إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 362

أولا : أهل السنة ونسخ التلاوة


تـحرير محل النـزاع
اتضح مما سبق أن أهل السنة يتفقون مع الشيعة على جواز وقوع ضروب النسخ الثلاثة في القرآن ، وتصورها فيه أمر ممكن ، ولكن أهل السنة افترقوا عن الشيعة بقولهم أن نسخ التلاوة سواء مع الحكم أو بدونه قد وقع في القرآن الكريم ، بخلاف الشيعة الذين لا يقولون بوقوعهما وإن كانا جائزين عقلا، فمحل النـزاع بين القوم هو الوقوع وعدمه

* هل وقع نسخٌ لتلاوة بعض آيات القرآن الكريم ؟

من الأمور التي لا يتهاون فيها نسبة آية من الآيات إلى قائمة المنسوخ ، لذا فإن مبحث نسخ التلاوة الذي به تنفى آيات من القرآن أو على الأقل يشك في بقائها أو حذفها أمر مهم جدا ، ناهيك عما ينتج عنه من فتح باب التلاعب والتقول بأحكام ليس لها في الإسلام نصيب بدعوى أنـها كانت ضمن آيات نسخت نسخ تلاوة مع بقاء الحكم ! ، وعليه فمن الأهمية بمكان معرفة وقوع هذا النوع من النسخ في آيات القرآن من عدمه.

قال في التفسير القرآني للقرآن :" فإذا ساغ أن ينـزل قرآن ، ويتلى على المسلمين ، ثم يُرفع ، ساغ لكل مُبطل أي قول ، ثم يدّعي له أنه كان قرآنا ثم نسخ… وهكذا تتداعى على القرآن المفتريات والتلبيسات ، ويكون لذلك ما يكون من فتنة وابتلاء " ( 1 ) .

وحتى لو لم تكن هناك أحكام مبتدعة تدخل وتنسب للدين بالباطل عن طريق هذا النوع من النسخ فإن مجرد القول بقرآنية جملة بلا بينة أمر عظيم ، لذلك يجب تحديد موقفنا من وقوع هذا النوع الخطر من النسخ في القرآن ، فلو ثبت وجود آيات تنص على وقوع هذا النسخ ، أو لا أقل تواترت الأخبار بذلك فحينها نجزم بوقوع نسخٍ لتلاوة بعض آيات القرآن ، فلننظر إذن فيما يمكن للأدلة إثباته .

* الإثبات من ناحيتين
1- الآيات القرآنية الدالة على وقوع نسخ التلاوة .
2- الأحاديث النبوية الشريفة الدالة عليه .

أولا : الآيات القرآنية
لا توجد آية واحدة ولا حتى جزء من آية يصرّح بوقوع نسخ لتلاوة القرآن ، نعم ذكروا آيات تدل على جوازه وإمكانه مثل {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}(البقرة/106) ،

  ( 1 ) التفسير القرآني للقرآن ج1 ص 122 لعبد الكريم الخطيب ط . دار الفكر العربي .  
 

- ص 363 -

والإمكان أعم من الوقوع كما هو معلوم بالبداهة، فكم من أمرٍ ممكن في نفسه ولكنه لم يقع ، ولا خلاف بين المسلمين شيعة وسنة على أن الله عز وجل يمكنه أن ينـزل آية ويرفع تلاوتـها كما ذكرنا سابقا ، وإنما الكلام في وقوع مثل هذا الشيء ، فالاستدلال بـهذه الآية على الوقوع غير صحيح البتة ، لأنـها تبدأ ب‍ ( ما ) التي تفيد الشرط ، وغاية ما يستفاد منها هو وجوب تحقق الجزاء عند تحقق الشرط .

ولننقل كلمات علماء السنة في هذا الأمر ، قال الفخر الرازي في تفسيره الكبير :" واعلم أن بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}(البقرة/106) والاستدلال به ضعيف أيضاً لأن ( ما ) هاهنا تفيد الشرط والجزاء وكما أن قولك ( ومن جاءك فأكرمه ) لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام ، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه " ( 1 ) .

وقال في مباحث في علوم القرآن :" ( ومعنى هذا أن النسخ الذي أشارت إليه الآية الكريمة ، ليس لازماً أن يقع ، وإنما وقوعه أمر احتمالي ، يشهد له الواقع أو لا يشهد ، فإن شهد له اعتُبر وإلاّ فلا ) ( 2 ) . فأساليب الشرط في القرآن قد لا يراد وقوعها ، أو تحقيق جوابـها ، ومن ذلك قوله سبحانه {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}(الحاقة/44-46)" ( 3 ) .

وقال في قضايا القرآن عند كلامه حول آية النسخ :" وإذ ننظر في وجه الآية الكريمة ننظر أولاً : هل إذا جاء شرط في القرآن الكريم ، أيجب أن يقع هذا الشرط وأن يتحقق تبعاً لذلك جوابه ؟ الجواب على هذا : أن ليس من الـحتم اللازم أنه إذا ورد في القرآن أسلوب شرطي أن يقع هذا الشرط وإنما الـحتم اللازم هو أنه إذا وقع الشرط فلا بدّ من أن يقع ويتحقق الجواب المعلق على وقوع هذا الشرط فما أكثر ما وردت أساليب شرطية في القرآن غير مراد وقوعها وتحقيق جوابـها ، ومن ذلك قوله تعالى لنبيه الكريم : {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ }(الأنعام/116). وقوله تعالى عن نبيه الكريم أيضاً : {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ

  ( 1 ) التفسير الكبير ج3 ص 229 ، ط دار الكتب العلمية الثانية .
( 2 ) من قضايا القرآن ص24 .
( 3 ) مباحث في علوم القرآن ص 254.  
 

-  ص 364 -

بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}(الحاقة/44-46) وقوله تعالى خطاباً له { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}(الزمر/65) . فلم يقع شرط أي آية من هذه الآيات ولم يقع جوابـها كذلك وعلى هذا يجوز في الآية الكريمة : {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}(البقرة/106). يجوز ألا يقع شرطها وجوابـها ، وتكون من قبيل القضايا الفرضية ، التي يراد بـها العبرة والعظة . والذي نأخذه من هذا هو أن النسخ الذي أشارت إليه الآية الكريمة ليس لازماً أن يقع ، وإنما وقوعه أمر احتمالي ، يشهد له الواقع ، أولا يشهد ، فإن شهد له أعتبر وإلا فلا " ( 1 ) .

قال ابن تيمية : " أنه تعالى إنما وعد أنه إذا نسخ آية أو نسأها أتى بخير منها أو مثلها لما أنزل هذه الآية قوله {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }(البقرة/106) ، فإن هذه الآية شرطية تضمنت وعده أنه لابد أن يأتي بذلك وهو الصادق الميعاد فما نسخه بعد هذه الآية أو أنسأ نزوله مما يريد إنزاله يأت بخير منه أو مثله وأما ما نسخه قبل هذه أو أنسأه فلم يكن قد وعد حينئذ أنه يأتي بخير منه أو مثله " ( 2 ) ، فهو إذن وعد ليس إلا .

قال في النسخ في القرآن الكريم :" ولابد من وقفة هنا ، عند النوع الثالث للنسخ ذكره الأصوليون ، واعتمدوا فيه على آثار لا تنهض دليلاً له ، مع أن الآيتين اللتين تتحدثان عن النسخ في القرآن الكريم لا تسمحان بوجوده إلاّ على تكلّف " ( 3 ) .

ونذكر هنا كلمات لبعض علماء الشيعة رضوان الله تعالى عليهم ، قال الشيخ المظفر رضوان الله تعالى عليه في أصول الفقه : " ولكن باختصار نقول : إنّ نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى القول بالتحريف لعدم ثبوت نسخ التلاوة بالدليل القطعي سواء كان نسخاً لأصل التلاوة أو نسخاً لها ولما تضمّنه من حكم معاً وإن كان في القرآن الكريم ما يشعر بوقوع نسخ التلاوة ، كقوله تعالى {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ}(النحل/101). وقوله تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ

  ( 1 ) من قضايا القرآن ص23-24 .
( 2 ) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ج17ص194.
( 3 ) النسخ في القرآن الكريم د. مصطفى زيد ج1ص283–284 مسألة رقم 388 وما بعد.
 
 

-  ص 365 -

أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}(البقرة/106). ولكن ليستا صريحتين بوقوع ذلك لا ظاهرتين وإنما أكثر ما تدل عليه الآيتان على إمكان وقوعه " ( 1 ) .

وقال الشيخ محمد جواد مغْنـِيـة رضوان الله تعالى عليه في التفسير الكاشف :" ومهما يكن فإن الآية بدليل وجود ( ما ) الشرطية لا تدل على وقوع النسخ بالفعل ، بل تدل على أنه لو افترض وقوعه لأتى الله بخير من المنسوخ " ( 2 ) .

فالشيعة والمدققون من أهل السنة اتفقوا على أن الآية غاية ما تدل عليه جواز وقوع النسخ وأن الجزاء يتحقق بتحقق الشرط والآية واضحة لا تحتاج إلى بيان زائد ، ومع كل ذلك نجد محمد بن عثيمين أحد شيوخ الوهابية يقول في كتيّبه الأصول من علم الأصول :
" والنسخ جائز عقلا وواقع شرعا ، أما جوازه عقلا :…الخ ، وأما وقوعه شرعا فلأدلة منها : قوله تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}(البقرة/106)" ( 3 )

أقول : انظر كيف جعل الآية دالة على وقوع النسخ !! ، ما عشت أراك الدهر عجبا !

ولعل الوهابي كان في كلامه هذا عيالا على ابن حجر حيث قال في فتح الباري : " واستدل بالآية المذكورة على وقوع النسخ خلافا لمن شذ فمنعه وتعقب بأنـها قضية شرطية لا تستلزم الوقوع وأجيب بأن السياق وسبب النـزول كان في ذلك لأنـها نزلت جوابا لمن أنكر ذلك " ( 4 )  .

  ( 1 ) أصول الفقه ج2 ص 53 .
( 2 ) التفسير الكاشف ج1 ص 169 .
( 3 ) الأصول من علم الأصول لابن عثيمين ص60 ط دار عالم الكتب
أقول : وكثير من الوهابية اغتروا بكلمات علمائهم وصاروا ينقلون الآية كدليل على نسخ التلاوة منهم الوهابي ( عثمان الخميس ) في شريطه (الشيعة والقرآن) الذي قال في معرض رده على الشيعة الذين ينكرون وقوع نسخ للتلاوة : ( أما الأدلة على نسخ التلاوة ، منها قوله تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(البقرة/106) ، وقوله تعالى {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}(النحل/101) ، آيات صريحة في أن الله تبارك وتعالى يبدل ما يشاء جل وعلا )

أقول : ما دخل هذا الكلام بمحل النـزاع وهو وقوع نسخ التلاوة ؟! ، وأكمل قائلا : ( الشيعة يوافقوننا على جواز نسخ الحكم حتى الذين يقولون بالتحريف حتى الذين لا يقولون بالتحريف ، كل الشيعة يقولون نسخ الحكم نوافق عليه ولكن ينكرون نسخ التلاوة ، ويزعمون أن أهل السنة يقولون بالتحريف لأنـهم يقولون بنسخ التلاوة ، ولا شك أن هذا تحكم ! ، يعني أن الله يقول {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا } وقوله تبارك وتعالى {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ} قلنا هذا الحكم دون التلاوة ، هذا تحكم ، ما الذي جعله في الحكم دون التلاوة ؟ لو جاء جاءٍ وقال لا هو في التلاوة دون الحكم ، هذا تحكم ، ولذلك قال الجصاص إن عموم اللفظ يقتضي الأمرين -يعني الحكم والتلاوة- ومن حمله على أحد الوجهين دون الآخر بغير دليل فهو متحكم قائل بغير علم ).

أقول : هذا تمام هرجه وتقليده الأعمى لأسياده ! ، فما علاقة محل النـزاع وهو وقوع نسخ التلاوة بما ذكره هذا الوهابي ؟! ، أفتونا مأجورين !
( 4 ) فتح الباري ج8ص167-168.

 
 

- ص 366 -

أقول : أما السياق فلا شيء فيه يدل على وقوع النسخ ، والمقام لا يحتمل الدعاوى الفارغة ، وأما قوله أن سبب النـزول يفيد دلالتها على وقوع النسخ ، فمغالطة لأن البحث منذ البداية مقتصر على دلالة لفظ الآية بغض النظر عن القرائن الخارجية ، والسؤال منذ البداية هو : هل أن لفظ الآية يدل على وقوع النسخ أم لا ؟ وواضح أنه لا يدل وهذا كل شيء .

وأما سبب النـزول فلم تنـزل الآية في خزعبل نسخ التلاوة ! ، وهذه الدعوى غريبة من ابن حجر !

* سبب نزول الآية الكريمة
وإرضاء لـخاطر ابن حجر ومن دار في فلكه نضع بين أيديهم كلمات علماء أهل السنة التي تنص على أن الآية نزلت ردا على اليهود الذين أنكروا وقوع النسخ في الشرائع والأحكام ، وأن سبب النـزول لا يمس نسخ التلاوة لا من قريب ولا من بعيد .

قال ابن جرير الطبري : " فتأويل الآية ألم تعلم يا محمد – اللهم صل على محمد وعلى آل محمد- أن لي ملك السموات والأرض وسلطانـهما دون غيري أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء وأنـهى عما أشاء وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بـها في عبادي بما أشاء إذ أشاء وأقر فيهما ما أشاء . ثم قال : وهذا الخبر وإن كان خطابا من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام لـمجيئهما بـما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانـهما وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونـهيه وأن له أمرهم بما يشاء ونـهيهم عما يشاء ونسخ ما يشاء وإقرار ما يشاء وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونـهيه " ( 1 ) .

وقال القرطبي :" وهذه آية عظمى في الأحكام وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك وقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه فما

  ( 1 ) تفسير ابن كثير ج1ص152.  
 

-  ص 367 -

كان هذا القرآن إلا من جهته ولهذا يناقض بعضه بعضا فأنزل الله {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ }(النحل/101). وأنزل {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ}(البقرة/106) " ( 1 ) .

وقال البغوي : " قوله عز وجل : {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا}، وذلك أن المشركين قالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلاف ما يقوله إلا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا . كما أخبر الله {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ }، وأنزل {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} فبين وجه الحكمة في النسخ بـهذه الآية " ( 2 ) .

وقال ابن حيان الأندلسي :" {مَا نَنسَخْ منْ آيَةٍ} سبب نزولها فيما ذكروا أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجه للكعبة وطعنوا في الإسلام قالوا إن محمدا يأمر أصحابه بأمر اليوم وينهاهم عنه غدا ، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غدا ما هذا القرآن إلا من عند محمد وأنه يناقض بعضه بعضا " ( 3 ) .

وقال ابن الجوزي : "سبب نزولها أن اليهود قالت : لما نسخت القبلة إن محمدا يحل لأصحابه إذا شاء ويحرم عليهم إذا شاء فنـزلت هذه الآية " ( 4 ) .

وقال النسفي :" لما طعنوا في النسخ فقالوا : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا . نزل {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا }" ( 5 ) .

وقال الثعالبي :" ومعنى الآية أن الله تعالى ينسخ ما شاء ويثبت ما شاء ويفعل في أحكامه ما شاء هو قدير على ذلك وعلى كل شيء ، وهذا لإنكار اليهود النسخ " ( 6 ) .

  ( 1 ) تفسير القرطبي ج2ص61.
( 2 ) تفسير البغوي ج1ص103.
( 3 ) تفسير البحر المحيط ج1ص341.
( 4 ) زاد المسير ج1ص127.
( 5 ) تفسير النسفي ج1ص63.
( 6 ) تفسير الثعالبي ج1ص97.
 
 

-  ص 368 -

وقال ابن كثير :" وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا ".

وقال " ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ ردا على اليهود عليهم لعنة الله حيث قال تعالى ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض الآية فكما أن له الملك بلا منازع فكذلك له الحكم بما يشاء ألا له الخلق والأمر وقرئ في سورة آل عمران التي نزل في صدرها خطابا مع أهل الكتاب وقوع النسخ في قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه الآية كما سيأتي تفسيره " ( 1 ) .

وقال الآلوسي : " نزلت لما قال المشركون أو اليهود :ألا ترون إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا ما هذا القرآن إلا كلام محمد عليه الصلاة والسلام يقوله من تلقاء نفسه وهو كلام يناقض بعضه بعضا " ( 2 ) .

وقال البيضاوي : " نزلت لما قال المشركون أو اليهود : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه " ( 3 ) .

وقال أبو السعود : " قيل نزلت حين قال المشركون أو اليهود : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه " ( 4 ) .

وعليه فنـزول الآية الكريمة كان في نسخ الأحكام والشرائع ، قال السيد الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه في تفسير الميزان :" وكيف كان فالنسخ لا يوجب زوال نفس الآية من الوجود وبطلان تحققها بل الحكم حيث علق بالوصف وهو الآية والعلامة مع ما يلحق بـها من التعليل في الآية بقوله تعالى : (ألم تعلم … إلخ ) أفاد ذلك أن المراد بالنسخ هو إذهاب أثر الآية ، من حيث أنـها

  ( 1 )  تفسير ابن كثير ج1ص152.
( 2 ) روح المعاني ج1ص351.
( 3 ) تفسير البيضاوي ج1ص377.
( 4 ) تفسير أبي السعود ج1ص142-143.
 
 

-  ص 369 -

آية ، أعني إذهاب كون الشيء آية وعلامة مع حفظ أصله فبالنسخ يزول أثره من تكليف أو غيره مع بقاء أصله وهذا هو المستفاد من اقتران قوله (ننسها) بقوله (ما ننسخ) " ( 1 ) .

وقال رضوان الله تعالى عليه في موضع آخر : " ومحصل ما استفيد منها إن النسخ قد يكون في الحكم كالآيات المنسوخة المثبتة في المصحف وقد يكون في التلاوة مع نسخ حكمها أو من غير نسخ حكمها وقد تقدم في تفسير قوله {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ}(البقرة/106). وسيأتي في قوله : {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ }(النحل/101) أن الآيتين أجنبيتان عن الانساء بـمعنى نسخ التلاوة وتقدم أيضا في الفصول السابقة أن هذه الروايات مخالفة لصريح الكتاب فالوجه عطفها على روايات التحريف وطرح القبيلين جميعا " ( 2 ) .

قال السيد جعفر مرتضى حفظه الله في معرض رده على استدلالهم بالآية لإثبات نسخ التلاوة : " إن لفظ ( آية ) في قوله : {مَا نَنسَخْ منْ آيَةٍ} إذا ورد في القرآن الكريم بصيغة المفرد ، فإنما يراد به الأمر العظيم ، الخارق للعادة الآتي من قبل الله سبحانه ، كالذي أشير إليه في قوله تعالى : {وَمَا نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا}(الإسراء/59). ونحو ذلك ( 3 ) . أما الآية بمعنى الفقرة القرآنية ، فلم يثبت : أن القرآن استعملها بلفظ المفرد ، وأراد بـها ذلك . ولو سُلّم ، فإننا نقول : إن قوله تعالى : {مَا نَنسَخْ منْ آيَةٍ} .

قد ورد في مقام التعريض بأهل الكتاب والمشركين ، فلا بد وأن يراد به نسخ ما ورد في الشرايع السابقة ، لأجل هذه القرينة فلا يبعد على هذا : أن يكون المراد نوع آخر من النسخ ، إذ قد ذيلت الآية بما يشير بوضوح إلى أن المراد بكلمة (آية) أمر سماوي ، يحتاج إلى قدرة وسلطان ، وملكية مطلقة ، وحقيقة للسماوات والأرض ، إلى حد أنه لا يستطيع أحد : أن يجد له ولياً أو نصيراً من دون الله سبحانه ، يمكنه أن يمنع من إصابته بتلك الآية .

ثم هو يوبّخهم بأنـهم يريدون أن يسألوا رسولهم ، كما سأل بنو إسرئيل نبي الله موسى من قبل : أن يريهم الله جهرة ونحو ذلك ، وكل ذلك قرينة على أن المراد بلفظ (آية) في هذا المورد ، هو الأمر العظيم الخارق للعادة ، والآتي من قبل الله سبحانه ، فانظر إلى سياق الآيات ، فإنـها كما يلي : ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها .
ألم تعلم :

  ( 1 ) تفسير الميزان ج1ص250.
( 2 ) ن.م ج12ص133.
( 3 ) وقد أشار إلى ذلك بعض المحققين أيضا .
 
 

-  ص 370 -

أن الله على كل شيء قدير ؟! ألم تعلم : أن الله له ملك السماوات والأرض ، وما لكم من دون الله من وليّ ولا نصير ؟! أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سُئِل موسى من قبل ؟ " ( 1 ) .

وهكذا سبب النـزول يعد قرينة قوية جدا على أن النسخ المقصود في الآية الكريمة هو نسخ الأحكام والشرائع لا نسخ الآيات والألفاظ كما زعم ابن حجر ومن تبعه من المقلدة ( 2 ) .

والآية الكريمة الأخرى {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}(النحل/101) ، حالها كحال أختها ، سبب النـزول هو تبديل الأحكام ونسخها ، قال السيد الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه في تفسير الميزان :
" قوله تعالى : {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}(النحل/101). إشارة إلى النسخ وحكمته وجواب عما اتـهموه صلى الله عليه وآله وسلم به من الافتراء على الله والظاهر من سياق الآيات أن القائلين هم المشركون وان كانت اليهود هم المتصلبين في نفى النسخ ومن المحتمل أن تكون الكلمة مما تلقفه المشركون من اليهود فكثيرا ما كانوا يراجعونـهم في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ( 3 ) .

وعلى أي حال ، فالعمدة في المقام أن أداة الشرط (إذا) غاية ما تدل عليه تحقق الجزاء حال تحقق الشرط ولا دليل على الوقوع ، فنتوصل إلى خلو القرآن من أية آية تثبت وقوع هذا النوع من النسخ .

  ( 1 ) حقائق هامة حول القرآن الكريم ص314 –315 .
( 2 ) وقد مر ذكر أحد أولئك المقلدة وهو شيخ الوهابية ابن عثيمين ، وحتما وبكل سهولة ويسر سنضم إلى قائمة المقلدين ذلك الجاهل السابق ( عثمان الخميس ) الذي استدل في شريطه (الشيعة والقرآن) على وقوع النسخ بالآية الكريمة !! ، ومن العجب ألا تجد لهذا الوهابي أي مطلب سليم من الخداع أو الخطأ والغلط !!
( 3 ) تفسير الميزان ج12ص345.
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب