إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 437

ثانيا : إخراج سورتي الفلق والناس عن حريم القرآن !


هذا نوعٌ آخر من التحريف وهو إنكار المسلّم الثابت ضرورة بإجماع المسلمين ، فبعض كبار الصحابة أنكر هذا الضروري وقال بنفي قرآنية المعوذتين ، بل ادعى نزولهما من السماء كعوذتين عوّذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بـهما الحسنين سيدي شباب أهل الجنة عليهما السلام ، وكان هذا الصحابي متجاهرا بذلك يجادل فيه أهل لا إله إلا الله الذي اجمعوا على خلافه ، بل ويحكّها من المصحف بدعوى أنـها ليست منه ! وهذا ما نصت عليه أصح الروايات عند أهل السنة وكذا ذكرته روايات الشيعة .

- ص 438 -

* من هو ابن مسعود ؟
عبد الله بن مسعود الصحابي غني عن التعريف ، ولنقتصر في الكلام عنه بما جاء في الإصابة لابن حجر : " عبد الله بن مسعود . أحد السابقين الأولين ، أسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها ولازم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وكان صاحب نعليه وحدث عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بالكثير . وآخى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بينه وبين الزبير وبعد الهجرة بينه وبين سعد بن معاذ ، وقال له في أول الإسلام : إنك لغلام معلم .

وأخرج البغوي من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال قال عبد الله : لقد رأيتني سادس ستة وما على الأرض مسلم غيرنا . وبسند صحيح عن ابن عباس قال : آخى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بين أنس وابن مسعود . وقال أبو نعيم : كان سادس من أسلم وكان يقول : أخذت من في رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم سبعين سورة .

أخرجه البخاري ، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة ذكره ابن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه ، وقال النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم : من سره أن يقرا القرآن غضا كما نزل فليقرأ على قراءة بن أم عبد . وكان يلزم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ويحمل نعليه ، وقال علقمة قال : لي أبو الدرداء أليس فيكم صاحب النعلين والسواك والوساد ، يعني عبد الله . وقال له رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : إنك على أن ترفع الحجاب وتسمع سوادي حتى أنـهاك . أخرجهما أصحاب الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم : تمسكوا بعهد ابن أم عبد .

أخرجه الترمذي في أثناء حديث ، وأخرج الترمذي أيضا من طريق الأسود بن يزيد عن أبي موسى قال : قدمت أنا وأخي من اليمن ، وما نرى ابن مسعود إلا أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم . وعند البخاري في التاريخ بسند صحيح عن حريث بن ظهير جاء نعي عبد الله بن مسعود إلى أبي الدرداء فقال : ما ترك بعده مثله " ( 1 ) .

وقد قتل على يد جلاوزة ابن عفان حينما أمر عثمان بحمله ورميه خارج المسجد فأخذ وحُمل ودُقّ بالأرض فتكسّرت أضلاعه ، ومن قبلها عزله عثمان عن عمله بعد أن كان خازنا

  ( 1 ) الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ج4ص233ت4957 .  
 

- ص 439 -

لبيت مال المسلمين في الكوفة ، وحرمه عطاءه ودفن ليلا بوصية منه لعمار رضوان الله تعالى عليه بعد أن استشهد بسبب كسره ، وكان مما أوصى به عمار أن لا يشهد عثمان جنازته وقد فعل عمار رضوان الله تعالى عليه ذلك .

* مكانة ابن مسعود من القرآن عندهم
روايات أهل السنة تصور لنا ابن مسعود القارئ الأوحدي للقرآن ، وقد اعتنى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيما اعتناء حتى أخذ ابن مسعود من فيـه صلى الله عليه وآله وسلم سبعين سورة ، وقد ذكرت رواياتـهم أن : من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن مسعود ، وذكرت أيضا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر الصحابة بأن يأخذوا القرآن من أربعة وشيخهم المتربع على عرشهم هو ابن مسعود ، وهذه من تلك الروايات :

أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر الصحابة باستقراء القرآن من أربعة أولهم ابن سعود : " قال عبد الله بن عمرو : إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لم يكن فاحشاً ولا متفحّشاً . وقال : إن احبكم إليّ أحسنكم أخلاقاً . وقال : استقرئوا القرآن من أربعة : من عبد الله بن مسعود ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل " ( 1 ) .

وفي مسلم أن ابن مسعود رد نصيحة من نصحه بالقراءة على قراءة زيد قائلا : " على قراءة من تأمروني أن أقرأ ؟! فلقد قرأت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضعاً وسبعين سورة ، ولقد عَلِم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنيّ أعلمهم بكتاب

  ( 1 ) صحيح البخاري (كتاب فضائل الصحابة ) باب مناقب عبد الله بن مسعود ج4ص199.  
 

- ص 440 -

الله ولو أعلم أن أحداً أعلم مني لرحلت إليه ، قال شقيق : فجلست في حَلَق أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما سمعت أحدا يردُّ ذلك عليه ولا يعيبه " ( 1 ) .

فتدل هذه على أن ابن مسعود لا يرى أحدا أعلم بالقرآن منه ! وهو مفاد رواية أخرى أخرجها مسلم : " والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلّا أنا أعلم حيث نزلت وما من آية إلّا أنا أعلم فيما أنزلت ولو أعلم أحدا هو أعلم بكتاب الله مني تبلغُه الإبل لركبت إليه " ( 2 ) .

  ( 1 ) صحيح مسلم ج7ص148 ، لعل شقيقا هذا لم يجلس عند معلم الكل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الإمام علي عليه السلام .
( 2 ) ن.م ، أقول : مما لا ريب فيه أن هذا الكلام باطل ، ويكاد يغلب على ظني أنـها من نسج بني أمية الذين عمدوا لفضائل وأقوال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فنسبوها لغيره من الصحابة ، والقول السابق مشهور عنه عليه السلام ، قال العلامة الأميني رضوان الله تعالى عليه في الغدير ج6ص193-195 : " … ويرفع عقيرته على صهوات المنابر بقوله سلام الله عليه : سلوني قبل أن لاتسألوني ولن تسألوا بعدي مثلي . ( أخرجه الحاكم في المستدرك ج2ص466 وصححه هو والذهبي في تلخيصه )

وقوله عليه السلام : لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى ولا سنة عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلا أنبأتكم بذلك ( أخرجه ابن كثير في تفسيره ج4ص231 من طريقين وقال : ثبت أيضا من غير وجه )

وقوله عليه السلام : سلوني والله لا تسألوني عن شئ يكون إلى يوم القيامة إلا أخبرتكم ، وسلوني عن كتاب الله فو الله ما من آية إلا وأنا أعلم أ بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل . ( أخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم ج1ص114 ، والمحب الطبري في الرياض ج2ص198 ، ويوجد في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص124 ، والإتقان ج2ص319 ، تـهذيب التهذيب ج7ص338 ، فتح الباري ج8ص485 ، عمدة القاري ج9ص167 ، مفتاح السعادة ج1ص400 )

وقوله عليه السلام : ألا رجل يسأل فينتفع وينفع جلسائه . (أخرجه أبو عمر في جامع بيان العلم ج1ص114 ، وفي مختصره ص57 )

وقوله عليه السلام : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت ، وأين أنزلت ، إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤولا . ( أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ج1ص68 ، وذكره صاحب مفتاح السعادة ج1ص400 )

وقوله عليه السلام : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله ، وما من آية إلا وأنا أعلم حيث أنزلت بحضيض جبل أو سهل أرض ، وسلوني عن الفتن فما من فتنة إلا وقد علمت من كسبها ومن يقتل فيها . ( أخرجه إمام الحنابلة أحمد وقال : روي عنه نحو هذا كثيرا ( ينابيع المودة ص 274 ) )

وقوله عليه السلام وهو على منبر الكوفة وعليه مدرعة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو متقلد بسيفه ومتعمم بعمامته صلى الله عليه واله وسلم ، فجلس على المنبر وكشف عن بطنه فقال : سلوني قبل أن تفقدوني فإنما بين الجوانح مني علم جم ، هذا سفط العلم ، هذا لعاب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم هذا ما زقني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم زقا زقا ، فو الله لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتـهم ، وأهل الإنجيل بإنجيلهم ، حتى ينطق الله التوراة والإنجيل فيقولان : صدق علي قد أفتاكم بما انزل في وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون . ( أخرجه شيخ الإسلام الحمويني في فرائد السمطين عن أبي سعيد ) وقال سعيد بن المسيب : لم يكن أحد من الصحابة يقول : سلوني . إلا علي بن أبي طالب وكان إذا سئل عن مسألة يكون فيها =>

 
 

- ص 441 -

والأهم من هذا كله أن ابن مسعود كان آخر الصحابة عهدا بالوحي وعرضة القرآن الأخيرة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولسان الرواية يقول أن ابن مسعود علم - بزعمهم - ما نُسخ وما بُدّل من الآيات ، وعليه فابن مسعود في رواياتـهم أعلم الصحابة بالقرآن ، ويحتم علينا الرجوع له في معرفة نصوصه لأن قراءته هي القراءة التي استقر عليها كتاب الإسلام ، وهي طبق الأصل من العرضة الأخيرة للقرآن إذ اختص من دون الصحابة بما نسخ وما بدل بشهادة حبر الأمة ابن عباس .

  => كالسكة المحماة ويقول :

إذا المشكلات تصدين لي * كشفت حقائقها بالنظر
فإن برقت في مخيل الصواب * عمياء لا يجتليها البصر

مقنعة بغيوب الأمور * وضعت عليها صحيح الفكر
لسانا كشقشقة الأرحبي * أو كالحسام اليماني الذكر

وقلبا إذا استنطقته الفنون*أبر عليها بواه درر
ولست بإمعة في الرجال * يسائل هذا وذاما الخبر ؟
ولكنني مذرب الأصغرين * أبين مع ما مضى ما غبر .

( أخرجها أبو عمر في العلم 2 ص 113 ، وفي مختصره ص170 ، والحافظ العاصمي في زين الفتى شرح سورة هل أتى ، والقالي في أماليه ، والحصري القيرواني في زهر الآداب ج1ص38 ،والسيوطي في جمع الجوامع كما ترتيبه ج5ص242 ، والزبيدي الحنفي في تاج العروس ج5ص268 نقلا عن الأمالي . وذكر منها البيتين الاخيرين الميداني في مجمع الأمثال ج2ص358 "اه ، وهو في تفسير القرطبي ج1ص35، فتح الباري ج8ص599 ، تـهذيب التهذيب ج7ص297، تـهذيب الكمال ج20ص487 ، الطبقات الكبرى ج2ص339 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب