إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 397

ذكر أقوال بعض من أنكر نسخ التلاوة من أهل السنة :


وبعد أن ذكرنا أدلة تبين فساد القول برفع تلاوة بعض الآيات نرى من نافلة القول تأييد تلك الأدلة بشيء من أقوال علماء أهل السنة الذين رفضوا مبدأ نسخ التلاوة فضلا عن وقوعه في القرآن الكريم ، ونعتز بـهذه الشهادات إذ أنـها تنم عن التحرر من قيود المقدسات الموروثة والرفض لما أملاه التاريخ عليهم :

قال الجصاص :" وقالت طائفة : لا يجوز نسخ القرآن وتلاوته ولكن يجوز نسخ الحكم مع بقاء التلاوة " ( 1 ) .

قال أبو إسحاق الشيرازي : " وقالت طائفة لا يجوز نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن الحكم تابع التلاوة فلا يجوز أن يرتفع الأصل ويبقى التابع " ( 2 ) .

قال الزركشي : " وجزم شمس الأئمة السّرخسي بامتناع نسخ التلاوة مع بقاء الحكم لأن الحكم لا يثبت بدون تلاوة . وقد أورد على أثر عمر السابق كونه مما نسخ رسمه لأن القرآن لا يثبت بمثل هذا فإن من أنكر آية من القرآن كفر ، وبـمثل هذا لا يكفر فإذا لم يثبت كونه قرآنا ، فكيف يدعى نسخه ؟ والرجم ما عرف بـهذا بل بحديث ماعز . وكذلك حديث عائشة فإن القرآن لا يثبت بخبر الواحد فلا تثبت به تلاوة ما هو من القرآن وحكمه معا ، فإنا لا نعقل كونه منسوخا حتى نعقل كونه قرآناً وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد ".

وقال : " ولهذا قال صاحب المصادر : وأما نسخ التلاوة دون الحكم فوجوده غير مقطوع به ، لأنه منقول من طريق الآحاد ، كذلك نسخهما جميعاً " ( 3 ) .

  ( 1 ) الفصول في الأصول ج2ص253 .
( 2 ) اللمع في أصول الفقه ج1ص58 لأبي إسحاق الشيرازي ، وفي شرح اللمع ج1 ص 497 مسألة رقم 531 ط دار المغرب الإسلامي : ( وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز نسخ الرسم مع بقاء الحكم ، واحتجوا بأن الحكم تابع للرسم فلا يجوز أن يرتفع الرسم ويبقى الحكم ما يتبعه ).
( 3 ) البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي ج4ص104
أقول : من المسلمات أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر وكذا نسخه لأن القطعي لا يرفعه الظني ، لاحظ تكرار هذا المعنى – احتياج إثبات القرآن أو نسخه إلى التواتر - في كلماتـهم .
 
 

- ص 398 -

قال أبو جعفر النّحاس :" وأحسن ما قيل في معناه -أي معنى كلمة ( نُنسِها ) من آية النسخ : أو نتركها و نؤخّرها فلا ننسخها . ونسخٌ ثالثٌ ، وهو من نسخت الكتاب ، لم يذكر أبو عبيد إلاّ هذه الثلاثة . وذكر غيره رابعاً ، فقال : تُنـزّل الآية وتتلى في القرآن ثم تنسخ فلا تتلى في القرآن ولا تُثبّت في الخط و يكون حكمها ثابتاً .

كما روى الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال : خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : كنا نقرأ : الشيخ و الشيخة إن زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة. قال أبو جعفر : وإسناد الحديث صحيح ، إلاّ أنه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله جماعة عن جماعة و لكنّـه سنـة ثابـتـة ، وقد يقول الإنسان : كنت أقرأ كذا لغير القرآن ، والدليل على هذا أنّه قال و لولا أني أكره أن يُقال زاد عمر في القرآن لزدتـها " ( 1 ) .

قال الشوكاني : " منع قوم من نسخ اللفظ مع بقاء حكمه ، وبه جزم شمس الدين السرخسي ، لأن الحكم لا يثبت بدون دليله " ( 2 ) .

وقال الشيخ الجزيري كلاما قيما للغاية يستحق الاحترام : " أن المسلمين قد أجمعوا على أن القرآن هو ما تواتر نقله عن رسول الله عن ربّ العزة ، فكيف يمكن الحكم بكون هذا قرآنا ، خصوصًا وقد صرّح بعض أئمة المسلمين بأن لا يحوز الحكم على كتاب الله المتواتر بما ليس بمتواتر ، وعلى هذا فمن المشكل الواضح ما يذكره المحدثون من روايات الآحاد المشتملة على أن آية كذا كانت قرآناً ونسخت على أن مثل هذه الروايات قد مهّدت لأعداء الإسلام إدخال ما يوجب الشك في كتاب الله ، فمن ذلك ما روي عن ابن مسعود من أن المعوّذتين ليستا من كتاب الله من الروايات الفاسدة ، فإن معنى هذا ، التشكيك في كتاب الله المتواتر كلمة كلمة وحرفاً حرفا ، ولهذا جزم الفخر الرازي بكذب هذه الرواية ، ومن ذلك ما قيل أن آية القنوت كانت موجودة في مصحف أبّي ثم سقطت . فهذا وأمثاله من الروايات التي فيها الحكم على القرآن المتواتر بأخبار الآحاد ، فضلاً عن كونه ضار بالدين فيه تناقض ظاهر ".

ثم قال مبينا عبثية هذا النسخ :" ولكن نسخ اللفظ وبقاء معناه لم تظهر له فائدة ما معقولة ، بل قد يقال عليه ، إن نسخ الأحكام معقول لأنـها تابعة لأحوال الأمم وتطوراتـها ، فلها فائدة واضحة ، بل قد تكون الأحكام الوقتية ضرورية للأمة حديثة العهد بالتشريع أما رفع اللفظ مع بقاء

  ( 1 ) الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس ص 60-61 تحقيق د.محمد عبد السلام محمد .
( 2 ) إرشاد الفحول ص 198-190 .
 
 

- ص 399 -

معناه فإن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا اللفظ لا يناسب وضعه في هذه الجملة فلما وضع وظهر فساده حُذف ، وهذا مستحيل على الله تعالى العليم الخبير ، ومع هذا فقد يقال : أن الحكم لا بدل له من لفظ يدل عليه ، فإذا رفع اللفظ فما هو الدليل الذي يدل عليه ؟ فإن قلتم : انه دل عليه قبل رفعه . قلنا : وقد انتفت الدلالة بعد رفعه فلم يبق للحكم دليل . فإن قلتم : إن دليل الحكم اللفظ الذي يبينه به الرسول ، قلنا : إن الحكم في هذه الحالة يكون ثابتا بالحديث لا بالقرآن المنسوخ ، فالحق أن القول بجواز نسخ اللفظ مع بقاء المعنى واه ، ومع ذلك كله فأي دليل يدل على أن اللفظ نسخ وبقي معناه ؟ إنه لا دليل لا في قول عائشة–آية الرضاع– ولا في غيره " ( 1 ) .
 

قال الشيخ محمد رشيد رضا :" وقالوا إن المراد بالإنساء إزالة الآية من ذاكرة النبي صلى الله عليه وآله وقد اختلف في هذا أيكون بعد التبليغ أم قبله ؟ فقيل بعده كما ورد في أصحاب بئر معونة وقيل قبله حيت أن السيوطي روى في أسباب النـزول أن الآية كانت تنـزل على النبي صلى الله عليه وآله ليلا فينساها نـهاراً فحزن لذلك فنـزلت الآية .

قال الأستاذ الإمام ( 2 ) : ولا شك عندي في أن هذه الرواية مكذوبة وإن مثل هذا النسيان محال على الأنبياء عليهم السلام لأنـهم معصومون في التبليغ و الآيات الكريمة ناطقة بذلك كقوله تعالى {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}(القيامة/17). و قوله {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). قد قال المحدثون والأصوليون : إن من علامة وضع الحديث مخالفته للدليل القاطع عقليا كان أو نقليا كأصول الاعتقاد وهذه المسألة منها فإن هذا النسيان ينافي العصمة المجمع عليها ".
وعلّق الشيخ رشيد رضا على ما نزل في بئر معونة وهي الآية المزعومة التي ذكرناها سابقا بقوله :" وروى البخاري و غيره أنه نزل فيهم وحي منه حكاية عنهم ( بلغوا قومنا إن قد لقينا ربّنا فرضي عنا و رضينا عنه ) وليس كل وحي قرآناً فإن للقرآن أحكاماً ومزايا مخصوصة وقد ورد في السنة كثير من الأحكام مستندة إلى الوحي ولم يكن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ولا أصحابه يعدونـها قرآنا ، بل جميع ما قاله عليه السلام على أنه دين هو وحي عند الجمهور واستدلوا عليه بقوله {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى}(النجم/3-4). وأظهره الأحاديث القدسية . و من لم يفقه هذه التفرقة

  ( 1 ) كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ج 4 ص257 –259 . ط الاستقامة السادسة .
( 2 ) شيخ الأزهر الشيخ محمد عبده .
 
 

- ص 400 -

من العلماء وقعت لـهم أوهام في بعض الأحاديث رواية ودراية وزعموا أنـهـا كانت قرآناً ونسخت " ( 1 )  .

وقال الشيخ محمد الخضري بك :" أما نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فقد خالف فيه بعض المعتزلة وأجازه الجمهور محتجين بأخبار آحاد وردت في ذلك لا يمكن أن تقوم برهانًا على حصوله ( 2 ) ، وأنا لا أفهم معنى لآية أنزلها الله لتفيد حكماً ثم يرفعها مع بقاء حكمها ! لأن القرآن يقصد منه إفادته الحكم بنظمه فما هي المصلحة في رفع آية منه مع بقاء حكمها إن ذلك غير مفهوم وفي رأيي أنه ليس هناك ما يلجئني إلى القول به .

وحكى القاضي أبو بكر في ( الانتصار ) عن قوم إنكار هذا القسم لأنّ الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها " ( 3 ) .

وقال في فتح الـمنّان في نسخ القرآن :" وذهبت طائفة من العلماء إلى إنكار هذا النوع من النسخ و عدم وقوعه في كتاب الله عز وجل ، لأنّه عيب لا يليق بالشارع الحكيم ، لأنه من التصرّفات التي لا تعقل لها فائدة ، ولا حاجة إليها و تنافي حكمة الحكيم .
والحق يقال إن هذا النوع من النسخ وإن كان جائزاً عقلا ولكنّه لم يقع في كتاب الله عزّ وجل ، لأنّ هذه الروايات آحاد ، والقرآن الكريم لا يثبت بروايات الآحاد مهما كانت مكانة قائلها ، ولابد فيه من التواتر ، كما أجمع عليه العلماء قديما وحديثا . ولو أنّه صح ما قالوه لاشتهر بين الصحابة جميعاً ، ولحفظه كثير منهم أو كتبوه في مصاحفهم .

ولكن لم يرد شيء عن غير هؤلاء الرواة . فلا يمكن القطع بأنّ هذه الآيات التي ذكروها كانت مسطورة في عهد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وفي صحف كتّاب الوحي ثمّ نسخت بعد ذلك ورفعت من المصحف–كما رواه بعض الصحابة – وبقي حكمها للعمل به . وأيضاً فإن الحكم لا يثبت إلاّ من طريق النصّ ، ولم يظهر لزوال النص وحده حكمة من عمل الحكيم لأنّ الحكم ما زال قائماً لم ينسخ ، فأي فائدة في نسخ تلاوته ؟

قال : ولعلّ ما قاله سيدنا عمر بن الخطاب : ( إنا كنّا نقرأ في كتاب الله …) الكتب التي كان يحفظها هو وغيره ، من باب المبالغة في تشبيه الأحكام التي قالـها الرسول بالآيات القرآنية ، لأنّ كلاً من السنّة الصحيحة والقرآن الكريم واجب الطاعة . وقد كان من الصحابة من يكتب الحديث ليحفظه

  ( 1 ) تفسير المنار المجلد الأول ص 414-415 . ط دار المعرفة
( 2 ) لاحظ أن هناك فرقا بين الحصول أي الوقوع وبين الجواز ، وهذا سنستفيد منه فيما يأتي بإذنه تعالى .
( 3 ) أصول الفقه ص257 . ط الاستقامة الثالثة .
 
 

- ص 401 -

حتى نـهى الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم عن كتابة ما ليس بقرآن ، إلاّ ما كان في صحيفة علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه ، وهنا نستطيع أن نقول : بأنّ هذه الآية التي قالها عمر كانت أحكاما حفظها عن الرسول بألفاظ الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم ، والتعبير بأنّها آية من كتاب الله مجاز ، ولو كان ما قاله سيدنا عمر من باب الحقيقة لا المجاز " .
أقول : يقصد أن عمر بن الخطاب أخطأ في قوله أن جملة الرجم آية من كتاب الله عز وجل بل هي من السنة ، فعلى هذا الكلام عمر يرى تحريف القرآن ولكنه أخطأ في رأيه .

وقال :" ولأنّه يخالف المعقول والمنطق ، ولأن مدلول النسخ وشروطه التي اشترطها العلماء فيه لا تتوفّر ، ولأنّه يفتح ثغرة للطاعنين في كتاب الله تعالى من أعداء الإسلام الذين يتربّصون به الدوائر وينتهزون الفرصة لـهدمه وتشكيك الناس فيه ".
ثم قال في نـهاية المطاف : " وأميل إلى هذا الرأي لأنّ الصواب في جانبه . فالمنسوخ تلاوة الثابت حكماً غير موجود في كتاب الله تعالى . فالحق عدم جوازه " ( 1 ) .

وقال في كتاب مباحثٍ في علوم القرآن : " والولوع باكتشاف النسخ في آيات الكتاب أوقع القوم في أخطاء منهجيّة كان خليقاً بـهم أن يتجنّبوها لئلاّ يحملها الجاهلون حملاً على كتاب الله ( 2 ) : لم يكن يخفى على أحد منهم أن القرآنية لا تثبت إلاّ بالتواتر وأن أخبار الآحاد ظنّية لا قطعيّة ، وجعلوا النسخ في القرآن – مع ذلك – على ثلاثة أضرب : نسخ الحكم دون التلاوة ، ونسخ التلاوة دون الحكم ، ونسخ التلاوة والحكم جميعاً ، وليكثروا إن شاءوا من شواهد الضرب الأول ، فإنـهم فيه لا يمسّون النص القرآني من قريب ولا بعيد ، إذ الآية لم تنسخ تلاوتـها بل رفع حكمها لأسرار تربويّة وتشريعيّة يعلمها الله ، أما الجرأة العجيبة في الضربين الثاني والثالث الذين نسخت فيهما بزعمهم تلاوة آيات معينة إما مع نسخ أحكامها و إما دون نسخ أحكامها ، والناظر في صنيعهم هذا سرعان ما يكتشف فيه خطأً مركّبا : فتقسيم المسائل إلى أضرب إذا كان لكل ضربٍ شواهد كثيرة أو كافية على الأقل ليتيسّر استنباط قاعدة منها . وما لعشّاق النسخ إلاّ شاهد أو اثنان على كل من هذين

  ( 1 ) فتح المنان في نسخ القرآن ص224-230 للشيخ علي حسن العريض مفتّش الوعظ بالأزهر .
( 2 ) لا أظن أنه خفي على الدكتور صبحي الصالح أن الولوع في تلميع صورة الصحابة وتنـزيه ساحة الصحيحين هو السبب في اختراع هذا النسخ ، والعلة ليست هي الولوع باكتشاف النسخ في القرآن ! لأن موارد المنسوخ تلاوة ليست موجودة بين دفتي المصحف وإنما هي موجودة في الصحيحين وغيرهما .
 
 

- ص 358 -

الضربين ( 1 ) ، وجميع ما ذكروه منها أخبار أحاد ، ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها ، وبـهذا الرأي السديد أخذ ابن ظفر في كتابه الينبوع إذ أنكر عدّ هذا مما نسخت تلاوته وقال : لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن " ( 2 ) .

وقال في إعجاز القرآن : " ونحسب أن أكثر ذلك مما افترته المُلْحِدة وتزيّدت به الفئة الغالية ، وهم فِرقٌ كثيرة يختلفون فيه بغياً بينهم ، وكلهم يرجع إلى القرآن بزعمه ويرى فيه حجّته على مذهبه وبَيّنته على دعواه ، ثم أهل الزيغ والعصبية لآرائهم في الحق والباطل ، ثم ضعاف الرواة ممن لا يميّـزون أو ممن تُعارضهم الغفلة في التمييز و ذلك سواء كله ظلمات بعضها فوق بعض ، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ، وقد وردت روايات قليلة في أشياء زعموا أنـها كانت قرآنا ورفع ، على أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم كان يقرر الأحكام عن ربّه إذا لم ينـزل بـها قرآن ، لأن السنة كانت تأتي مأتاه ، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام : " أوتيت الكتاب و مثله معه " يعني السنن .

و ليس كل وحي بقرآن ، على أن ما ورد من ذلك ورد معه اضطرابـهم فيه ، وضعف وزنه في الرواية ، وأكبر ظننا أنـها روايات متأخرة من مُحْدثات الأمور ، وأن في هذه المحدثات لما هو أشد منها وأجدى بشؤمه . ولو كان من ذلك شيء في العهد الأول لرُويت معها أقوال أخرى للأئمة الأثْبات الذين كان إليهم المفزعُ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم كانوا يومئذ متوافرين ، وكلهم مُقْرِن لذلك قويّ عليه ، وكانوا يعلمون أن المِراء في القرآن كفر و رِدّة ، و أن إنكار بعضه كإنكاره جملة ، وقد أجمعوا على ما في مصحف عثمان وأعطو بَذْلَ ألسنتهم في الشهادة ، أي قوّتـها ، وما استطاعت من تصديق ونحن من جهتنا نمنع كل المنع ، ولا نعبأ أن يقال إنه ذهب من القرآن شيء ، وإن تأوّلوا ذلك وتمحلوا وإن أسندوا الرواية إلى جبريل وميكائيل ، ونعتدّ ذلك من السَّوْءة الصلْعاء التي لا يرحُضها من جاء بـها ولا يغسلها عن رأسه بعد قول الله : {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ }(فصلت/42) أفـتُرى باطلهم جاءه من فوقه إذن… ؟

  ( 1 ) ذكر في الهامش : وأما الضرب الذي نسخت تلاوته دون حكمه فشاهده المشهور ما قيل من أنه كان في سورة النور : ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله ) ، ومما يدل على اضطراب الرواية أنه جاء في صحيح ابن حبّان ما يفيد أن هذه الآية التي زعموا نسخ تلاوتـها ليست من آيات سورة النور ، وأما الضرب الذي نسخت تلاوته وحكمه معاً فشاهده المشهور في كتب الناسخ والمنسوخ ما ورد عن عائشة (رض) أنـها قالت : كان فيما أنزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، وتوفي رسول الله (ص) و هي فيما يقرأ من القرآن .اه
( 2 ) مباحث في علوم القرآن ص265-266 للدكتور صبحي الصالح .
 
 

- ص 402 -

ولا يتوهم أحد أن نسبة بعض القول إلى الصحابة نصٌ في أن ذلك المقول صحيح البتة فإن الصحابة غير معصومين ، وقد … الخ " ( 2 ) ، وذكرنا تكملة قوله فيما سبق ، فراجع .

وقال في الفرقان : " ومن أعجب العجاب ادّعاؤهم أنّ بعض الآيات قد نسخت تلاوتـها وبقي حكمها ، وهو قول لا يقول به عاقل إطلاقاً ! وذلك لأنّ نسخ أحكام بعض الآيات مع بقاء تلاوتـها أمر معقول مقبول ، حيث إنّ بعض الأحكام لم تنـزل دفعةً واحدةً ، بل نزل تدريجياًّ… أمّا ما يدّعونه من نسخ تلاوة بعض الآيات مع بقاء حكمها فأمر لا يقبله إنسان يحترم نفسه ، ويقدّر ما وهبه الله تعالى من نعمة العقل ، إذ ما هي الحكمة في نسخ تلاوة آية مع بقاء حكمها ؟! ما الحكمة من صدور قانون واجب التنفيذ ، ورفع ألفاظ هذا القانون مع بقاء العمل بأحكامه ؟! …" ( 2 ) .

قال في النسخ في القرآن الكريم :" ولابد من وقفة هنا ، عند النوع الثالث للنسخ ذكره الأصوليون ، واعتمدوا فيه على آثار لا تنهض دليلاً له ، مع أن الآيتين اللتين تتحدثان عن النسخ في القرآن الكريم لا تسمحان بوجوده إلاّ على تكلّف ومع أنه يخالف المعقول والمنطق ، ومع أن مدلول النسخ وشروطه لا تتوافر فيه . وهذا النوع هو منسوخ التلاوة باقي الحكم ، كما يعبر عنه الأصوليون . أما الآثار التي يحتجون له بـها ، وهي تنحصر في آيتي رجم الشيخ والشيخة إذا زنيا وتحريم الرضعات الخمس ، فمعظمها مروي عن عمر وعائشة رضي الله عنهما ، ونحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار عنهما ، بالرغم من ورودها في الكتب الصحاح ، فإن صحة السند لا تعني في كل الأحوال سلامة المتن ! ".

ثم قال : " على أنه قد ورد في الرواية عن عمر قوله بشأن آية حد الرجم فيما زعموا ( ولولا أن يقال زاد عمر في المصحف لكتبتها ) وهو كلام يوهم أنه لم ينسخ لفظا أيضا ، مع أنـهم يقولون إنـها منسوخة اللفظ باقية الحكم ! .

وكذلك ورد نص الآية في الروايات التي أوردته ، بعبارات مختلفة ، فواحدة منها تذكر قيد الزنا بعد ذكر الشيخ والشيخة ، وواحدة لا تذكره ، وثالثة تذكر عبارة

  ( 1 ) إعجاز القرآن للدكتور مصطفى صادق الرافعي ص42-43 ط الاستقامة الخامسة .
( 2 ) الفرقان لابن الخطيب ص 156.
( 3 ) أقول : يتّضح هنا صحّة ما ذهبنا إليه من أن روايات الصحيحين هي المحفز لإيجاد تبرير ومنفذ شرعي يحكم على ضوئه بصحة تلك الروايات مع عدم إدخال أحد الصحابة في دائرة تحريف القرآن فنـتج القول بنسخ التلاوة ، ولهذا قال المؤلف إن أدلة الوقوع تنحصر في آية الرجم التي أخرجها البخاري ، وآية الرضاع التي أخرجها مسلم ، مع أن كثيرا من الموارد موجودة في كتب أخرى ولكنه أقتصر على ذكر هاتين الروايتين لما فيهما من خصوصية عدم إمكان تكذيبهما عند جمهور علماء أهل السنة .
 
 

- ص 403 -

( نكالا من الله ) ، ورابعة لا تذكرها . وما هكذا تكون نصوص الآيات القرآنية ولو نسخ لفظها !. وفي بعض هذه الروايات جاءت بعض العبارات التي لا تتفق ومكانة عمر ولا عائشة ، مما يجعلنا نطمئن إلى اختلاقها ودسها على المسلمين .
" وفي الروايات التي تذكر أنه قال قد نسخ لفظ التحريم بخمس رضعات و بقي حكمها معمولاً به -وهي مروية عن عائشة- كثير من الاضطراب ، يحملنا على رفضها من حيث متنها . ومن ثم يبقى منسوخ التلاوة باق الحكم مجرد فرض ، لم يتحقق في واقعة واحدة ، ولـهذا نرفضه ، ونرى أنه غير معقول ولا مقبول " ( 1 ) .

ثم يتابع قائلا :" وفي الروايات التي تذكر أنه قال قد نسخ لفظ التحريم بخمس رضعات و بقي حكمها معمولاً به -وهي مروية عن عائشة رضي الله عنها- كثير من الاضطراب ، يحملنا على رفضها من حيث متنها . ومن ثم يبقى منسوخ التلاوة باق الحكم مجرد فرض ، لم يتحقق في واقعة واحدة ، ولـهذا نرفضه ، ونرى أنه غير معقول ولا مقبول " ( 2 ) .

قال في كتاب مباحث في علوم القرآن : " ذهب جمهور الفقهاء والأصوليين والمفسرين إلى أن النسخ في القرآن ينقسم إلى ثلاثة أقسام : نسخ التلاوة والحكم ، نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ، نسخ الحكم مع بقاء التلاوة .

أدلة الجمهور ومناقشتها : استدل الجمهور على وقوع النوع الأول في القرآن بقول عائشة رضي الله عنها : كان فيما أنزل الله عشر رضعات معلومات يحرمن ، فنسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهنّ مما يقرأ من القرآن .

ووجه الاستدلال أن هذا الحديث يدل بظاهره على أنه كان من القرآن النازل على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم والذي كان يردده الناس تلاوة وقراءة (عشر رضعات) ثم نسخت هذه الآية تلاوة وحكماً ب‍ (خمس معلومات) ، ثم نسخت الأخيرة قرب وفاة الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم ، ويرى– بعض الفقهاء أنـها نسخت حكماً وتلاوة ، ويرى آخرون أنـها نسخت حكماً دون التلاوة ( 3 ) فمن لم يبلغه النسخ كان يقرؤها فيما يقرأ من القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فالحكم لا يرتفع بوجود الناسخ ، بل ببلوغه ، كما يقول بعض الأصوليين ، فأهل قباء كانوا يصلون إلى البيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة . ونتساءل هل هذا الكلام - دليلاً واستدلالاً –

  ( 1 ) النسخ في القرآن الكريم د. مصطفى زيد ج1ص283–284 مسألة رقم 388 وما بعد.
( 2 ) ن.م .
( 3 ) أقول : هذا اشتباه من الكاتب والأصح أن يقول ( تلاوة دون الحكم ) لأن ما قاله هو التحريف الصريح !! ، ونحمد الله أن هذا الكاتب المحترم لم يكن شيعيا وإلا لتصيد الوهابية سهو قلمه وكان سهوه سببا لنسبة التحريف لكل أعيان الشيعة !
 
 

- ص 404 -

مسلّم ؟ يقول بعض العلماء : حديث عائشة الذي رواه مالك وغيره لا يصح الاستدلال به ، لاتفاق الجميع على أنه لا يجوز نسخ تلاوة شيء من القرآن بعد رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ولا إسقاط شيء منه . وهذا الحديث يفيد أنه سقط شيء من القرآن بعد وفاته… وهذا الخطأ الصراح .

ونقل صاحب البرهان عن بعض العلماء إنكار هذا القسم : لأن الأخبار فيه أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال قرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجّة فيها ( 1 ) ، وعلى فرض تسليم جعل الحديث السابق دليلا يصح أن يؤوّل تأويلا آخر يبعده عن دائرة الاستدلال في نظر بعض الباحثين : فقد يكون المراد من قول السيدة عائشة : (كان فيما أنزل الله) وحياً غير القرآن ، فالذي ينـزل على النبي ليس يلازم أن يكون قرآناً ، فقد يكون حديثاً نبوياً أو قدسياً ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فيما أخرج البخاري : (ألا إني أوتيت القرآن و مثله معه) ( 2 ) ولكن هذا التأويل يرده حديث عائشة في نـهاية الحديث : (وهن مما يقرأ من القرآن) إلا أن بـهذه العبارة : أن حكم تحريم الرضاع بخمس من الأحكام التي دارت على الألسنة و استقرت في النفوس مثل آيات من القرآن . وعلى كلٍ فإذا استبعدنا هذا التأويل ، فلا حرج إذا رفضنا الحديث كدليل لعدم صلاحيته.

واستدل الجمهور على وقوع النوع الثاني لما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : ( إن الله قد بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها ، فرجم رسول الله ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : ما نجد الرجم في كتاب الله ، فيضل بترك فريضة أنزلـها الله) .

ومن أدلّتهم أيضا حديث عائشة السابق ، وآية الرجم المشار إليها وهي (الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) وروى عن عمر أيضاً أنه قال في تأكيد حكمها : (لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها) . ونتساءل مرّة ثانية هل هذا الكلام – دليلاً و استدلالاً – مسلّم ؟ أما الآثار التي يحتجون بـها … - فذكر ما نقلناه سابقا - .

ثم قال : نحن مقتنعون باستبعاد الأدلة الثلاثة – أدلة ثبوت النسخ بأقسامه الثلاثة- عن دائرة الاستدلال ، ولا حرج علينا إذا ناصرنا هذا الرأي ، فالدليل متى تطرّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال وقدر رأينا كثيرا من الاحتمالات التفسيرية التي تساندها القرائن والشواهد وجهت إلى الآيات الثلاث . أما من ناحية التقسيم فنحن نعتبر منسوخ التلاوة والحكم ، ومنسوخ التلاوة دون

  ( 1 ) البرهان ج2ص39 ، راجع صحيح مسلم ج10ص30 ، ونيل الأوطار للشوكاني ج7ص116 .
( 2 ) النسخ في الشريعة الإسلامية ص 14
أقول : وهذا ما ذكرناه سابقا من معنى التنـزيل الموجود بكثرة في روايات الشيعة التي أوحت بشبهة التحريف .
 
 

- ص 405 -

الحكم من قبيل التقسيم الافتراضي ( 1 ) . أما منسوخ الحكم دون التلاوة فنحن محكومون بالمواضع القرآنية التي قال عنها العلماء إنـها أمثلة لقضايا النسخ " ( 2 ) .

القرآن نظرة عصريّة جديدة :" أما أن تنسخ التلاوة ويبقى الحكم فقد قال به بعضهم محتجاً بأنه كانت هناك آية قيل أن نصها كان (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) ولا أميل شخصياً إلى القول بـهذا الرأي و أرى أن حكم الرجم للزاني المحصن ثبت بالحديث الشريف والإجماع ، ويقول الأستاذ الخضري : ولا أفهم معنى آية أنزلها الله … ونقل ما ذكرناه سابقا ".
ثم قال :" وأزيد على ما قاله الأستاذ الخضري أنه بالنظر في هذه العبارة التي زعموا أنـها كانت آية من القرآن لا أحس بأن بـها نسج القرآن ولا روعته فقد وردت بـها كلمة (البتّة) ولا أرى أن هذه الكلمة قرآنية ، وهي لم ترد في القرآن أبداً وليس لها جمال ألفاظ القرآن واستعملت فيها كلمة الشيخ والشيخة بقصد الرجل والمرأة المتزوجة ، وهو استعمال فيه تكلّف ، فالشيخ في اللغة هو الطاعن في السن لا يلزم أن يكون المتزوج شيخاً بل كثيراً ما يكون شاباً ، وللقرآن تعبير جميل عن الرجل المتزوج أو المرأة المتزوجة وهو المحصن والمحصنة ، أما كلمة شيخ فاستعمالها في القرآن محدود بكبر السن ، وقد وردت في القرآن في ثلاث مواضع نعرضها لنبيّن اتجاه القرآن في استعمال هذه الكلمة اتجاهاً لم يختلف وهو لا شك متفق مع ذوق اللغة أو هو قدوة للاستعمال العربي السليم ، وهذه الآيات هي : {قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أ أَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا }(هود/72). {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا}(يوسف/78). {وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}(القصص/23). ومن هذا التحليل نميل إلى أنه لم يوجد نسخ للتلاوة مع بقاء الحكم " ( 3 ) .

وقال في التفسير القرآني للقرآن : " وقيل لا يقع النسخ بمعنى الرفع في قرآن نُزّل وتُلي ، ذلك أن القول بأن من القرآن ما نزّل وتلي ثم رفع بالنسخ فيه تعسّف شديد ومدخل إلى الفتنة والتخرّص . فإذا ساغ أن ينـزل القرآن ، ويتلى على المسلمين ، ثم يُرفع ، ساغ لكل مُبطل أن يقول أي قول ، ثم يدّعي له أنه كان قرآنا ثم نسخ… وهكذا تتداعى على القرآن المفتريات

  ( 1 ) وهذا التقسيم الافتراضي هو الذي ذكره علماء الشيعة في كتبهم ، وإن رفضوا وقوع نسخ التلاوة بشقيه في آيات القرآن .
( 2 ) مباحث في علوم القرآن ص 258 –264 للدكتور القصبي زلط ط. دار القلم .
( 3 ) من مقالة للدكتور أحمد شلبي في كتاب القرآن نظرة عصرية جديدة ص 154 –155 .
 
 

- ص 406 -

والتلبيسات ، ويكون لذلك ما يكون من فتنة وابتلاء . ثم من جهة أخرى ، ما حكمة هذا القرآن الذي ينـزل لأيام أو لشهور ، ثم يرفع ، فلا يتلى ولا يعرف له وجه بعد هذا ؟ أيكون ذلك الرفع بقرآن يقول للناس : إن آية كذا رفعت تلاوتـها ، فلا تجعلوها قرآناً يتلى ؟ أم أن هذا النوع من النسخ يقع بمعجزة ترفع من صدور الناس ما قد حفظوا من هذا القرآن المنسوخ ؟ وإذا رفع بتلك المعجزة ، فهل تكون معجزة أخرى يرفع بـها ما كتب بأيدي كتاب الوحي بين يدي النّبي ؟ وإذا رفع من الصدور أو من الصحف المكتوبة بمعجزة من المعجزات ، فما الذي يدلّ على أن قرآنا كان ثم رفع ؟ إن هذا القول مسرف في البعد عن مجال المنطق والعقل ! " ( 1 ) .

قال في أصول الفقه الإسلامي :" وقد حاولوا التمثيل له بما روي أنه كان فيما نزل من القرآن (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) ويريدون بالشيخ المحصن وبالشيخة المحصنة ، وبما روي عن عائشة رضي الله عنها (خمس رضعات يحرمن) وكون ذلك مما نزل من القرآن أولاً في مجال النظر .

لأن سند الأول ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : (لولا أن يقول الناس زاد عمر في المصحف لأثبتّ في حاشيته الشيخ والشيخة إذا زنيا) وهو كما يقول أبو الحسين البصري ( 2 ) لو كان ذلك قرآنا في الحال أو كان قد نسخ لم يكن ليقول ذلك فعلمنا أن ذلك سنة من النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وأراد عمر أن يخبر بتأكيده ، والثاني طريقه مضطرب أيضاً لأنه جاء في بعض رواياته (كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات يحرمن ثم نسخن بخمس رضعات يحرمن ، وتوفي رسول الله و هن فيما يقرأ من القرآن) ، فقبول ذلك يؤدي إلى الطعن في القرآن بأنه ضاع منه شيء ، و يرد هذا كفالة الله بحفظه ، وإجماع الأمة على أن القرآن الذي توفي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم عنه لم يضع منه حرف واحد . وأبعد من هذا محاولة بعض الأصوليين التمثيل لهذا النوع بالقراءة غير المتواترة .

كقراءة عبد الله بن مسعود في كفارة اليمين (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وقراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت من أم) ، لأن القراءة الغير متواترة لم يثبت قرآنيتها حتى يقال : نسخت تلاوتـها ، لأن التلاوة فرع قرآنيتها وهو غير ثابت بالاتفاق .

وإذا كانت الحكمة واضحة في نسخ الحكم دون التلاوة… فأي حكمة في نسخ التلاوة دون الحكم ؟ وإذا كانت التلاوة نسخت فأين دليل الحكم بعد نسخ التلاوة ؟ فإن قيل إنه سنة رسول الله ، قلنا : و لِمَ لا يكون الدليل من الأول هو السنة ، وأي فائدة في تكلف القول بأنه نزل

  ( 1 ) التفسير القرآني للقرآن المجلد الأول ص 122 ط . دار الفكر العربي . للشيخ عبد الكريم الخطيب .
( 2 ) المعتمد ج1 ص 429 .
 
 

- ص 407 -

قرآن ثم نسخت تلاوته وبقي حكمه ؟ و إذا كانت الآية نزلت لبيان الحكم وللإعجاز بلفظها فليس من المعقول نسخ التلاوة وبقاء الحكم ! " ( 1 ) .

قال في كتاب دراسات في علوم القرآن : " الضرب الأول : وهو ما كان منسوخ التلاوة و الحكم معاً فلا يجوز قراءته ولا العمل به … وقد حكي عن قوم آخرين أنـهم أنكروا هذا الضرب من النسخ لروايته من طريق الأخبار الآحاد . ومعلومٌ أن الأخبار الآحاد لا تصلح للقطع على إنزال قرآن أو نسخه فمثل هذا الشأن العظيم الخطير لا يثبت على القطع إلا من طريق التواتر .
الضرب الثاني : ما كان منسوخ الحكم دون التلاوة …
الضرب الثالث : ما كان منسوخ التلاوة دون الحكم … وقد أنكر قوم هذا الضرب من النسخ لكونه غير متواتر من حيث النقل والرواية . فالأخبار الواردة في نقله أخبار آحاد وهي لا تفيد القطع في الثبوت . وقضايا القرآن من حيث الإنزال و النسخ تقتضي تواتراً في الخبر ليمكن التصديق في قطع و تعيين . وقد أجمع المحققون على أن خبر الواحد لا ينسخ القرآن و لا الخبر المتواتر لأنه رفع للمقطوع به بالمظنون " ( 2 ) .

وقال في القرآن والملحدون :" أما النوع الثاني : أي المنسوخ تلاوة والباقي حكماً فلا يورد الذين يقولون به إلا الآية المسماة بآية الرجم وقد روي لـها نصان وهما هذان :
1- ( إذا زنى الشيخ و الشيخ فارجموهما البتة نكالاً من الله و الله عزيز حكيم )
2- ( الشيخ والشيخة فارجموهما إذا زنيا البتة بما قضيا من اللذة ) .
ونحن نتوقف في التسليم بـهذا النوع ونعتقد أن الأولى والله أعلم أن تكون هذه الآية نسخت حكماً وتلاوة إذا كان حقاً مما نزل ورفع . وأن الرجم في الإسلام للزاني المحصن هو حكم نبوي غير مستند إلى هذه الآية ، بدليل ما بين مدى الآية ومدى التشريع النبوي من فرق واضح فليس في الآية تفريق بين محصن وغير محصن ، وقد اختصت بالشيخ و الشيخة دون سائر الزناة " ( 3 ) .

  ( 1 ) أصول الفقه الإسلامي ص554-555 . للأستاذ محمد مصطفى شلبي أستاذ ورئيس قسم الشريعة بالجامعة العربية
أقول : روي في خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام قولها : وسيعلم التالون غبّ ما أسس الأولون .
( 2 ) دراسات في علوم القرآن د أمير عبد العزيز ط دار الفرقان الأولى .
( 3 ) القرآن والملحدون ص340 –341 محمد عزة دروزة
أقول : المؤلف لا يسلم بوقوع نسخ للتلاوة دون الحكم ، ثم يعوّل على الظن ويحتمل أنـها لو صحت تكون من باب نسخ التلاوة مع الحكم ، ومعلوم أن الظن لا يغني عن الحق شيئا ولازم احتماله أن الإسلام في بداية الأمر كان يحكم برجم الزاني والزانية غير المحصنين إذا كانا طاعنين في السن وهذا غريب ! وعلى أي حال فمرادنا ما ذهب له أوّلا من عدم التسليم بنسخ التلاوة دون الحكم .
 
 

- ص 408 -

قال في علوم القرآن : " ما نسخ تلاوته دون حكمه ومثاله آية الرجم ، فعن أمامة بن سهل أن خالته قالت : لقد قرأ لنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – آية الرجم ( الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة ) و عن أبي موسى الأشعري قال : نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها ( إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لـهم و لو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثا و لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب و يتوب الله على من تاب ) وقد أنكر قوم هذا النوع من النسخ وهو الأرجح " ( 1 ) .

قال محقق كتاب ناسخ القرآن ومنسوخه في هامش روايات نسخ التلاوة :" إن صحة الإسناد لا تستدعي صحة المتن بالضرورة … وأما مضمون هذا الحديث فإنه لا يليق بالقرآن العظيم الذي نقله الخلف عن السلف نقلا متواترا حماه من شكوك المشككين وخيالات أصحاب الأوهام المريضة لأنه الكتاب الذي تولى الرحمن حفظه فقال {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) " ( 2 ) .

قال الدكتور محمد سعاد : " لا نستطيع الاقتناع بصحة وجود المنسوخ تلاوة الثابت حكما لأن صفة القرآنية لا تثبت لنصّ إلا بدليل قطعي ، والنسخ الوارد على القطعي لا بد أن يكون قطعياً . فلابد لإثبات كون النصوص المذكورة قرآنا منسوخا من دليلين قطعيين ، أحدهما : دالّ على ثبوت القرآنية للنّص وثانيهما : دال على زوال هذه الصفة . وواحد من الدليلين لم يقم لواحد من تلك النصوص ، فلا يتم كونه قرآنا منسوخا فلا يصح عندنا في موضع الخلاف إلا القول بثبوت النسخ في الحكم دون التلاوة " ( 3 ) .

إنصافا هذه الكلمات لا يقيّم بكمها ولا بقائليها بل بما تحويه من مضامين وفكر نير ، فما أشكله هؤلاء العلماء والمشايخ والأساتذة والدكاترة من أهل السنة ووجهوه من اعتراضات على مزعومة نسخ

  ( 1 ) علوم القرآن ص100
أقول : كثير من علماء أهل السنة رفضوا الروايات التي أدعي فيها آيات غير موجودة في المصحف كآيتي الرجم والرضاع ، ولم نذكرهم ضمن من أنكر نسخ التلاوة لعدم وجود الملازمة الظاهرة ، وإن كان التدقيق يدخلهم في ضمن هؤلاء لأن رفض هذه الروايات لا يعني إلا عدم وجود وجه مقبول لها عندهم ، أي عدم قبول نسخ التلاوة ، وكثير من علماء الشيعة أخذوا بحشد كلمات علماء أهل السنة الذين طعنوا في حديث الرضاع أو حديث آية الرجم والأحاديث الأخرى وحملوا ذلك على إنكار مبدأ نسخ التلاوة ، ولكنا ابتعدنا عن هذا الأمر لأنه إنكار بالملازمة ولوجود كم هائل من علماء أهل السنة قد رفضوا نسخ التلاوة صراحة .
( 2 ) ناسخ القرآن ومنسوخه لابن الجوزي ص132.
( 3 ) صيانة القرآن من التحريف ص30 .
 
 

- ص 409 -

التلاوة لا يمكن لمن اعتقد نسخ التلاوة الإجابة عنها ، وتعتبر بمجموعها سدّا منيعا وعقبة كؤود أمام كل من يغلق عقله وفكره ويتّبع الموروثات من الماضين بلا تحقيق ولا تدقيق ، فها هو نسخ التلاوة قول متآكل الأطراف ، واضح الفساد ، ظاهر العوار لكل من تجرّد عن الهوى والتعصب والتقليد المحض لمن حاول تعمية العقول عما هرج به بعض السلف وشانوا به القرآن .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب