إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 379

ما هو منشأ القول بوقوع نسخ التلاوة ؟


اتضح مما سبق أنه لا أصل للقول بوقوع نسخ التلاوة ، وبالتالي يتولد منه سؤال وهو ما هو دافع أهل السنة للقول بنسخ التلاوة مع علمهم بفساد أدلته ؟

هنا نحتاج إلى تقديم مقدمة وهي أن أهل السنة ألزموا أنفسهم منذ البداية بجملة من المباني والأصول التي تسالموا -إلاّ القليل منهم- على قبولها وحصانتها من النقد والتشكيك وبعض هذه الأصول هي من المشهور الذي لا أصل له ، وسنتكلم هنا عن بعض تلك الأصول والمباني التي تتعلق بمبحثنا .

منها : الحكم بصحة كل ما أخرجه البخاري ومسلم وقبوله قبولا أعمى بلا مناقشة للمتن ولا للسند ، حتى لو كانت الرواية مخالفة للمنقول والمعقول .

منها : القول بعدالة كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومات على الإسلام وحسن الظن المطلق به ، وقد كان عددهم مائة ألف واثني عشر ألف شخص كلهم عدول مؤمنون مخلصون لا يكذبون ولا يتعاركون ولا يتقاطعون ولا يؤذي جارٌ جاره ولا ينتقص أحدهم غيره ، وهذه حالهم على الوئام طيلة حياتـهم إلى أن يتوفاهم الله ، ولو ثبت عن أحدهم الفسق وشرب الخمر قالوا بتوبته ورجوعه قبل موته ، لذا إذا ثبتت الرواية عن أحدهم فهي الحق الذي لا مرية فيه .

وهنا أصل مشهور ومتفق عليه بين أركان المذاهب الإسلامية وهو تكفل الله عز وجل بصيانة القرآن من التحريف وعدم تعرّضه للنقص أو للزيادة .

وبعد ، كان من المحتم على أهل السنة قبول مضمون أي رواية وردت في صحيحي البخاري ومسلم ، حتى لو ورد فيهما روايات رواها أكابر الصحابة تنص على وجود آيات غير موجودة في مصحفنا كآية الرجم وآية الرضاع وغيرهما من الجمل الغريبة ، والفهم البسيط لهذه الروايات هو اعتقاد هؤلاء الصحابة تعرض القرآن للتحريف والنقص بفقد هذه الآيات وأن الموجود في مصاحفنا اليوم ليس هو كل القرآن .

وحيث ثبت قول بعض الصحابة بتحريف القرآن الذي لا يمكن التزامه ، وجد علماء أهل السنة أنفسهم بين عدّة خيارات :
الخيار الأول : رفض تلك الروايات والحكم بكذبـها على الصحابة وأنـهم أجل وأرفع من أن يدّعوا نقصان القرآن وتعرّضه للتحريف .
وهذا يخدش بما تسالموا عليه من الحكم بصحّة جميع ما في البخاري ومسلم من روايات ، فلا يمكنهم قبوله !

- ص 380 -

الخيار الثاني : قبول تلك الروايات وتوجيه الطعن للصحابة وأن أكابرهم كعمر وعائشة وابن مسعود وأبي موسى الأشعري وغيرهم ادعوا تحريف القرآن كذبا على الله عز وجل الذي تكفل بحفظ كتابه ، أو أنـهم على أحسن التقادير قد أخطؤوا في ذلك خطأ فاحشا لا عذر فيه .
وهذا الخيار أشكل من سابقه ولا يمكنهم قبوله بأي حال من الأحوال .

الخيار الثالث : الأخذ بمسلمات مذهبهم من عدالة الصحابة وعصمة البخاري ومسلم من الخطأ في كتابة المجلدات ، فينتج أن القرآن محرّف وقد أسقط منه آيات ذكرها الصحابة العدول وأخرجتها أصح الكتب فلا يمكن التشكيك بعدالة الصحابة ورميهم بالكذب والافتراء ولا يسعهم القول بعدم صحّة جميع ما في البخاري ومسلم وقد تسالموا عليه .

والإشكال في هذا الخيار واضح إذ فيه التزام بعدم صيانة القرآن من التحريف وأن التهاون والتضييع للقرآن قد حصل من الصحابة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما أدّى إلى تحريف الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وبالنتيجة سيرجع الطعن إلى الصحابة لأن الصحابة – بزعمهم- هم أول من جمع القرآن .

وعليه فلا مجال لهم مع التسليم بمبانيهم السابقة إلا أن يلتزموا بالتحريف ، فلذا اضطروا وألجـئوا على إيجاد مخرج ومنفذ شرعي يصححون به كل ما في البخاري ومسلم وتسلم به عدالة الصحابة من الخدش ، فما كان لهم إلا أن قبلوا قول الصحابة بفقدان بعض الآيات من المصحف وحيث أنه يناقض الإيمان بسلامة القرآن من التحريف صاروا لاختراع مبدأ يعالج مشكلة التعارض بين القول ان هناك آيات قرآنية لم تكتب في المصحف وبين سلامة القرآن من التحريف ، فكان مفاد هذا المبدأ – المخترع - هو نسبة نقص الآيات وإسقاطها من المصحف إلى نفس من أنزل القرآن وهو الله عز وجل !! ، فكما أن الله عز وجل أنزل آيات القرآن كذلك هو سبحانه رفع بعض الآيات منه ، فاخترع شيءٌ اسمه نسخ التلاوة وابتدع كأصلٍ يمكنهم على ضوئه الخروج من مأزق التنازل عن أي من تلك المسلمات والمباني التي نصبت إلا ليقوم على أعوادها مذهبهم ( 1 ) .

  ( 1 ) يعلم أهل السنة أن روايات الآحاد لا تجدي نفعا في المقام ، لذا لا يقال إن صحابيا قال بنسخ بعض آيات من القرآن فاقتفى أهل السنة أثره ! نعم قد يذكرون قوله كشاهد لا كدليل ، وأما لو حصل وذكروه كدليل فعناه أن أهل السنة رفعوا الشاهد الذي لا يعتمد عليه إلى مستوى الدليل المتواتر المعتمد باعتباره المخرج الوحيد لهم من تلك الخيارات المحرجة .  
 

- ص 381 -

والذي يدل على أنـهم اختراعوا نسخ التلاوة من عند أنفسهم ، هو عدم وجود أي دليل ومستند شرعي يدل على وقوع نسخ التلاوة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فهذا دليل واضح على أنه أمرٌ حادث لا أصل له .

وأما لماذا نشأ نسخ التلاوة من خصوص تلك المسلمات ، فيتضح ذلك عندما نلاحظ حال علماء أهل السنة الذين رفضوا مبدأ نسخ التلاوة ، فهؤلاء بمجرد أن تتزعزع عندهم قدسية الصحيحين أو يضعف حسن الظن الساذج بكل الصحابة واستبعاد غلطهم وخطئهم نجد أن من بين الضحايا التي تطفو على السطح هو نسخ التلاوة ، فمثلا بعض علماء السنة يرفض مبدأ نسخ التلاوة لأن قداسة الصحيحين تزلزلت عندهم ، وهي التي لم يجرأ أحد –إلا النادر- أن يقلل من شأنـها أو ينفيها ( 1 ) ، وسنذكر جملة من أقوال المنكرين لنسخ التلاوة من أهل السنة وسنجد أن هذا الرأي وهو عدم سلامة البخاري ومسلم من الخطأ واضح في كلماتـهم ، فيتضح أن هذا المسلّم أحد الركائز التي قام عليها نسخ التلاوة .

وكشاهد نذكر قول أحد علمائهم الذي لم يقنع بعصمة البخاري ومسلم حيث شنع على رواياتـهما التي تنص على وقوع التحريف في القرآن وتبرأ إلى الله منها وهذا يعني أنه لا يصحح تأويلها بأي وجه ، قال الشيخ محمود أبو رية :
" ولم يقف فعل الرواية عند ذلك بل تمادت إلى ما هو أخطر منه من ذلك حتى زعمت أن في القرآن نقصاً ولحـناً وغير ذلك مما أورد في كتب السنّة ، ولو شئنا أن نأتي به كله هنا لطال الكلام – و لكنا نكتفي بمثالين مما قالوه في نقص القرآن ، ولم نأت بهما من كتب السنة العامة بل مما حمله الصحيحان ، ورواه الشيخان البخاري ومسلم .

أخرج البخاري وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال – وهو على المنبر : إن الله بعث محمداً بالحق نبـيّا وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها . رجم رسول الله (ص) ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : ما أجد آية الرجم في كتاب الله فيضل بترك فريضة أنزلها الله - والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء . ثم إنا كنا نقرأ فيما يقرأ في كتاب الله ، (ألا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) .

  ( 1 ) وذلك لأسباب سياسية حيث كانت تـهمة الزندقة بالمرصاد لكل من تسوّل له نفسه العبث بـهذه المسلمات حتى أن بعضهم قال بابتداع كل من هوّن قدر روايات البخاري ومسلم ! قال الدهلوي في حجة الله البالغة : ( وأمّا الصحيحان فقد اتفق المحدّثون على أنّ جميع ما فيها من المتّصل المرفوع صحيح بالقطع وأنّهما متواتران إلى مصنّفيهما وأنّ كلّ من يهوّن أمرهما فهو مبتدع متّبع غير سبيل المؤمنين ).  
 

- ص 382 -

وأخرج مسلم عن أبي الأسود عن أبيه قال : بعث أبو موسى الأشعري ، إلى قراء البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم - وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول ببراءة فأنسيتها ، غير أني قد حفظت منها ( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) ، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أني حفظت منها ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ، فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة )
( 1 )

" نجتزئ بما أوردنا وهو كاف هنا لبيان كيف تفعل الرواية حتى في الكتاب الأول للمسلمين وهو القرآن الكريم ‍ ! ولا ندري كيف تذهب هذه الروايات التي تفصح بأن القرآن فيه نقص وتحمل مثل هذه المطاعن مع قول الله سبحانه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). فأيهما نصدّق ؟! اللهم إن هذا أمر عجيب يجب أن يتدبره أولو الألباب " ( 2 ) .

أما بالنسبة لعدالة الصحابة فإن مجرد احتمال خطئهم يكفي للقول ببطلان نسخ التلاوة عند بعض علمائهم ، فما ظنك لو شكك أحدهم بعدالة فلان من الصحابة الذي رويت عنه روايات التحريف ! فلا شك أنه سيرفس نسخ التلاوة برجله ويرمي به بريئا ، وهذا ما ذكره الدكتور مصطفى صادق الرافعي حيث قال في معرض استدلاله على بطلان القول بنسخ التلاوة :
" ولا يتوهمن أحد أن نسبة بعض القول إلى الصحابة نصٌ في أن ذلك المقول ( 3 ) صحيح البتة فإن الصحابة غير معصومين ، وقد جاءت روايات صحيحة بما أخطأ فيه بعضهم من فهم أشياء من القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وذلك العهد هو ما هو ، ثم بما وَهِلَ عنه بعضهم مما تحدثوا في أحاديثه الشريفة ، فأخطأوا في فهم ما سمعوا . ونقلنا في باب الرواية من تاريخ آداب العرب أن بعضهم كان يرد على بعض فيما يُشَبِّه لهم أنه الصواب خوف أن يكونوا قد وهموا .

وثبت أن عمر رضي الله عنه شك في حديث فاطمة بنت قيس ، بل شك في حديث عمار بن ياسر في التيمم لخوف

  ( 1 ) وسيأتي الكلام عنها ، بإذن الله تعالى .
( 2 ) أضواء على السنّة المحمّدية ص 256 -257 ط الأعلمي الخامسة
( 3 ) ذهاب شيء من القرآن بنسخ التلاوة .
( 4 ) غلط أو نسي .
 
 

- ص 383 -

الوهم ، مع أن عماراً ممن لا يتهم بتعمد الكذب ، ولا بالكذب وهْلةً ، لصحبته وسابقته مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولذلك أذن له عمر في رواية الحديث مع شكه هو في صحته " ( 1 ) .

وعليه فأي خدش وزعزعة لبعض مسلماتـهم كالقول بأن الصحابي لا يتكلم إلا حقا وصدقا ، أو الحكم بصحة جميع ما أخرجه البخاري ومسلم سيؤدي إلى التنازل عن مبدأ نسخ التلاوة بكل سهولة ويسر ، وكلمات من رفض نسخ التلاوة من علمائهم دالة على ذلك وستأتي بقية كلماتـهم التي تثبته إن شاء الله تعالى .

  ( 1 ) إعجاز القرآن ص 43-44 ط الاستقامة الخامسة
أقول : كلام الرافعي هنا فيه من المداراة واللف والدوران الشيء الكثير ، فالقول بأن كل تلك الموارد التي قال أكابر الصحابة بقرآنيتها كانت من باب الخطأ والاشتباه ، أمر غير معقول ، وعلى أي حال فقد حام الرافعي حول الحدود الحمراء التي حرّموا الدخول فيها وهي عدالة كل الصحابة وأن كل واحد منهم يعبر عن الواقع بقوله ، فآثر الرافعي القول بأن كل تلك الموارد التي تقدر بعدد من العشرات جاءت من باب الخطأ والسهو !!
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب