إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 356

موقف الأعلام من التعبّد بالقراءات التي كانت في عهد الأئمة عليهم السلام :


الشيعة يرون أئمة أهل البيت عليهم السلام المنبع الصافي لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإقرار أهل البيت عليهم السلام لأمرٍ ما دال على جوازه ، وقد وردت روايات عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين تدل على جواز التعبّد بما يقرأ به عامة الناس ، وكلمات علمائنا واضحة في جواز التعبد بتلك القراءات المشهورة في زمن الأئمة عليهم السلام لعدم ورود الردع بل وردت روايات عنهم عليهم السلام تجوّز العمل بأية قراءة كانت في زمانـهم وحكموا بأنـها مجزيه ،

 ففي الكافي : " عن سالم بن سلمة قال : قرأ رجل على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على ما يقرؤها الناس ، فقال أبو عبد الله عليه السلام : كف عن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس " ( 1 ) .

ويجب الالتفات إلى أنه لا ملازمة بين جواز التعبد بـها وبين أن القرآن واحد له قراءة واحدة ، وهذا صريح ما ذكره المحقق النجفي رضوان الله تعالى عليه في الجواهر :
" بل الزمخشري صرح بما في أخبارنا من أن قراءة النبي صلى الله عليه وآله واحدة وأن الاختلاف إنما جاء من الرواية ولذلك أوجب على المصلي كل ما جاء من الاختلاف للمقدمة واستحسنه بعض من تأخر من أصحابنا لولا مجيء الدليل بالاجتزاء بأي قراءة " ( 2 ) .

والقراءة المتيقن من الاجتزاء بـها من بين القراءات هي تلك التي كان يقرأ بـها في زمان المعصوم عليه السلام لا القراءات السبع بعينها ، إذ أن زمن صدور الروايات المجوّزة يمنع من تعلقها بالسبع فقط على وجه الخصوص .

قال السيد الحكيم رضوان الله تعالى عليه في مستمسك العروة الوثقى :" ومن هذا كله يظهر لك الإشكال في حمل النصوص المذكورة وغيرها على خصوص قراءة السبعة أو أنـها القدر المتيقن منها لصدورها عن الصادق عليه السلام والكاظم عليه السلام قبل حدوث بعض هذه القراءات أو قبل اشتهاره ولاسيما قراءة الكسائي فكيف يحتمل أن تكون مرادة بـهذه النصوص بل مقتضى النصوص اختصاص الجواز بما كان يقرؤه الناس في ذلك العصر لا غير فيشكل الشمول لبعض القراءات السبع إذا لم يعلم أنـها كانت متداولة وقتئذ ؟".

" لكن يجب الخروج عن ذلك بالإجماع المتقدم عن التبيان ومجمع البيان المعتضد بالسيرة القطعية في عصر المعصومين عليهم السلام على القراءة بالقراءات المعروفة المتداولة في الصلاة وغيرها من دون تعرض منهم عليهم السلام للإنكار ولا لبيان ما تجب قراءته بالخصوص الموجب للقطع برضاهم عليهم السلام بذلك كما هو ظاهر "( 3 ).

  ( 1 ) الكافي ج2ص633 كتاب فضائل القرآن باب النوادر .
( 2 ) جواهر الكلام ج9ص239 ط دار الكتب الإسلامية .
( 3 ) مستمسك العروة الوثقى للسيد الحكيم رضوان الله تعالى عليه ج 6 ص244-245 .
 
 

- ص 357 -

ولو لم يرد الجواز والاكتفاء بأي قراءة كانت في زمانـهم عليهم السلام ( 1 ) لكان من اللازم إبراء الذمة في الصلاة بقراءة ما يتيقن عدم حصول التلاعب فيه من قبل القراء مادةً وهيئة ، كالاقتصار على سورة التوحيد في الصلاة والإتيان بكل هيئات الكلمة التي اختلف القرّاء في قراءتـها ، قال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه :

" والحق أن الذي تقتضيه القاعدة الأولية هو عدم جواز القراءة في الصلاة بكل قراءة لم تثبت القراءة بـها من النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أو من أحد أوصيائه المعصومين عليهم السلام ، لأن الواجب في الصلاة هو قراءة القرآن فلا يكفي قراءة شيء لم يحرز كونه قرآناً ، وقد استقلّ العقل بوجوب إحراز الفراغ اليقيني بعد العلم باشتغال الذمة ، وعلى ذلك فلا بد من تكرار الصلاة بعدد القراءات المختلفة أو تكرار مورد الاختلاف في الصلاة الواحدة ، لإحراز الامتثال القطعي ، ففي سورة الفاتحة يجب الجمع بين قراءة ( مالك ) وقراءة ( ملك ) .

أما السورة التامة التي يجب قراءتـها بعد الحمد –بناءً على الأظهر- فيجب لها إما اختيار سورة ليس فيها اختلاف في القراءة ، وإما التكرار على النحو المتقدم . و أما بالنظر إلى ما ثبت قطعياً من تقرير المعصومين عليهم السلام شيعتهم على القراءة ، بأية واحدة من القراءات المعروفة في زمانـهم ، فلا شك في كفاية كل واحدة منها . فقد كانت هذه القراءات معروفة في زمانـهم ، ولم يرد عنهم أنـهم ردعوا عن بعضها ، ولو ثبت الردع لوصل إلينا بالتواتر ، ولا أقل من نقله بالآحاد ، بل ورد عنهم عليهم السلام إمضاء هذه القراءات بقولـهم : ( اقرأ كما يقرأ الناس . إقرؤا كما عُلّمتم ).

وعلى ذلك فلا معنى لتخصيص الجواز بالقراءات السبع أو العشر ، نعم يعتبر في الجواز أن لا تكون القراءة شاذة ، غير ثابتة بنقل الثقات عند علماء أهل السنة ، ولا موضوعة ، أما الشاذة فمثالها قراءة ( مَلَك يومَ الدين ) بصيغة الماضي ونصب يوم ، و أما الموضوعة فمثالها قراءة ( إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ ) برفع كلمة الله ونصب كلمة العلماء على قراءة الخزاعي عن أبي حنيفة ، وصفوة القول : أنه تجوز القراءة في الصلاة بكل قراءة كانت متعارفة في زمان أهل البيت عليهم السلام " ( 2 ) .

واحتاط الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه في المسألة بقوله : " الأحوط عدم التخلف عن إحدى القراءات السبع ، كما أن الأحوط عدم التخلف عما في المصاحف الكريمة الموجودة بين أيدي

  ( 1 ) من المؤكد أن القراءة التي كانت مشتهرة في زمانـهم هي قراءتنا اليوم ، المتواترة على مرّ الزمان ، فقوله عليه السلام ( اقرأ كما يقرأ الناس ) إن لم نقل أنـها هي المقصودة ، فلا ريب في شمول الأمر لها .
( 2 ) البيان ص167-168 . ط انتشارات كعبه .
 
 

- ص 358 -

المسلمين ، وإن كان التخلف في بعض الكلمات مثل ( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) و ( كُفُواً أحَدْ ) غير مضر ، بل لا يبعد جواز القراءة بإحدى القراءات .
يجوز قراءة ( مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) و( مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ولا يبعد أن يكون الأول أرجح ، وكذا يجوز في (الصراط) أن يقرأ بالصاد والسين والأرجح بالصاد ، وفي (كفواً أحد) وجوه أربعة : بضم الفاء و سكونه مع الهمزة أو الواو ، ولا يبعد أن يكون الأرجح بضم الفاء مع الواو " ( 1 ) .

وقال السيد السيستاني حفظه الله تعالى :" الأنسب أن تكون القراءة على طبق المتعارف من القراءات السبع وإن كان الأقوى كفاية القراءة على النهج العربي وإن كانت مخالفة لها في حركة بنية أو إعراب ، نعم لا يجوز التعدي عن القراءات التي كانت متداولة في عصر الأئمة عليهم السلام فيما يتعلق بالحروف و الكلمات " ( 2 ) .
وقد اقتصرنا على ما ذكر لأن فيه الكفاية ، ومن أراد الزيادة فليراجع .

* الخلاصة
اتضح إلى هنا أن الشيعة ترى أن القرآن واحد نزل من عند الواحد لكن هذا الاختلاف والتغاير في القراءات جاء من قبل القراء كل باجتهاده ، وهذا المصحف بين أيدينا متواتر جملة وتفصيلا بنقل الكافة عن الكافة ، وكذا أهل السنة يعتقدون بتواتره جملة وتفصيلا ، لكنهم متذبذبون في أمر القراءات فبعضهم يقول متواترة وأهل الخبرة منهم يقولون غير متواترة ، وتذبذبـهم على أشده في القراءات الشاذة إذ قالوا أنـها ليست من القرآن وخاصة تلك التي تخالف رسم المصحف مع أن سلفهم الصالح كان يقول بقرآنيتها ! ، والبعض يشك في أنـها من القرآن ، أي لعلها منه ولكنها حذفت من المصحف !

والعاقل المنصف يعلم أي من النظرتين تصون القرآن من شبهة التحريف .

  ( 1 ) تحرير الوسيلة ج1ص166-167. ( 2 ) منهاج الصالحين ج1ص208 مسألة 616 .  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب