوجداني _مدينة قم المقدسة - .
( 2 ) يقصد حديث الأحرف السبعة .
( 3 ) فقه السيد الخميني قدس الله نفسه الزكية
ج1ص142–143. |
|
|
|