إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 419

ذكر بعض أقوال علمائنا الذين دونوا رفضهم لوقوع نسخ التلاوة :


بالإضافة لما مرّ سابقا من كلماتـهم رضوان الله عليهم حال كلامنا عن مدلول الآية {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}(البقرة/106). نضيف هذه الأقوال أيضا .

قال العلامة النهاوندي رحمه الله : " قد عدّ جمع من العامة من أقسام النسخ نسخ التلاوة ، وذكروا لذلك أمثلة من عبارات مرويّة من عمر وابنه عبد الله وعائشة وغيرهم من الصحابة . وهذا من الأغلاط المشهورة بينهم والعبارات المنقولة التي قالوا : إنـها من الآيات المنسوخة التلاوة لا تشبه كلمات فصحاء العرب فضلا عن آيات القرآن المجيد .

والمتأمل المنصف يقطع بأنـها مما اختلقه المنافقون لتخريب أساس الدين وتوهين الكتاب المبين ، ويؤيد ذلك بل يشهد عليه أنّه لم ينقل عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس والمعتمدين من أصحاب الرسول رضوان الله عليهم أمثال هذه الروايات مع كونـهم أعرف بآيات القرآن من غيرهم

والعجب من بعض العامة حيث أنكروا هذا القسم من النسخ ونفوا كون هذه العبارات المنقولة من القرآن مستدلا بأن الأخبار الواردة أخبار آحاد ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها مع أن العبارات الباردة المنقولة التي أكثرها رواية ما سموه آية الرجم من قولهم ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فاجلدوهما البتة بما قضيا من اللذة نكالا من الله والله عزيز حكيم ) مـمّا ينادي عند كل ذي مسكة بأنه ليس من كلام الله المنـزل للإعجاز ، بل يستفاد ممّا رواه بعضهم عن عمر أنه قال : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها يعني آية الرجم أنه لم يكن مطلعا على هذه العبارة التي سمّوها آية مع أن مقتضى كثير من رواياتـهم أنه كان يكتب آيات القرآن بشهادة شاهدين فلعل عدم اجترائه على كتابتها في القرآن

- ص 420 -

لعلم جميع الناس بأنّ مثل هذه العبارة ليس بكلام الله ولا من آيات القرآن وأنّه ليس إضافتها إلى الكتاب العزيز إلاّ فرية وبـهتان " ( 1 ) .

قال الشيخ المظفر رضوان الله تعالى عليه في أصول الفقه : " وعليه فلا يشمل النسخ الاصطلاحي المجعولات التكوينية التي بيده رفعها ووضعها بما هو خالق الكائنات . وبـهذا التعبير يشمل النسخ نسخ تلاوة القرآن الكريم على القول به باعتبار أن القرآن من المجعولات الشرعية التي ينشئها الشارع بما هو شارع "

وهذا المقطع يدل على جواز نسخ التلاوة لأن التلاوة من القرآن وكما أنه قادر على إيجاده فإنه قادر على إذهابه كالأمور التكوينية .

ثم يتابع رضوان الله عليه : " وإن كان لنا كلام في دعوى نسخ التلاوة من القرآن ليس هذا موضع تفصيله ، ولكن بالاختصار نقول : إن نسخ التلاوة في الحقيقة يرجع إلى القول بالتحريف لعدم ثبوت نسخ التلاوة بالدليل القطعي ، سواء كان نسخا لأصل التلاوة أو نسخا لـها ولما تضمنته من حكم معا ، وان كان في القرآن الكريم ما يشعر بوقوع نسخ التلاوة كقوله تعالى {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}(النحل/101)، وقوله تعالى : {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }(البقرة/106). ولكن ليستا صريحتين بوقوع ذلك ، ولا ظاهرتين ، وإنما أكثر ما تدل الآيتان على إمكان وقوعه " ( 2 ) .

وبـهذا يتضح الفرق الشاسع بين الوقوع والإمكان ، واللوازم التي تتبع القول بالوقوع دون القول بالإمكان .

قال السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه في البيان :" نسخ الحكم دون التلاوة : وقد مثلوا لذلك بآية الرجم ، فقالوا : إن هذه الآية كانت من القرآن ثم نسخت تلاوتـها وبقي حكمها وقد قدمنا لك أن القول بنسخ التلاوة هو نفس القول بالتحريف ، وأوضحنا أن مستند هذا القول أخبار آحاد وأن أخبار الآحاد لا أثر لها في أمثال هذا المقام .

فقد أجمع المسلمون على أن النسخ لا يثبت بخبر الواحد كما أن القرآن لا يثبت به والوجه في ذلك مضافا إلى الإجماع أن الأمور المهمة التي جرت العادة بشيوعها بين الناس وانتشار الخبر عنها

  ( 1 ) نفحات الرحمن ج1 ص 27-28 . نقلا عن علوم القرآن عند المفسرين ج2ص603.
( 2 ) أصول الفقه ج2ص48-49.
 
 

- ص 421 -

على فرض وجودها لا تثبت بخبر الواحد فان اختصاص نقلها ببعض دون بعض بنفسه دليل على كذب الراوي أو خطئه ، وعلى هذا فكيف يثبت بخبر الواحد أن آية الرجم من القرآن وأنـها قد نسخت تلاوتـها وبقي حكمها ؟ نعم قد تقدم أن عمر أتى بآية الرجم وادعى أنـها من القرآن فلم يقبل قوله المسلمون لأن نقل هذه الآية كان منحصرا به ولم يثبتوها في المصاحف فالتزم المتأخرون بأنـها آية منسوخة التلاوة باقية الحكم .

نسخ التلاوة والحكم : ومثلوا لنسخ التلاوة والحكم معا بما تقدم نقله عن عائشة في الرواية العاشرة من نسخ التلاوة في بحث التحريف ، والكلام في هذا القسم كالكلام على القسم الأول بعينه " ( 1 ) .

قال السيد عبد الأعلى السبزواري رضوان الله تعالى عليه في مواهب الرحمن :" وعن بعض المفسرين أن منه –أي الإزالة- قوله تعالى {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ}(الحج/52). أي يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف ، والظاهر بطلانه لتذييل الآية المباركة بقوله تعالى {ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}(الحج/52). أي يزيل ما ألقاه الشيطان وهو الباطل ويثبت الحق ، وأما نسخ التلاوة فسيأتي بطلانه إن شاء الله تعالى " ( 2 ) .

وقال العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه في تفسير الميزان : " وكيف كان فالنسخ لا يوجب زوال نفس الآية من الوجود وبطلان تحققها بل الحكم حيث علق بالوصف وهو الآية والعلامة مع ما يلحق بـها من التعليل في الآية بقوله تعالى :{ ألم تعلم} الخ ، أفاد ذلك أن المراد بالنسخ هو إذهاب أثر الآية من حيث أنـها آية أعني إذهاب كون الشيء آية وعلامة مع حفظ أصله ، فبالنسخ يزول آثره من تكليف أو غيره مع بقاء أصله وهذا هو المستفاد من اقتران قوله :{ننسها } بقوله {ما ننسخ } "  ( 3 )

وقال في مورد آخر : " أو أن هذه الآيات-وقد دلت هذه الروايات على بلوغها في الكثرة-كانت منسوخة التلاوة كما ذكره جمع من المفسرين من أهل السنة حفظاً لما ورد في بعض رواياتـهم أن من القرآن ما أنساه الله ونسخ تلاوته . فما معنى إنساء الآية ونسخ تلاوتـها ؟ أكان ذلك لنسخ العمل بـها ؟! فما هي هذه الآيات المنسوخة الواقعة في القرآن كآية الصدقة وآية نكاح الزانية والزاني

  ( 1 ) البيان 304 ط انتشارات كعبة . ( 2 ) مواهب الرحمان ج1ص446 . ( 3 ) تفسير الميزان ج1ص252 .  
 

- ص 422 -

وآية العدة وغيرها ؟ وهم مع ذلك يقسمون منسوخ التلاوة إلى منسوخ التلاوة والعمل معاً ومنسوخ التلاوة دون العمل كآية الرجم .
أم كان ذلك لكونـها غير واجدة لبعض صفات كلام الله حتى أبطلها الله بإمحاء ذكرها وإذهاب أثرها فلم يكن من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟! ولا منـزه من الاختلاف ؟! ولا قولاً فصلاً ولا هادياً إلى الحق وإلى طريق مستقيم ؟! ولا معجزاً يتحدى به ؟! ولا ؟! ولا ؟! فما معنى الآيات الكثيرة التي تصف القرآن بأنه في لوح محفوظ ، وأنه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأنه قول فصل ، وأنه هدى ، وأنه نور ، وأنه فرقان بين الحق والباطل ، وأنه آية معجزة ، وأنه ، وأنه ؟! فهل يسعنا أن نقول : إن هذه الآيات على كثرتـها وإباء سياقها عن التقييد مقيدةٌ بالبعض ؟! فبعض الكتاب فقط وهو غير المنسي ومنسوخ التلاوة لا يأتيه الباطل وقول فصل وهدى ونور وفرقان ومعجزة خالدة ؟! ، وهل جعلُ الكلام منسوخ التلاوة ونسياً منسياً غير إبطاله وإماتته ؟ وهل صيرورة القول النافع بحيث لا ينفع للأبد ولا يصلح شأناً مما فسد غير إلغائه وطرحه وإهماله ؟ وكيف يجامع ذلك كون القرآن ذكراً ؟! ، فالحق أن روايات التحريف المروية من طريق الفريقين وكذا الروايات المروية في نسخ تلاوة بعض الآيات القرآنية مخالفة للكتاب مخالفة قطعية " ( 1 ) .

قال الشيخ محمد جواد مُـغْـنية رضوان الله تعالى عليه في التفسير الكاشف :" وأما النسخ في القرآن فيمكن تقسيمه إلى أوجه ثلاثة : الأول : أن تنسخ الآية تلاوة وحكما بحيث يرتفع لفظها وحكمها . الثاني : أن تنسخ تلاوة ولا حكما أي يرتفع لفظها ويبقى حكمها . الثالث : أن تنسخ حكما لا تلاوة ، أي تتلى ولكن لا يؤخذ بظاهرها بعد النسخ والعمل بعض الوقت .
والقسم الأول والثاني لا وجود لهما لأنـهما يستلزمان النقصان وتحريف القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والقسم الثالث هو الجائز والثابت أيضا وعليه أكثر المسلمين وجمهور المفسرين وفيه كتب خاصة " ( 2 ).

ذكر الشيخ مغنية الضروب الثلاثة المتصورة للنسخ ومن ثم بين الضرب الواقع منها ، وهذا أسلوب منطقي وعلمي فالكاتب يذكر الوجوه المفروضة للمسألة ومن ثم يستثني ما يشاء ، وقد فعلنا ذلك أيضا في أول بحث نسخ التلاوة ، وكلامه الأخير رد على الوهابي (عثمان.خ) الذي نسب جهلا

  ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ج12ص117 ط الأعلمي الثانية .
( 2 ) التفسير الكاشف ج1ص169-170 ط دار العلم للملايين .
 
 

- ص 423 -

للشيخ مغنية القول بوقوع نسخ التلاوة ، ناهيك عن أن تلك النسبة نتجت من كلام للشيخ لا يدل قد قاله في تفسير مختصر !

قال السيد مصطفى الخميني رضوان الله تعالى عليه في تحريرات في الأصول : " مع ذهاب جمهور العامة إلى نسخ التلاوة ، وهو في الحقيقة يرجع إلى التحريف بالنقيصة " ( 1 ) ، والسيد رضوان الله تعالى عليه يرفض تحريف القرآن بالقطع .

وقال السيد محمدي زرندي حفظه الله في بحوث في تاريخ القرآن : " أنه إذا ثبت نسخ التلاوة عن النبي صلى الله عليه وآله فنحن نقبله ، وإن لم يثبت فاللازم هو حمل هذه الروايات على أن المراد هو أن هذه الكلمات مثل قوله (عشر رضعات) أو (خمس رضعات) هي من كلام النبي صلى الله عليه وآله لا من القرآن ، وقد اتفق مثل ذلك لبعض الصحابة كما قيل ، فقد نسب إلى أبي بن كعب أنه كتب الدعاء وهو ( اللهم إنا نستعينك ونشهد . . . الخ ) في مصحفه ، وسماه سورة الخلع والحفد ، لورود مادة هاتين الكلمتين فيه . وفي قبال هذا ما يذكرونه عن عبد الله بن مسعود من أنه قال : إن المعوذتين ليستا من القرآن ، لأن الرسول صلى الله عليه وآله كان يعوذ بـهما الحسن والحسين ، فظن أنـهما دعاء وليستا من القرآن .

وخلاصة القول : إن من الممكن أن يشتبه على البعض بعض كلام النبي ( صلى الله عليه وآله ) بالقرآن أو بالعكس ، كما حصل في الأعصار السابقة لبعضهم ، وقد حكي عن ابن عباس أنه كان يشك في بعض كلمات النبي صلى الله عليه وآله أنـها من القرآن ، وأنه قال مرة بعد نقله لحديث عنه صلى الله عليه وآله : فلا أدري أمن القرآن هو أم لا ؟ " ( 2 ) .

وقال السيد محمد باقر الحكيم حفظه الله تعالى في علوم القرآن :" الأول : نسخ التلاوة دون الحكم : ويقصد بـهذا النسخ أن تكون هناك آية قرآنية نزلت على الرسول صلى الله عليه وآله ، ثم نسخت تلاوتـها ونصها اللفظي مع الاحتفاظ بما تضمنه من أحكام . وقد مـثّلوا لهذا القسم بآية الرجم التي روي عن عمر بن الخطاب نصها : ( إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله

  ( 1 ) تحريرات في الأصول ج6ص326. ( 2 ) بحوث في تاريخ القرآن ص277.  
 

- ص 424 -

والله عزيز حكيم ) حيث قيل إنـها كانت آية في القرآن الكريم نسخت تلاوتـها مع الاحتفاظ بحكمها . وهذا القسم وان كاد يعترف به أكثر الباحثين من علماء الجمهور في علوم القرآن ، إلا أنه لا يكاد يعترينا الشك ببطلانه وعدم ثبوته في القرآن الكريم عندما ندرسه بشكل موضوعي ، وذلك لأنه :

أولا : نجد أن الاعتراف بـهذا اللون من النصوص والروايات التي أوردتـها بعض الكتب الصحيحة السنية يؤدي بنا إلى الالتزام بالتحريف ، لان منطوق هذه الروايات يصر على ثبوت هذه الآية وغيرها في القرآن الكريم حتى وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأنـها سقطت منه في المدة المتأخرة من حياته .

وثانيا : نجد أن هذه الروايات لم تصل إلينا إلا بطريق الآحاد ، ولا يجوز لنا أن نلتزم بالنسخ على أساس رواية الآحاد لإجماع المسلمين على ذلك ، مضافا إلى طبيعة الأشياء التي تحكم بضرورة شيوع الأمور المهمة بين الناس ومن هذه الأمور المهمة نسخ آية من القرآن الكريم ، فكيف يقتصر النقل فيه على خبر الآحاد ؟

الثاني : نسخ التلاوة والحكم معا : ويقصد بـهذا القسم أن تكون آية قرآنية ثابتة لفظا ومعنى في وقت من أيام الشريعة ، ثم تنسخ تلاوتـها ومضمونـها . وقد مثلوا لهذا القسم بآية الرضاعة المروية عن عائشة بـهذا النص : ( وكان فيما انزل من القرآن : وعشر رضعات يحرمن . ثم نسخن : بخمس معلومات . فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وهن فيما يقرأ من القرآن ) . ويناقش هذا القسم بنفس المناقشتين اللتين ذكرناهما في القسم الأول من النسخ " ( 1 ) .

وقال في موضع آخر من كتابه : " ظاهرة ادعاء نسخ التلاوة : ولعل من أبرز مظاهر عدم الضبط وأبعدها أثرا في القرآن الكريم هو ما يقال عن نسخ التلاوة ، حيث لا يمكن تفسير بعض النصوص التي تتحدث عن هذا النسخ -إذا أردنا أن نحسن الظن في الصحابي الذي رواها- إلا على أساس أنه كان يسمع من النبي صلى الله عليه وآله الحديث أو الدعاء فيتصوره قرآنا أو يختلط عليه الأمر بعد ذلك ، وإلا فكيف نفسر ادعاء عمر بن الخطاب آية الرجم ، أو ادعاء عائشة آية الرضاع ، مع أنـها تصرح أنـها مما مات عنه الرسول وهو يقرأ من القرآن ؟! "

  ( 1 ) علوم القرآن ص 204-206.  
 

- ص 425 -

وقال بعد ذكره لروايتي الرجم والرضاع : " وهل معنى ذلك إلا القول بتحريف القرآن أو الالتزام بعدم ضبط هؤلاء الصحابة للنص القرآني بشكل كامل " ( 1 ) .

وقال الآخر في تفسيره من وحي القرآن بعدما ذهب إلى أن الآية الكريمة تختص بمخاطبة اليهود المرجفين وتحتج عليهم بأن النسخ جائز في شريعة السماء عز وجل :
" وربما تكون الآية واردة في نطاق الأجواء الإسلامية في نسخ آيات القرآن بإزالتها حكما وتلاوة ، كما يدعيه البعض . أو تلاوة لا حكما كما يدعيه بعض آخر في آيات الرجم أو حكما لا تلاوة كما ورد في بعض الآيات التي ادعي نسخها في القرآن ، وعلى هذا فتكون الآية واردة في تبرير ذلك ، وبين أن الله بيده رفع الآيات ووضعها وإن الذي أنزل الآية قادر على أن ينـزل مثلها وأفضل منها ، ونحن لا نوافق على نسخ التلاوة مع نسخ الحكم أو بدونه لأن ذلك يؤدي إلى الالتزام بتحريف القرآن ونقصانه ، كما أنه لم يثبت إلا بخبر الواحد الذي لا يثبت النسخ به على ما هو رأي جمهور المحققين مما هو مذكور في محله " ( 2 ) .

ناهيك عن أن كثيرا من العلماء فسروا الآية بلا تطرق لموضوع نسخ التلاوة ، وكأنـهم آثروا الكلام عن المعنى الواقعي للآية لا عن الفرضيات وما أقحمه أهل السنة في تفسيرها ، وتفسير السيد الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه السابق للآية كان من هذا النحو ، وهذا مثال عليه :

قال الشيخ محمد الكرمي :" ومعنى الآية ما ننسخ من آية سماوية فيها حكم تشريعي شرع في وقته لمصلحة واقعية قامت بتشريعه أو نؤخر نسخها لأمدها الذي تنتهي عنده نأت بخير منها مما يعود لدنيا المكلف أو لآخرته أو بمثلها في الغاية وإن اختلفت عنها في الطريق ، فالناسخ قد يكون أثقل على المكلف ولازمه أن يكون أكثر ثوابا فيكون أنفع في الآخرة وقد يكون أخف عليه أنفع في دنياه وقد يكون مثله في النتيجة ولكن يختلف عنه في الطريق المنتج وتكون في كل طريق مصلحة خاصة لمن كلف بسلوك الطريق ، والرابط بين هذه الآية وما سبقها من الآيات المتعرضة لليهود أن هؤلاء يعيبون الدين الحنيف بالنسخ الذي يبلغهم عنه فدفع الله شبهتهم بـهذه الآية التي قرأت محصول تفسيرها " ( 3 ) .

  ( 1 ) ن.م ص291-292.
( 2 ) من وحي القرآن ج2ص141.
( 3 ) التفسير لكتاب الله المنير ج1ص132، ط قم .
 
 

- ص 426 -

جهل وكذب صريح !

ومع كل هذه الكلمات للمراجع والمحققين وأهل العلم من الشيعة يأتي بعض الجهلة من الوهابية ك‍ ( عثمان الخميس ) ليقول بكل جرأة في شريطه :
" جل علماء الشيعة الذين أنكروا التحريف والذين يتظاهرون أكثر الشيعة باتباعهم يقولون بنسخ التلاوة ، وهم المرتضى والطبرسي والطوسي ، كل هؤلاء قالوا بنسخ التلاوة كل هؤلاء قالوا بنسخ التلاوة ، فعلى القول بأن نسخ التلاوة تحريف فجميع الشيعة يقولون بالتحريف ، لأن كل من لم يقل بالتحريف من علماء الشيعة يقول بنسخ التلاوة ".

هكذا ! رمي للكلام على عواهنه ! ، في أول العبارة ( جل علماء الشيعة ) وفي نـهايتها ( كل علماء الشيعة ) !! أي جهل هذا ؟‍

ثم أين ذهب اعترافه مسبقا بأن السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه أنكر تحريف القرآن ونسخ التلاوة ؟! ، والكلام عن السيد الخوئي رضوان الله تعالى عليه ليس إلا إلزام له بما اعترف به مع غض الطرف عن باقي العلماء والمحققين ومراجع الطائفة رضوان الله تعالى عليه ، وقد مرت كلمات بعضهم .

ثم من قال إن قول الطوسي والطبرسي والمرتضى رضوان الله تعالى عليه ملزم للشيعة اليوم ؟! أم حسب المغفل أن الشيعة مثل الوهابية تلهج ليل نـهار ب‍ ( قال شيخ الإسلام ابن تيمية ) ! ، هذا إن سلمنا له بأن هؤلاء الأعلام رضوان الله تعالى عليهم قالوا بوقوع نسخ التلاوة لا بجوازه .

وبعد كذبه على الشيعة بأن كل من لم يقل بالتحريف منهم قد قال بنسخ التلاوة نكص على عقبيه وكر راجعا يهدم ما بناه من استدلال وينقضه كاملا ، فيقول بعد بضع جمل :
" الشيعة يوافقوننا على جواز نسخ الحكم حتى الذين يقولون بالتحريف حتى الذين لا يقولون بالتحريف ، كل الشيعة يقولون نسخ الحكم نوافق عليه ولكن ينكرون نسخ التلاوة ، ويزعمون أن أهل السنة يقولون بالتحريف لأنـهم يقولون بنسخ التلاوة ".

فها هو يقول ( كل الشيعة يقولون نسخ الحكم نوافق عليه ولكن ينكرون نسخ التلاوة ) فأي كلام نأخذ وأي كلام نترك ؟! ، ألا يعلم هؤلاء أن الكذب حبله قصير ؟!

- ص 427 -

الخاتـمة

وعلى أي حال فالشيعة اليوم من مشرق الأرض إلى مغربـها تنـزه الله عز وجل وكتابه من هذا النسخ المزعوم وهو المعتمد في بيان رأي الشيعة لأن باب الإجتهاد مفتوح عندهم ، أما جمهور علماء أهل السنة فيقولون بوقوع نسخ التلاوة ، وكما قلنا من قبل إن نسبة رأي لمذهب لا يعني إجماعهم عليه بل يكفي شهرته بينهم ، وقد ذكرنا من خالف هذا الرأي من أهل السنة .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب