|
إعلام الخَلف
بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص
384 |
|
الأدلة
التي تنفي وقوع نسخ التلاوة :
1- مناقضته لآيات القرآن الكريم
قال العلامة السيد الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه :
" أو أن هذه الآيات - وقد دلت هذه الروايات على بلوغها
في الكثرة-كانت منسوخة التلاوة كما ذكره جمع من
المفسرين من أهل السنة حفاظاً لما ورد في بعض
رواياتـهم أن من القرآن ما أنساه الله ونسخ تلاوته .
فما معنى إنساء الآية ونسخ تلاوتـها ؟ أكان ذلك لنسخ
العمل بـها ؟! فما هي هذه الآيات المنسوخة الواقعة في
القرآن كآية الصدقة وآية نكاح الزانية والزاني وآية
العدة وغيرها ؟ وهم مع ذلك يقسمون منسوخ التلاوة إلى
منسوخ التلاوة والعمل معاً ومنسوخ التلاوة دون العمل
كآية الرجم .
أم كان ذلك لكونـها غير واجدة لبعض صفات كلام الله حتى
أبطلها الله بإمحاء ذكرها وإذهاب أثرها فلم يكن من
الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا
من خلفه ؟! ولا منـزه من الاختلاف ؟! ولا قولاً فصلاً
ولا هادياً إلى الحق وإلى طريق مستقيم ؟! ولا معجزاً
يتحدى به ؟! ولا ؟! ولا ؟! فما معنى الآيات الكثيرة
التي تصف القرآن بأنه في لوح محفوظ ، وأنه كتاب عزيز
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنه قول
فصل ، وأنه هدى ، وأنه نور ، وأنه فرقان بين الحق
والباطل ، وأنه آية معجزة ، وأنه ، وأنه ؟! فهل يسعنا
أن نقول : إن هذه الآيات على كثرتـها وإباء سياقها عن
التقييد مقيدةٌ بالبعض ؟! فبعض الكتاب فقط وهو غير
المنسي ومنسوخ التلاوة لا يأتيه الباطل وقول فصل وهدى
ونور وفرقان ومعجزة خالدة ؟!
وهل جعلُ الكلام منسوخ التلاوة ونسياً منسياً غير
إبطاله وإماتته ؟ وهل صيرورة القول النافع بحيث لا
ينفع للأبد ولا يصلح شأناً مما فسد غير إلغائه وطرحه
وإهماله ؟ وكيف يجامع ذلك كون القرآن ذكراً ؟!
فالحق أن روايات التحريف المروية من طريق الفريقين
وكذا الروايات المروية في نسخ تلاوة بعض الآيات
القرآنية مخالفة للكتاب مخالفة قطعية " ( 1 ) . انتهى
كلامه أعلى الله مقامه .
2 - السيرة النبوية مكذبة لوقوع نسخ التلاوة
اهتم الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم أشد
اهتمام بتبليغ آيات القرآن الكريم ونشرها وبثّها بين
المسلمين ، فكان يرسل الرسل والجماعات لتعليم الناس
القرآن وتعريفهم بأمور دينهم حتى
| |
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ج12ص117 ط الأعلمي
الثانية . |
|
|
أرسل إلى
اليمن وغيرها من يبلغهم القرآن ، وقصة شهداء بئر معونة
المشهورة شاهد على ذلك ، ومن باب الأمانة في التبليغ
وحذرا من التفريط في أمر الرسالة وتحرزا من عدم
تأديتها على أكمل وجه كان من المحتم على الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم بعد أن بلغ للناس آيات القرآن أن
يرسل الرسل مجددا ليبلغهم نسخها وإلغاء العمل بـها
ومنع قراءتـها الذي كان بأمر من الله عز وجل حتى
ينشغلوا عنها ويهملوا أمرها وإلا لكان تفريطا وإهمالا
منه - حاشاه - صلى الله عليه وآله وسلم .
فأين هذه الرسل
الذين أوعزت إليهم مهمة تبليغ القبائل
وإعلامهم بإلغاء الله عز وجل تلاوة بعض الآيات ونسخها
؟ ولماذا لم ينقل لنا التاريخ رواية واحدة تدل على أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث فلانا وفلانا
ليبلغوا الناس أن هناك الآيات من القرآن قد نسخت
تلاوتـها لئلا يهتموا بـها وليتركوا التنقيب عنها
ويذروا العمل بمضمونـها وقراءتـها في الصلاة ؟! ( 1 )
.
3 - عدم تعرّض علماء القرآن من الصحابة لذكر هذا الأصل
المهم
إن موضوع نسخ التلاوة ليس بالأمر الهين الذي يمكن أن
يُغفل عنه ، ولو صح نسخ تلاوة بعض الآيات لجاءت زرافات
ومجاميع من الروايات تحكيه وتؤكّد عليه ، ناهيك عن أن
علماء القرآن وخبرائه من الصحابة وأكابر قرائهم الذين
لم يذكروا هذا الأصل ولم يشيروا إليه ، وهل يعقل
اشتغال الصحابة في تحديد آخر ما نزل من القرآن ، هل هي
آية كذا أم كذا ، وما هي أول سورة نزلت في المدينة ،
وتنقضي أوقاتـهم في تحديد المنسوخ من الأحكام ، ولا
يدكون ويشتغلون في التنبيه على وقوع النسخ لتلاوة بعض
الآيات حذرا من دمجها في القرآن وأن آية الرجم مثلا لا
يجوز أن تجعل في المصحف وكذا آية الرضاع وآية الواديين
وغيرها لا يصح أن يقرأ بـها في الصلاة إلى ما هنالك من
الأحكام ؟!! ، هذا لا يعقل .
والغريب أن عكسه هو الحاصل فالصحابة جزموا أن تلك
الآيات المزعومة هي جزء من القرآن بلا أدنى إشارة
لنسخها أو رفع تلاوتـها !! بل إن بعضهم جاء شاهدا
عليها عند جمع القرآن ليلحقها في مصحف المسلمين ولم
يعترض عليه أحد بأن هذا من المنسوخ وإنما لم تقبل
شهادته لأنه كان بمفرده ! ،
| |
( 1 ) لربـما يقال إن النسخ كان بنوع من المعجزة فلا
داعي للتبليغ أو إرسال الرسل حيث تكفل الله عز وجل
بنسخها وانسائهم إياها ، ولكن هذا الكلام لو تم فإنما
يتم في المنسأ وهو غير محل كلامنا لأنا نتكلم عن نسخ
التلاوة وجريان هذا الإحتمال هنا ينفي الإحتمال نفسه !
إذ كيف ينسيهم الله إياها ومع ذلك وردت كل هذه
الروايات الحاكية لنصها ؟!! ، ناهيك عن أن هذا الدليل
ينفي وقوع المنسأ أيضا لعدم استفسار تلك القرى عما
كانوا يقرؤونه وأنسوه وهو أمر طبيبعي وقد زعمت بعض
رواياتـهم أن إثنين من الصحابة ذهبوا واستفسروا عما
أنسوه من القرآن !! ، فأين رسل القرى والقبائل أم أن
القرآن لم يتنبه لفقدانه إلا هذان ؟! ، ثم أليس من
الواجب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إخبار
الناس بأنه لا داعي للتنقيب عما أنسيتموه ؟! . |
|
|
بل إن
بعضهم ألحقها في مصحفه الخاص بين آيات القرآن وصار
يقرأ بـها في صلاته ! كما سيأتي توضيحه بإذن الله ،
فمع كل هذا لماذا لم تسمع أذن الدهر شيئا اسمه نسخ
تلاوة من مثل أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام
وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبي موسى الأشعري
وأبي الدرداء وغيرهم ؟!!
4 - مشاجرة الصحابة في تأدية النصوص القرآنية :
حدثت مشادات ومشاجرات بين الصحابة حول نفس ما ادعى أهل
السنة نسخه تلاوة ، ومع ذلك لا تجد أحدا من الصحابة
يذكر نسخ التلاوة ولو لفض النـزاع بينهم ! ، أخرج
الحاكم :
" عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه كان يقرأ : ( إذ جعل
الذين كفروا في قلوبـهم الحمية حمية الجاهلية ، ولو
حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ، فأنزل الله
سكينته على رسوله ) فبلغ ذلك عمر فاشتد عليه فبعث إليه
وهو يهنأ ناقة له ( 1 ) فدخل عليه فدعا أناساً من
أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال : من يقرأ منكم سورة
الفتح ؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم فغلظ له عمر ،
فقال له أبيّ : أأتكلم ؟ فقال تكلم ، فقال : لقد علمت
أني كنت أدخل على النبي صلى الله عليه وسم ويقرئني
وأنتم بالباب ، فإن أحببتَ أن أقرئ الناس على ما
أقرأني أقرأت ، وإلا لم أقرئ حرفاً ما حييت ! قال : بل
أقرئ الناس " ( 2 ) .
وفي الدر المنثور " أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور
وإسحاق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال :
مرّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه بغلام وهو يقرأ في
المصحف : ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه
أمهاتـهم وهو أب لهم ) فقال : يا غلام حكها ، فقال :
هذا مصحف أبيّ ! فذهب إلى أبيّ فسأله فقال : إنه كان
يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق " ( 3 ) .
وكما هو واضح لم يذكر أي من هذين الصحابيين أي شيء عن
نسخ التلاوة مع أن أهل السنة يدعون أن هذه العبارات من
منسوخ التلاوة ! ، فكان من السهل لابن الخطاب أن يفض
النـزاع وينهي المشادة بقوله ( إن هذه الآية التي
تقرؤها مما نسخت تلاوته ولا يصح لك قراءتـها في ضمن
| |
( 1 ) يدهنها بالقطران لإزالة الجرب .
( 2 ) المستدرك ج2ص225 وعلق عليه الحاكم ( هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ) ، روي في
كنـز
العمال ج2 ص 586 عن عدّة من المصادر فراجعه .
( 3 ) الدر المنثور ج5 ص 183 . |
|
|
آيات
القرآن ! ) ، فتنتهي المشكلة بلا تشاحن وغلظة وتنقيص
بأن الصفق في الأسواق شغل عمر بن الخطاب عن القرآن .
وهذه ليست المشادة الأولى والوحيدة من نوعها بين أبي
بن كعب وابن الخطاب فإن مشكلة نصوص القرآن كانت تتكرر
بينهما ولا ذكر لنسخ التلاوة في كل تلك المشادات ، ولو
كان لنسخ التلاوة وجود في الشريعة لحلت جميعها هذه
المشادات بسهولة وبكل محبة :
" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما أنا أقرأ آية
من كتاب الله عز وجل وأنا أمشي في طريق من طرق المدينة
فإذا أنا برجل يناديني من بعدي : أتبع ابن عباس ، فإذا
هو أمير المؤمنين عمر ، فقلت أتبعك على أبي بن كعب
فقال : أهو أقرأكها كما سمعتك تقرأ ؟ قلت نعم ، قال
فأرسل معي رسولاً قال اذهب معه إلى أبي بن كعب فانظر
يقرأ أبي كذلك ، قال فانطلقت أنا ورسوله إلى أبي بن
كعب قال فقلت يا أبي قرأت آية من كتاب الله فناداني من
بعدي عمر بن الخطاب اتبع ابن عباس فقلت : اتبعك على
أبي بن كعب فأرسل معي رسوله أفأنت أقرأتنيها كما قرأت
؟ قال أبي : نعم . قال فرجع الرسول إليه فانطلقت أنا
إلى حاجتي قال : فراح عمر إلى أبي فوجده … فقال : ما
حاجة أمير المؤمنين ؟ فقال عمر : يا أبيّ علام تقنط
الناس ؟ فقال أبي : يا أمير المؤمنين إني تلقيت القرآن
من تلقاء جبريل وهو رطب ، فقال عمر : تالله ما أنت
بمنته وما أنا بصابر ، ثلاث مرّات ، ثم قام فانطلق ! "
( 1 ) .
ومن المستبعد أن يخفى هذا النسخ على سيد القراء أبيّ
بن كعب وقد رووا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أمر الصحابة أن يستقرئوه القرآن ، وعلى هذا كيف يصح
قول عمر على ما روي عنه : إنا لندع من قول أبي وذاك أن
أبيا يقول لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله
عليه (وآله) وسلم وقد قال الله تعالى ما ننسخ من آية
أو ننسها ؟ ، ولماذا رضخ عمر لأبي بن كعب في تلك
المشادات حتى قال لأبي : " بل أقرئ الناس ؟! " ، هل
يخاف عمر من عرض اجتهاده الذي تفرد به أمام أبي بن كعب
الخبير بنصوص القرآن وآياته ؟!
5 - الموارد المدّعى نسخها معلولة
الموارد التي ادعوا نسخها ليس لأي رجل عاقل يحترم عقله
ادعاء نزولها من نفس المصدر الذي نزل منه القرآن ، فإن
نصوصها تصرخ بشذوذها عن القرآن وخروجها عن سبكه وحيدها
عن نظمه
| |
( 1 ) المستدرك ج2 ص 225 وعلق عليه ( هذا حديث صحيح
الإسناد ولم يخرجاه ) . |
|
|
براءته
منها ، لأن ركاكة تلك النصوص المدّعى قرآنيتها واضحة
جلية ، ومن وقع بصره ولو لمرّة واحدة على القرآن يعلم
مدى بعدها عنه ، فكيف تخفى على علماء القرآن والبلاغة
؟! ونـهيب بالقارئ المنصف أن يقايس بين هذه الجمل
المدعى نسخها وبين نصوص القرآن فيرجع البصر مرة واحدة
حتى يرى الفطور ، وأي فطور ! :
1- ( اَللّهُمّ إِنّا نَسْتَعِيْنُك وَنَسْتَغْفِرُكَ
وَ نُثْنِيْ عَلَيْكَ اَلْخَيْرَ وَلا نَكْفُرُك
وَنَخْلَعُ وَنـَــتـْرُكُ مَنْ يَفْجُرُك )
2-( اَللّهُمّ إيّاكَ نَعْبُدْ وَلَكَ نُصَلِّي وَ
نَسْجُدْ وَإِلَيْكَ نَسْعَى نَحْفِدْ نَرْجُوْ
رَحْمَتَكْ وَ نَخْشَى عَذَابَكَ اَلْجَد إِنّ
عَذَاْبَكَ بِالكُفّاْرِ مُلْحِقٌ
3-( الشَّيْخُ وَ الْشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا
فَارجمُوْهُمَا اَلْبَتَّة )
4-( أَنْ بَلّغُوْا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِيْنَا
رَبّنَا فَرَضِيَ عَنّا وَأَرْضَانَا )
5-( لَوْ كَانَ لابْنِ آدَم وَادِيَان مِنْ مَالٍ
لابتَغَى وَادِياً ثَالِثاً ، وَ لا يَمْلأ جَوْفَ
ابْنِ آدَم إلاّ التّرَاب وَيَتوبُ اللهُ عَلَى مَنْ
تَاب )
6-( إنّ ذاتَ الدّين عِنْد اللهِ الحَنفيّة
المُسْلِمَة لا اليَهُوْديّة ولا النّصْرَانِيّة مَنْ
يَعْمَل خَيْراً فَلَن يَكْفُرَه )
إن خروج تلك العبارات عن حريم القرآن بضعفها وركاكة
أسلوبـها لا مجال للنقاش فيه لمن أنصف ، وهذا قول
شيخهم الجزيري في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة :
" أما ما نقله البخاري تعليقاً من أن الذي كان في كتاب
الله و رفع لفظه دون معناه ، فهو – الشيخ والشيخة إذا
زنيا فارجموهما البتة الخ – فإنني لا أتردد في نفيه
لأن الذي يسمعه لأوّل وهلة يـجزم بأنه كلام مصنوع لا
قيمة له بجانب كلام الله الذي بلغ النهاية في الفصاحة
و البلاغة " ( 1 ) .
وعلى أي حال فإن إرداف هذه الآيات المباركة : {
ألر
كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ
لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ
اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ
وَبَشِيرٌ}(هود/1-2)
وقوله تعالى : {أَفَلاَ
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ
غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا
كَثِيرًا}(النساء/82). بعد كل جملة من تلك الجمل يوقفك
على الحقيقة الواضحة .
| |
( 1 ) كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج4ص257–259 . ط
الاستقامة السادسة . |
|
|
6 - التضارب في تحديد ماهية الموارد التي ادعي النسخ
فيها
قالوا تبعا للجصاص : " نسخ الرسم والتلاوة إنّما يكون
بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم
بالإعراض عن تلاوته وكتبه في المصحف فيندرس على
الأيّام كسائر الكتب القديمة التي ذكرها في كتابه في
قولـه {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ
إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}(الأعلى/18-19). ولا يعرف اليوم
منها شيء ثم لا يخلو ذلك من أن يكون ذلك في زمن النبي
صلى الله عليه (وآله) وسلم حتى إذا توفي لا يكون متلوّا من القرآن أو يموت وهو متلو موجود بالرسم ثم
ينسيه الله الناس ويرفعه من أذهانـهم وغير جائز نسخ
شيء من القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه (وآله)
وسلم " ( 1 ) .
وقال السرخسي بمضمونه في الأصول : " ونسخ تلاوة الكتاب
إنما يكون بغير الكتاب ، إما بأن يرفع حفظه من القلوب
، أو لا يبقى أحد ممن كان يحفظه نحو صحف إبراهيم ومن
تقدمه من الأنبياء عليهم السلام " ( 2 ) .
وواضح أن هذا التعريف غير صحيح ، فما ذكروه من مصاديق
نسخ التلاوة مازال محفوظا غير مرفوع من القلوب ولا
أنساه الله الناس !
وتنبه لذلك ابن المنادي فقال في الناسخ والمنسوخ :"
ممّا رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظه
سورتا القنوت في الوتر ، قال : ولا خلاف بين الماضين
والغابرين أنـهما مكتوبتان في المصاحف المنسوبة إلى
أبيّ بن كعب ، وأنّه ذكر عن النبي صلى الله عليه
(وآله) وسلم أنه أقرأه إياهما ، وتسمى سورتا الخلْع والحفد " ( 3 ) ، وعلى تقييد ابن المنادي لا يجب أن
يرفع الله عز وجل منسوخ التلاوة من القلوب والأذهان ،
فمنه ما يرفعه ومنه ما لا يرفعه .
ولكن الجصاص نفسه لم يقبل هذا الجمع ، فقال مخالفا
للمشهور إن ما نقل لنا من منسوخ التلاوة ليس من اللازم
أن يكون هو النص القرآني إذ لا مانع من أن تكون
الأخبار التي نقلت لنا نصوص تلك الآيات قد جاءت
بمعناها لا بعينها ، قال :
| |
( 1 ) الفصول في الأصول ج2ص253 لأبي بكر الرازي الجصاص
.
( 2 ) أصول السرخسي ج2ص75 تحقيق أبو الوفا الأفغاني ط
دار المعرفة . |
( 3 ) البرهان ج2 ص 37 . |
|
|
" تجويزنا لثبوت الخبر لا يمنع ما ذكرنا ولا ينقض
تأويلنا ، لأن الخبر لم يقتض أن يكون هذا المنقول
بعينه هو الذي كان من ألفاظ القرآن على نظامه وتأليفه
حسب ما نقلوه إلينا وليس يمتنع أن يكون ذلك قد نقلوه
على نظم آخر ونسخ ذلك النظم وأنسي من كان يحفظه ولم
ينسخ الحكم ، فنقلوه بلفظ غير اللفظ الذي كان رسم
القرآن ، حين نزوله إلى أن رفع فلا يكون هذا من القرآن
، وهذا جائز أن يفعله الله " ( 1 ) .
وكلام الجصاص لا يمكننا قبوله أنه مخالف لرأي المشهور
وعلى أي حال فهو مجرد احتمال ، وجواز نقله بالمعنى لا
يعني أنـهم نقلوه كذلك حقا ، هذا من جهة ، ومن جهة
أخرى فإن بعض الروايات ظاهرة في أن ما ذكره الصحابي هو
نص الآية ، كمثل ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي موسى
الأشعري قال : " وإنـّـا كنّـا نقرأ سورةً كنّـا
نشبِّهـها في الطّول والشّدة ببراءة ، فأنْسيتُها ،
غير أنّي قد حفظت منها : ( لو كان لابن آدم واديان من
مالٍ لابتغى وادياً ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم
إلاّ التراب ) وكنّا نقرأ سورة كنّا نشبـّـهها بإحدى
المسبِّحات فأنسيتها غير إنّي حفظت منها ( يا أيها
الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادةٌ في
أعناقكم فتُسألون عنها يوم القيامة ) " ( 2 ) .
وكذا ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب : "
فلا أحل لأحد أن يكذب عليّ إن الله بعث محمداً صلى
الله عليه (وآله) وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان
مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها
…ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : ( أن لا
ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم )
أو ( إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) " ( 3 ) .
وأمثلتها كثيرة وسنتعرض لها فيما بعد بإذنه تعالى ،
فلا مجال لدعوى النقل بالمعنى مع وضوح دلالة الروايات
على أن العبارات إنما هي نص الآيات ضبطاً وكما أنزلت
من السماء ، ونحن هنا بين احتمالين إما أن تلك
العبارات قرآن بنصها وإما أنـها ليست بقرآن وإنما
بمعناه ، فيتردد القرآن المنسوخ عند علماء أهل السنة
بين الإثبات والنفي .
| |
( 1 ) الفصول في الأصول ص 262.
( 2 ) صحيح مسلم ج3ص100 كتاب الزكاة باب كراهية الحرص
على الدنيا وبشرح النووي ج7ص139،140 وعن
المسند الجامع
ج11ص414 .
( 3 ) صحيح البخاري ج4ص122 ( باب رجم الحبلى من الزنا
) والترمذي ج4ص38ح1432 والحميدي في مسنده ج1ح25 ،
ومسلم في صحيحه ج5ص116 كتاب الحدود ( باب رجم الثيب من الزنى ). |
|
|
وبعد ذلك نجد أن ابن ظفر في الينبوع ينكر كون آية
الرجم من موارد نسخ التلاوة ! لأنـها خبر الآحاد ولا
يثبت به القرآن كما قلنا سابقا ، وإنما هي من الذي
أنساه الله عز وجل مع العلم أن آية الرجم من الأُسس
التي قامت أعواد نسخ التلاوة عليها ! ، قال :
" وإنما هذا من المنسأ لا النسخ وهما مما يلتبسان
والفرق بينهما أن المنسأ لفظه قد يسلم حكمه ويثبت أيضا
" ( 1 ) .
وقول ابن ظفر هذا من العجائب ! لأن آية الرجم ذكرت في
صحيح البخاري وغيره عن عمر فكيف تكون مما أنساه الله
عز وجل وعمر يصرح بأن نصها هو كيت وكيت وأراد إدراجها
في المصحف ؟!
ومن بعده جاء أبو بكر الباقلاني في كتابه الانتصار
ونقل عن قوم إنكار هذا الضرب لكون الأخبار فيه أخبار
آحاد ولا يجوز القطع بإنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد
لا حجة فيها ، وعليه أصبحت آية الرجم وغيرها مما أخرجه
البخاري ومسلم عند هؤلاء ليست مما نسخ تلاوته !
( 2 ) .
والأغرب من ذلك أن الجصاص نفسه - وهو مبتدع تعريف نسخ
التلاوة- أنكر كون آية الرجم من القرآن فضلا عن كونـها
من منسوخ التلاوة وكذا بقية الموارد ! هذا مع العلم أن
أهل السنة عوّلوا على تعريف الجصاص وقالوا أن آية
الرجم سيدة المنسوخ تلاوة تطبيقا لتعريف الجصاص !!
وهذا كلام الجصاص بتمامه :
" وأما ما طعن به بعض أهل الإلحاد ممن ينتحل دين
الإسلام وليس منه في شيء ثم كشف قناعه وأبدى ما كان
يضمره من إلحاده بأن القرآن مدخول فاسد النظام لسقوط
كثير منه . ويحتج فيه بما روي أن عمر رضي الله عنه قال
: إن آية الرجم في كتاب الله تعالى وسيجيء أقوام
يكذبون بالرجم وأنه كان فيه إذا زنى الشيخ والشيخة
فارجموهما البتة .
وأن أبي بن كعب قال : أن سورة
الأحزاب كانت توازي البقرة أو هي أطول وأنه كان فيها
آية الرجم وأنه كان فيها لو أن لابن آدم واديين من ذهب
لابتغى إليهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب
ويتوب الله على من تاب . وأنه روي عن أبي بكر الصديق
رضي الله عنه أنه كان يقرأ : لا ترغبوا عن آبائكم فإنه
كفر بكم . وروي عن أنس
| |
( 1 ) البرهان في علوم القرآن ج2ص167.
( 2 ) وكلامهم صحيح على مباني التي أسسها أهل السنة ،
ولكن جمهور علمائهم لم يلتزم بمقتضى قواعدهم حيث قالوا
إنـها من القرآن وقد نسخ مع أنـها أخبار آحاد !! . |
|
|
أنـهم
كانوا يقرءون : بلغوا قومنا عنا أنا لقينا ربنا فرضي
عنا وأرضانا . ونحو ذلك مما يروى أنه كان في القرآن ،
فإنه لا مطعن لملحد فيه ، لأن هذه الأخبار ورودها من
طريق الآحاد فغير جائز إثبات القرآن بـها … وعلى أن كل
خبر ذكر في سياق لفظه – أي القرآن- فليس في ظاهره دلالة
على أن المراد به أنه كان من القرآن ، مثل خبر عمر رضي
الله عنه فإن لفظه يحتمل معنيين ولا دلالة فيه على أنه
كان من القرآن لأنه قال : إن الرجم في كتاب الله قرأناه ووعيناه ، فهذا يحتمل أن يكون مراده أنه في فرض
الله كما قال تعالى : كتب الله عليكم . يعني فرضه
وكقوله تعالى… وإذا كان كذلك لم يثبت أن مراده أنه كان
من القرآن فنسخت تلاوته لأن ذلك لا يعلم إلا باستفاضة
النقل في لفظ لا يحتمل إلا معنى واحدا .
ويدل على أن مراده كان كما وصفنا ، أنه قال : لولا أن
يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبته في المصحف ،
فلو كان عنده آية من القرآن لكتبه فيه قال الناس ذلك
أو لم يقولوه فهذا يدل على أنه لم يرد بقوله إن الرجم
في كتاب الله أنه من القرآن ، وروي عنه أنه قال : إن
الرجم مما أنزل الله وسيجيء قوم يكذبون به ، وهذا
اللفظ أيضا لا دلالة فيه على أنه أراد به أنه من
القرآن لأن فيما أنزل الله تعالى قرآنا وغير قرآن ،
قال الله تعالى في وصف الرسول عليه السلام : وما ينطق
عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى .
وروي في بعض ألفاظ هذا
الحديث أنه قال : إن مما أنزل الله آية الرجم . وهذا
اللفظ لو ثبت لم يدل أيضا على أن مراده أنه كان من
القرآن ، لأن ما يطلق عليه اسم الآية لا يختص بالقرآن
دون غيره ، قال تعالى : ومن آياته خلق السموات والأرض
. ثم قال تعالى : إن في ذلك لآيات . فسمى الدلالة
القائمة مما خلق على توحيده آية فليس يمتنع أن يذكر (
آية ) الرجم وهو يعني أن ما يوجب الرجم أنزله الله على
رسوله عليه السلام بوحي من عنده .
وأيضا فإنه يحتمل أن
يكون أصل الخبر ما ذكر فيه أن مما أنزل الله ( الرجم )
ثم كان تغيير الألفاظ فيه من جهة الرواة فعبر كل منهم
بما كان عنده أنه هو المراد لأن من الرواة من يرى نقل
المعنى عنده دون اللفظ فظن بعض الرواة أنه إذا قال إنه
مما أنزل الله فقد قال إنه من القرآن وإنه آية منه
فعبر عنه ذلك . فإن قيل : فلو لم يكن عنده من القرآن
كيف كان يجوز له أن يقول ( لولا أن يقول ) الناس زاد
عمر في كتاب الله لكتبته في المصحف ، وكيف يجوز أن
يكتب في المصحف ما ليس منه ؟ قيل له : يجوز أن يكون
مراده أنه كان يكتبه في آخر المصحف ويبين مع ذلك أنه
ليس من القرآن ليتصل نقله ويتواتر الخبر به كما يتصل
نقل القرآن … وأما حديث أبي بن كعب ، فإن صحّ فهو من
المنسوخ تلاوة لا محالة .
وما روي
عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يقرأ : لا
ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم فلا دلالة فيه على أنه
كان يراه من القرآن لأن السنن وسائر كلام الناس يُقرأ
، وكذلك حديث أنس " ( 1 ) .
وهذا القول يناقض ما عليه جل بني جلدته الذين قالوا إن
آية الرجم وغيرها من القرآن ، وكيف تصح أقوال هؤلاء
العلماء من أنـها مما أنساه الله وأيضا عدم كونـها من
المنسوخ تلاوة مع أن كلام ابن الخطاب عنها واضح في
أنـها نص الآية الكريمة بل وأراد أن يدمجها في المصحف
المجموع زمن أبي بكر !
هكذا تخبط علماء أهل السنة في تحديد حقيقة نسخ التلاوة
فقالوا إن كل ما نسخ تلاوةً قد رفعه الله من الأذهان ،
وبعضهم استثنى بعض الموارد ، ورُد بأن هذا الاستثناء
لا داعي له بعد احتمال ألا تكون تلك الموارد هي نصوص
الآيات ، واعترضنا عليه بأن الدليل على خلافه قائم ،
ثم جاء منهم من أنكر كون الموارد بأجمعها من القرآن
وهم يوافقون الشيعة بذلك ، ثم استدرك البعض وقال ليست
هي من المنسوخ بل من المنسأ ، ثم جاء الجصاص -وهو من
اعتمد عليه أهل السنة في بيان حقيقة هذا النسخ
المزعوم- فأنكر أصل قرآنية تلك الجمل فضلا عن نسخها
تلاوة !
وزاد صاحب البرهان في الطنبور نغمة فقال عند كلامه عن
نسخ تلاوة آية الرجم وحديث عمر ( لولا أن يقول الناس
زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي ) :
" الظاهر قوله ( لولا أن يقول الناس…) أن كتابتها
جائزة ، وإنما منعه قول الناس ، والجائز في نفسه قد
يقوم من خارج ما يمنعه ، وإذا كانت جائزة لزم كونـها
ثابتة ، لأن هذا شأن المكتوب " ( 2 ) .
فعلى قوله يصبح من الجائز كتابتها في القرآن ودمجها
بين آياته !! ، فيعارض تعريف الجصاص لنسخ التلاوة بأنه
: " نسخ الرسم والتلاوة إنّما يكون بأن ينسيهم الله
إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته
وكتبه في المصحف فيندرس على الأيّام كسائر الكتب
القديمة ".
| |
( 1 ) الفصول في الأصول ج2ص256-261 ، وقد حذفنا منه ما
يطول المقام بذكره ، وهذا التطويل لبيان مدى استماتته
في رد دعوى من يقول إن آية الرجم المزعومة هي في الأصل
آية من آيات القرآن الكريم نسخت تلاوتـها ، وبـهذا
يتضح أن هذا الذي اعتمد علماء أهل السنة على تعريفه
لمفهوم نسخ التلاوة قد أخرج كثيرا من الآيات المزعومة
من دائرة نسخ التلاوة التي أدخلها أهل السنة !! ، بل
ويرفض كونـها قرآنا في الأصل لأنـها أخبار آحاد !!! ،
فماذا نقول لمن ينسب هذه العبارات للقرآن الكريم ويقول
هي منسوخة تلاوة وهو في الأصل معتمد على تعريف الجصّاص
من حيث لا يشعر !
( 2 ) البرهان في علوم القرآن ج2ص167. |
|
|
فكيف يجتمع جواز كتابته في المصحف مع أمر الله عز وجل
بالإعراض عن كتابته في المصحف ؟!.
ومع كل هذا التضارب كيف يوثق بشيء اسمه نسخ التلاوة ؟!
، سلمنا أنه يمكن الإيمان بشيء لا نعرف حقيقته (!!) ،
ولكن كيف نعلم أن هذه الجملة التي نسبها الصحابي
للقرآن أنـها من منسوخ التلاوة حقا ولم يأت بـها من
مخيلته ؟! ، أفتونا مأجورين .
7 - عبثية هذا القول
ذهب بعض العلماء من الفريقين إلى رفض هذا النسخ لأنـهم
ما وجدوا سببا للقول به إلا التزام أن تلك الآيات أصاب
تلاوتـها خلل ونقص في إعجازها البلاغي فكانت عوارا
يشوب القرآن ويحط من بلاغته ، لذا كان على الله عز وجل
أن يحذفها ويلغيها حتى لا يطلع الناس على الوجه الآخر
للقرآن ، وهذا الاحتمال فاسد لا يقبله مسلم ، ولو كان
هناك احتمال آخر لهذا النسخ لملنا إليه ، ولكن بقاء
الحكم ورفع التلاوة التي يجب أن تبقى شاهدة على ثبوت
الحكم يقفان سدا دون أي تأويل آخر .
فيجد العقل نفسه مرغما على رفض هذا النسخ لعبثية القول
به ، وإلا فما الحكمة من نزول آية قرآنية تشرع حكم ما
، ثم يبقى الحكم وترتفع الآية التي من شأنـها أن تكون
مستندا يثبت ذلك الحكم على مرّ العصور والزمان ؟! أليس
من مقتضى الحكمة والأصلح للشريعة أن تبقى تلك الآيات
لتحفظ أحكام الله عز وجل من النسيان وفقدان المستند !
وحيث أننا خصصنا موضعا لذكر كلمات علماء أهل السنة في
هذا المجال ، فنقتصر هنا على ما قاله السيد السبزواري
رضوان الله تعالى عليه عند تعرّضه لذكر أنواع النسخ في
القرآن فقال عند ذكره لنسخ التلاوة دون الحكم :
" واستدلوا بآية الرجم ( الشيخ والشيخة إذا زنيا
فارجموهما البتة ) فقالوا : إن هذه الآية لم يعد لها
وجود في القرآن ، مع أن حكمها ثابت . والحق عدم وقوع
هذا النوع من النسخ ، بل يعد ذلك من التحريف الذي
أجمعت الإمامية على نفيه في القرآن زيادة ونقيصة ، وما
استدلوا به أخبار آحاد معارضة بروايات أخرى كثيرة تدل
على أن الآية ليست من القرآن ، مضافاً إلى عدم وجود
المصلحة فيه إن لم تكن فيه المفسدة ".
وعن نسخ التلاوة مع الحكم قال رضوان الله تعالى عليه :
" واستدلوا على وقوعه بما ورد عن عائشة أنـها قالت :
كان في ما أنزل من القرآن ( عشر رضعات معلومات يحرمن )
ثم نسخن بخمس معلومات ،
وتوفي
رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهن في ما يقرأ من
القرآن . ويرد عليه ما أورد على النوع السابق . مع أنه
لا يتصوّر معنى معقول للنسخ في هذا النوع " ( 1 ) .
وتـهافت كلمات علماء أهل السنة
في استكشاف سبب وعلة
هذا النسخ المزعوم شاهد على ذلك ، فالقوم ما بين
متوقّف لا يخوض فيه وإنما ينقل رأي غيره فقط ، وبين
متكلف لا يخرج قوله عن التخرّص والرجم بالغيب ، وهذه
بعض منها ، وقد أدار ابن الجوزي الدوامة واجتهد برأيه
في بيان العلة ، فقال :
" إنـما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في
المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال
لطلب طريق مقطوع به ، فيسرعون بأيْسَر شيء ، كما سارع
الخليل إلى ذبح ولده بمنام والمنام أدنى طرق الوحي " (
2 ) .
وهذا الكلام سخيف ! لأمور :
1- لماذا خفيت هذه المسارعة على إمام الحنفية وإمام
المالكية وإمام الحنابلة حيث رفضوا العمل بمضمون رواية
عائشة الموجودة في صحيح مسلم الناصة على تحريم خمس
رضعات مع العلم أن هذه الرواية من موارد نسخ التلاوة
بزعمهم ؟!
2- من قال إن الله عز وجل يريد من المسلمين العمل
بالظن ؟! وقد قال تعالى {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ
إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ
الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا
يَفْعَلُونَ}(يونس/36).
3- كأنه لا يعلم أن اقتفاء أثر الظن ولو بنية المسارعة
والاستجابة لأمر الله عز وجل يوقع العلماء في أحضان
الكذابين والدجالين فإن ديدن العلماء هو التثبت في
أسانيد الأحكام الشرعية تحرزا من الكذب فيها .
ثم جاء السيوطي من بعده ليقول :" وخطر لي في ذلك نكته
حسنة ، وهو أن سببه التخفيف عن الأمة بعدم اشتهار
تلاوتـها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقياً
لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود وفيه الإشارة
إلى ندب الستر " ( 3 ) .
وهذا أسخف من سابقه ، لأمور :
| |
( 1 ) مواهب الرحمن ج1ص387 ، عند تفسير آية رقم 106 من
البقرة .
( 2 ) البرهان ج2ص37 ، الإتقان ج2ص24-25 . |
( 3 ) الإتقان ج2ص26 .
|
|
|
1- دين الله عز وجل ليس عُرضةً للنكات الحسنة ،
والمزاج لا يحدد مراد الله عز وجل !
2- عمر أراد كتابة آية الرجم في المصحف ، فكيف خفي
عليه ندب الستر فيها واكتشفها السيوطي ؟!
3- سلمنا ، ولكن هذه العلة ذكرت لخصوص آية الرجم ،
فكيف بآية الرضاع وآية واديان من ذهب وفضة ، والبقية
الباقية ؟!
فواضح أن كلماتـهم في بيان علة هذا النسخ تؤكد أن
القضية محيرة عندهم وليست بواضحة وأن المزاج كان هو
المنبع لكل وجه ، لذا اعتبر بعض العلماء من أهل السنة
والشيعة هذا النسخ عبثا لا يتصور له معنى غير أن تلك
الآيات المنسوخة فيها خلل ومنقصة بلاغية ، ولا ريب أن
التزامه يعني أن الله عز وجل فشل في صياغة بعض الآيات
البليغة فرفعها لكي لا يفتضح الأمر ، وهل يلتزم بـهذا
مسلم ؟!
8 - لا يمكن إهماله من قبل الله عز وجل
وكما قلنا سابقا فإن نسخ التلاوة أداة خطيرة يمكن أن
يسيء استعمالها أي رجل فيما بعد عصر النبي صلى الله
عليه وآله وسلم فينسب أية جملة بليغة وفصيحة للقرآن ،
ويقول هذه نسخت تلاوتـها وبقي حكمها ، لاسيما لو كان
من أمراء الجور الذين تأمروا على الناس ، فكيف يصح
قبول وقوع نسخ التلاوة في القرآن ولا يقوم النبي صلى
الله عليه وآله وسلم بتوضيح موارده ومصاديقه أو على
الأقل يبين لنا الشروط والقيود التي تنسب بـها الجمل
إلى منسوخ القرآن فما هو منه حقا يلتزم به المسلمون
وما ليس منه نضرب به عرض الجدار ؟!
بل كيف يظن عاقل
أن الله جعل القرآن مقياسا وميزانا تقاس به الأحاديث
النبوية وأمرنا بالتمسك به ومع ذلك يرفع الله عز وجل
بعض آياته ويهمل تحديد ما رفع على وجه القطع واليقين
ليكون عرضة للمتقولين ؟!
هذا الإضافة إلى أن الإعجاز
البلاغي للقرآن كان سببا لإسلام كثير من الناس ، ونسبة
أي جملة ركيكة إلى القرآن يهدم هذا الإعجاز ، فكيف
يتهاون في تشخيص تلك الموارد كي نتحرز عما يسف ببلاغة
القرآن إلى الحضيض ويكون وصمة عار على جبينه ومزلقة
لإعجازه ؟!
|