إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 444

البخاري ذكر إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين في صحيحه !


ويكفينا أن إنكار ابن مسعود للمعوذتين أخرجه البخاري في صحيحه في ( باب تفسير سورة قل أعوذ برب الناس ) : " عن زر قال : سألت أبي بن كعب قلت : يا أبا المنذر ! إن أخاك ابن مسعود يقول : كذا وكذا ، فقال أبي : سألت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، فقال لي : قيل لي ، فقلت . قال : فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم " ( 2 ) .

وكما ترى فقد حاولت رواية البخاري ستر رائحة التحريف التي تزكم الأنوف ، ولكن دون جدوى لأن ما أبـهمته ب‍ (كذا وكذا) قد بيّنه كثير من علماء وحفاظ أهل السنة كما مر ، ونص على حقيقة ما في صحيح البخاري رواة الأخبار والمحدثين ، فهذا البيهقي يقول بعد ذكر هذه الرواية :
" وأنبأ أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو بكر بن إسحاق أنبأ بشر بن موسى ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا عبدة بن أبي لبابة وعاصم بن بـهدلة أنـهما سمعا زر بن حبيش يقول : سألت أبي بن كعب عن المعوذتين فقلت : يا أبا المنذر أن أخاك ابن مسعود يحكهما من المصحف ! قال :

  ( 2 ) صحيح البخاري ج4ص1904ح4693 ، ح4692.  
 

- ص 445 -

إني سألت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ، قال : فقيل لي ، فقلت . فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم . رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة وعلي بن عبد الله عن سفيان " ( 1 ) .

وكذا قال الحافظ ابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد عندما علق على الرواية السابقة : " هو في الصحيح – أي صحيح البخاري- خلا (حكهما من المصحف) ، رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح " ( 2 ) .

وكذلك علق المحدث حبيب الرحمن الأعظمي على الرواية السابقة في تحقيقه لمسند الحميدي بقوله : " أخرجه البخاري من طريق قتيبة وعلي بن المديني عن سفيان (ج8ص524) ولم يصرح بما كان يصنع ابن مسعود " ( 3 ) .

وستأتي بإذنه تعالى كلمات شراح البخاري كالكرماني والقسطلاني والعيني التي تكشف لنا حقيقة ما حاولت رواية البخاري تدليسه والستر عليه !

وابن حجر العسقلاني اعترف بـهذا التدليس والتعمية للفضيحة لكنه حاول إبعاد البخاري عن هذا التدليس والإبـهام بقوله :
" قوله ( يقول كذا وكذا ) هكذا وقع هذا اللفظ مبهما ، وكان بعض الرواة أبـهمه استعظاما له ، وأظن ذلك من سفيان فإن الإسماعيلي أخرجه من طريق عبد الجبار بن العلاء عن سفيان كذلك على الإبهام ، وكنت أظن أولا أن الذي أبهمه البخاري لأنني رأيت التصريح به في رواية أحمد عن سفيان ولفظه ( قلت لأبي : إن أخاك يحكها من المصحف )

  ( 1 ) سنن البيهقي الكبرى ج2ص394ح3851 .
( 2 ) مجمع الزوائد للهيثمي ج7ص149.
( 3 ) المسند للحميدي ج1ص185ح374.  
 

- ص 446 -

وكذا أخرجه الحميدي عن سفيان ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج ، وكأن سفيان كان تارة يصرح بذلك وتارة يبهمه " ( 1 ) .
وملخص كلام ابن حجر هو أن البخاري أخرج الرواية ولكنه لم يبهمها ، بل الراوي كان يصرح تارة ويبهم أخرى استعظاما لقول ابن مسعود ، بدليل أن الرواية وردت مبهمة عند غير البخاري أيضا وهو الإسماعيلي ، ولكنه على أي حال يعترف بأن ما أبـهم في صحيح البخاري هو إنكار ابن مسعود للمعوذتين ، وهذا كاف لنا .

ويمكن التأمل فيما أفاده ابن حجر ، لأن ما ذكره لا يبعد البخاري عن مرمى السهام ولا يكفي لرمي غير البخاري بتـهمة الإبـهام والتعمية ، لأمور :

1- ورود الرواية مبهمة عند الحافظ أبي بكر الإسماعيلي لا يعني أن الإسماعيلي لم يتّبع بذلك ابـهام البخاري ، لأن الإسماعيلي – المتأخر زمانا عن البخاري- قام بتخريج أحاديث صحيح البخاري ، وكان مفتونا به مقلدا متبعا لما في صحيح البخاري ، حتى اعترض عليه لذلك بعض معاصريه ، فيكون اتباعه وتقليده لما في الصحيح من إبـهام للرواية أمرا متوقعا جدا ( 2 ) ، فلا تجدي هذه الموافقة ، لرفع البخاري عن تـهمة التعمية .

  ( 1 ) فتح الباري ج8ص742ح4693.
( 2 ) قال الذهبي في تذكرة الحفاظ ج3ص948-949 : ( قال حمزة بن يوسف وسمعت أبا محمد الحسن بن علي الحافظ بالبصرة يقول : كان الواجب للشيخ أبي بكر أن يصنف لنفسه سننا ويختار ويجتهد فإنه كان يقدر عليه لكثرة ما كان كتب ولغزارة علمه وفهمه وجلالته وما كان ينبغي له أن يتقيد بكتاب محمد بن إسماعيل فإنه كان أجل من أن يتبع غيره ) ، ونقل أيضا : ( فكنت أخبره بما صنف –الإسماعيلي-من الكتب وجمع من المسانيد والمقلين وتـخريـجه على كتاب البخاري وجميع سيرته فيعجب من ذلك ).
 
 

- ص 447 -

2- المعروف عن البخاري أنه لم يكن يلتزم نقل الرواية كما سمعها من الراوي ، بل كان ينقل بالمعنى ( 1 ) ، وهذه المنهجية التي كان يسير عليها البخاري لا تحتم عليه نقل الرواية كما سمعها ، فاحتمال تلاعبه بـهذا المقطع ( يحكها من المصحف ) أمر وارد .

3- إن كان الاستعظام هو السبب لإبـهام الراوي لكلام ابن مسعود فلماذا كان يصرح تارة ويبهم أخرى ؟!

وعلى أي حال فإن غرضنا هنا هو إثبات تخريج البخاري لهذه الرواية في صحيحه ، سواء كان هو الذي أبـهم كلام ابن مسعود ب‍ ( كذا وكذا ) أم غيره .

فتمويه رواية البخاري لم ينطل على أحد ، ولا أدري لماذا انتخب البخاري هذه الرواية بالذات للحديث عن المعوذتين مع أنـها لا تثبت قرآنية المعوذتين بل تشكك في قرآنيتهما أكثر ؟! ، بل إن رواية البخاري تشعر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه لم يكن متيقنا من أن المعوذتين نزلتا كقرآن ! فما علمه صلى الله عليه وآله وسلم عن المعوذتين هو أنه أُمر قراءتـهما وكما تعبر الرواية ( قيل لي ، فقلت ) ، أما كونـهما مجرد كلمات للدعاء والتعوذ أم سورا قرآنية فهذا ما لا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ! ، وهذا بعينه قول كبار علماء أهل السنة مثل ابن حجر العسقلاني حيث قال في فتح الباري :
" وليس في جواب أُبـي تصريح بالمراد ، إلا أن في الإجماع على كونـهما من القرآن غنية عن تكلف الأسانيد بأخبار الآحاد " ( 2 ) .

  ( 1 ) سير أعلام النبلاء للذهبي ج12ص411 : ( وقال أحيد بن أبي جعفر والي بخارى : قال محمد بن إسماعيل يوما رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام ، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر ، فقلت له : يا أبا عبد الله بكماله ؟! قال : فسكت ) ، وهو في مقدمة فتح الباري ج1ص487 ، تغليق التعليق ج5ص417 ، تدريب الراوي ج1ص95 وصححه .
( 2 ) فتح الباري ج8ص743.
 
 

- ص 448 -

وكذا قال الإمام يوسف الحنفي أبو المحاسن : " عن زر أنه سأل أبي بن كعب عن المعوذتين وقال : إن أخاك ابن مسعود يحكهما من المصحف ! فقال أبي : سألت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال : قيل لي ( قل ) ، فقلت -أي أبي بن كعب - فنحن نقول كما قال الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم . ففي هذا الجواب لا دلالة على كونـهما من القرآن ولا نفيهما عنه " ( 1 ) .

ولا ريب أن اختيار البخاري لهذه الرواية المشينة لمقام الرسالة يعتبر نقطة سوداء مخزية تسجل على البخاري .

ولنرجع لصلب الموضوع ، اتضح إلى هنا أن الروايات صريحة في إنكار ابن مسعود لقرآنية المعوذتين ، بل إن بعضها يفيد أن موقف ابن مسعود كان معروفا ومشهورا بين الصحابة والتابعين .

  ( 1 ) معتصر المختصر ج2ص201.  
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب