إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 472

( 2 ) التحريف التفصيلي


بعد الفراغ من التحريف الإجمالي للآيات ننقل الكلام إلى التحريف التفصيلي المشتمل على جمل معينة زعم وجوه سلفهم الصالح أنـها من القرآن ، والخبير بأسلوب القرآن وسبكه يعلم سخف عاد هذه الجمل من آياته ، إذ ركاكتها ونظمها القاصر يحول دون مقارنتها مع القرآن فضلا عن كونـها منه ! ، إلاّ بحالة واحدة وهي أن الرب الذي أنزلها هو غير ربنا الذي نعرفه ، سبحانه وتعالى عما يشركون .

وقبل سرد آياتـهم المزعومة نذكّر بما أثبتناه مسبقا وهو أن التحريف بالزيادة يثبت لمن يدعي قرآنية جملة غير متواترة أو قل جملة غير قرآنية ، والتحريف بالنقيصة يلزم من يدعي رفعها ونسخها مع عدم تواتر نسخها ، وقد أثبتناه فيما سبق .

آية الرجم

قد جاءت بألفاظ عدّة وهي :
1- إذا زنيا الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم .
2- الشيخ والشيخة فارجموهما البتة بـما قضيا من اللذة .
3- إن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة .

هذه الجمل التي ألصِقت بكتاب الله كل صيغها مسودّة كئيبة يدفعها القرآن بجماله وينفيها برونق نظمه وبيانه ، ولا يكاد ينقضي عجبي من هؤلاء المحتجين على غير أهل ملّتنا بإعجاز القرآن وانقطاع البشر كلهم عن أن يأتوا بمثله ، وهم مع ذلك ينسبون له سورا وآيات لو وضعت بين آيات القرآن لكانت كالفحم بين رواصع الألماس ولجين اللؤلؤ ، وقد أشار لهذا المعنى بعض المنصفين من علماء أهل السنة كما سيأتي ذكر كلماتـهم بإذنه تعالى .

وإن كانت آية الكرسي سيدّة آي القرآن فإن آية الرجم سيدة آي التحريف حيث أخرجها البخاري في صحيحه في أكثر من موضع عن ابن الخطاب وقد ألـح عليها هذا في أكثر من موقف ومقام وأراد دمجها في المصحف الذي حاولوا إنجازه ليكون للمسلمين ملجأ – زعموا - ومصحفا رسميا للدولة في زمن أبي بكر ولكنهم فشلوا كما أوضحنا ، وحيث كان ابن الخطاب وحده لم يستطع دسها في القرآن وقد ذكرنا ذلك سابقا ، ونذّكر هنا بما أخرجه ابن اشته في المصاحف :

- ص 473 -

" عن الليث بن سعد قال : أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زيد…وإن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده " ( 1 ) .
ويا ليت محاولته اقتصرت على دسها في المصحف بل ظلت هذه الفكرة تراوده بين الحين والآخر ويتلهف لفشله في تنفيذ مخططه ، حتى قام خطيبا كاشفا عما يستره في صدره منذ أول زمن أبي بكر وزاد على ذلك أنه يريد الآن إلحاقها في القرآن ولكنه يخاف من أن يقول الناس إن ابن الخطاب زاد في كتاب الله عز وجل ! ، وهذا قول عمر : ( لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي ) ، فهو لم يكن يخاف من رب الناس في دسها في كتاب الله ، لأنه يرى أن تلك الآية من القرآن وإلحاقها فيه أمر مطلوب له عز وجل !

قال الزيلعي في نصب الراية : " قلت روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب خطب فقال : إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا من بعده ، وإني حسبت إن طال بالناس الزمان أن يقول قائل ما نجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله فالرجم حق على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا إن قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف ، وأيم الله ! لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله عز وجل لكتبتها " ( 2 ) .

وأخرج النسائي في سننه الكبرى بسند صحيح : " أخبرنا العباس بن محمد الدوري قال ثنا أبو نوح عبد الرحمن بن غزوان قال ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف قال : خطبنا عمر فقال : ثم قد عرفت أن أناسا يقولون إن خلافة أبي بكر كانت فلتة . ولكن وقى الله شرها ، وإنه لا خلافة إلا عن مشورة ( 3 ) ، وأيما رجل بايع رجلا مشورة لا

  ( 1 ) الإتقان في علوم القرآن ج1ص121، ط الحلبي .
( 2 ) نصب الراية للحنفي الزيلعي ج3ص318 ، وهي في صحيح البخاري ج 4 ص 122 ( باب رجم الحبلى من الزنا ) وص 115 ، وفي صحيح مسلم ج5ص116 كتاب الحدود ( باب رجم الثيب من الزنى ).
( 3 ) وهل كانت خلافة عمر نفسه عن مشورة ؟! لا طبعا ، فإن أبا بكر هو الذي استخلفه بلا مشورة المسلمين بل كان بعض الصحابة معارضا استخلاف أبي بكر لعمر لأنه عتي وفظ وغليظ !! ، ففي فضائل الصحابة لابن حنبل ج1ص337ح 485بتحقيق وصي الله بن محمد عباس : ( قال حدثني القاسم بن محمد ثم ان أسماء بنت يزيد أخبرته أن رجلا من المهاجرين دخل على أبي بكر حين اشتكى وجعه الذي توفي فيه ، فقال : يا أبا بكر أذكرك الله واليوم الآخر ! فإنك قد استخلفت عن الناس رجلا فظا غليظا ، يزع الناس ولا سلطان لهم ، وان الله سائلك ! . فقال : أجلسوني . فأجلسناه . فقال : أبالله تخوفوني ؟ إني أقول اللهم أني استخلفت عليهم خيرهم ). علق عليه =>
 
 

- ص 474 -

يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا . قال شعبة : قلت لسعد : ما تغرة أن يقتلا ؟ قال : عقوبتهما أن لا يؤمر واحد منهما . ويقولون : والرجم ؟ وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا وأنزل الله في كتابه ، ولولا أن الناس يقولون زاد في كتاب الله لكتبته بخطي حتى ألحقه بالكتاب " ( 1 ) .

" أخبرني الحسين بن إسماعيل بن سليمان قال ثنا حجاج بن محمد عن شعبة عن سعد بن إبراهيم قال سمعت عبيد الله بن عبد الله يحدث عن بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف قال : ثم حج عمر فأراد أن يخطب الناس خطبته ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : أنه قد اجتمع عندك رعاع الناس وسفلتهم فأخر ذلك حتى تأتي المدينة . قال : فلما قدم المدينة دنوت قريبا من المنبر ، فسمعته يقول :

  => المحقق : ( الأثر صحيح ، فقد أخرجه ابن سعد ... هذا إسناد حسن . وبإسناد آخر ... وفيه فدخل عليه علي وطلحة فقالا من استخلفت .. نحوه . هذا أيضا إسناد حسن . وأخرجه عبد الرزاق في المصنف .... وإسناده صحيح ).

وقال ابن حجر العسقلاني في تلخيص الحبير ج4ص44-45 : ( حديث أن أبا بكر عهد إلى عمر هو صحيح مشهور في التواريخ الثابتة وفي البخاري عن ابن عمر أن عمر قال : إني إن استخلف فقد أستخلف من هو خير مني يعني أبا بكر الحديث . ولمسلم مثله والبيهقي من طريق بن أبي مليكة عن عائشة قالت : لما ثقل أبي دخل عليه فلان وفلان ، قالوا : يا خليفة رسول الله ! ماذا تقول لربك غدا إذا قدمت عليه وقد استخلفت علينا ابن الخطاب ... الحديث ).

المصنف لعبد الرزاق ج5ص449ح 9764 : ( عبدالرزاق عن معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد عن أسماء بنت عميس قالت : دخل رجل من المهاجرين على أبي بكر رحمه الله وهو شاكٍ ، فقال : استخلفت عمر ؟! وقد كان عتا علينا ولا سلطان له ! فلو قد ملكنا لكان أعتى علينا وأعتى !! فكيف تقول لله إذا لقيته ؟! فقال أبو بكر : أجلسوني . فأجلسوه . فقال : هل تفرقني إلا بالله فإني أقول إذا لقيته استخلفت عليهم خير أهلك قال معمر فقلت للزهري ماقوله خير أهلك قال خير أهلك مكة ).

وعن مصنف ابن أبي شيبة ج7ص434 ح7056 ( حدثنا وكيع وابن إدريس عن إسماعيل بن أبي خالد عن زبيد بن الحارث –الحافظ الثقة- أن أبا بكر حين حضره الموت أرسل إلى عمر يستخلفه فقال الناس : تستخلف علينا فظا غليظا !! ولو قد ولينا كان أفظ وأغلظ !! فما تقول لربك إذا لقيته وقد استخلفت علينا عمر؟!!! قال أبو بكر : أبربي تخوفونني ... )

ح37057 : ( حدثنا وكيع بن الجراح – ثقة حافظ - عن إسماعيل بن أبي خالد – ثقة ثبت - عن قيس بن أبي حازم - ثقة ثبت - قال : رأيت عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو يجلس الناس ، ويقول : اسمعوا لقول خليفة رسول الله ! قال : فجاء مولى لأبي بكر يقال له شديد بصحيفة فقرأها على الناس ، فقال : يقول أبو بكر : اسمعوا وأطيعوا لمن في هذه الصحيفة ، فوالله ما ألوتكم ! قال قيس : فرأيت عمر بن الخطاب بعد ذلك على المنبر ) .

وفي سنن الترمذي ج4ص502ح 2225( حدثنا يحيى بن موسى حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال قيل لعمر بن الخطاب : ثم لو استخلفت ؟ قال : إن أستخلف فقد استخلف أبو بكر ...) وعلق عليه الترمذي : ( وفي الحديث قصة وهذا حديث صحيح قد روي وجه عن بن عمر ).

أقول : فإن كانت الخلافة لا تصح إلا عن مشورة فلا خلافة لعمر ، وتأمره على الناس كان بغير حق هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فإن حكمه بقتل من بايع رجلا من غير مشورة وقتل المبايع له يلزم منه هدر دمه ودم أبي بكر عندما بايعه عمر في سقيفة بني ساعدة وقال له ( ابسط يدك يا أبا بكر ) بلا مشورة وقبل أن ينقضي الإختلاف ويهدأ اللغط الذي دار بينهم كما أخرجه البخاري في صحيحه ج6ص2506 : ( فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ! فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف ، فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته ) ، فعند هذه اللحظة يهدر دم عمر وأبي بكر ، على فقه عمر نفسه .
( 1 ) السنن الكبرى ج4ص272ح7151.

 
 

- ص 475 -

إني قد عرفت أن ناسا يقولون إن خلافة أبي بكر كانت فلتة . وأن الله وقى شرها ، إنه لا خلافة إلا عن مشورة ولا يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا ، وأن ناسا يقولون : ما بال الرجم وإنما في كتاب الله الجلد ؟ وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، ولولا أن يقولوا أثبت في كتاب الله ما ليس فيه لأثبتها كما أنزلت " ( 1 ) .

وقد قال عمر من قبل أنـها ذهبت بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " عن ابن عباس قال : أمر عمر بن الخطاب مناديا فنادى : إن الصلاة جامعة. ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس لا تخدعن عن آية الرجم فإنـها آية نزلت في كتاب الله وقرأناها ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد " ( 2 ) .

  ( 1 ) السنن الكبرى ج4ص273ح7154 .
( 2 ) المصنف للصنعاني ج7ص345ح13329 ، وعن الدر المنثور ج5ص179

أقول : قد يقال بأن عمر قال ذلك على المنبر فسكوت الصحابة عنه دليل على صحته ! ، وهذا ليس بشيء لأن السكوت أعم من الإنكار هذا أولا ، ثم لا دليل على أن الجميع قد شهد الحادثة ، ولو كان هذا كافيا حقا لاستطاع دمجها في المصحف لأنه يحتاج إلى شاهد آخر حتى تدمج ولو كانت دعواه محل إقرار الجميع لما رده زيد بن ثابت مسبقا ! ، ناهيك عن أن المتكلم هو صعب المراس الفضّ الغليظ -كما صرّحت به رواية البخاري في قول الجواري لعمر ( أنت أفض وأغلظ )- وصاحب المقرعة والمخفقة والدرّة والعراجين !

حتى أن ابن عباس كان ينتظر أوقات اعتدال مزاجه ليتسنى له الكلام معه ويصارحه مع تقديم المقدمات الطوال ، وقد كانت كلماته نافذة على أبي بكر في خلافته ويلغي أوامره ويحل ويعقد بمرأى منه ومسمع ولا ينكر عليه ، بل وتطاول على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في الحديبية ، وفي صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على عبد الله بن أبي سلول وودع النبي صلى الله عليه وآله وهو على فراش المرض بالطعن في عقله الشريف حينما اتـهمه بالهجر والهذيان والعياذ بالله وغيرها من الموارد

فليس من العجيب أن يفضل البعض – من كان حاضرا وسمع قول عمر- الاعتراض عليه وهو من لم يعرف إلا لغة الضرب والجلد لمن أراد أن يتفقه في دينه خاصة علوم القرآن !!

فهاك فعله بمن أراد أن يطلب معاني مفردات القرآن :
ففي الدر المنثور
ج2 ص7-8 : ( أخرج الدارمي في مسنده ونصر المقدسي في الحجة عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل ، فقال من أنت ؟ فقال أنا عبد الله صبيغ ، فقال : وأنا عبد الله عمر ! فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه حتى دمى رأسه فقال : يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي ) ،

وكذا ( أخرج الدارمي عن نافع أن صبيغا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر فبعث به عمرو بن العاصي إلى عمر بن الخطاب فلما أتاه أرسل عمر إلى رطائب من جريد فضربه بـها حتى ترك ظهره دبره ثم تركه حتى برئ ثم عادله ثم تركه حتى برئ فدعا به يعود له ، فقال صبيغ : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا وان كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت فأذن له إلى أرضه وكتب إلى أبي موسى الأشعرى أن لا يجالس أحدا من المسلمين )

وكذا : ( أخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس أن عمر بن الخطاب جلد صبيغا الكوفي في مسألة عن حرف من القرآن حتى اطردت الدماء في ظهره )

وكذا : ( وأخرج ابن الأنبارى في المصاحف ونصر المقدسى في الحجة وابن عساكر عن السائب بن يزد أن رجلا قال : قال لعمر إني مررت برجل يسأل عن تفسير مشكل القرآن ، فقال عمر اللهم أمكني منه ! فدخل الرجل يوما على عمر فسأله ، فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده ، ثم قال : ألبسوه تبانا ، واحملوه على قتب ، وأبلغوا به حيه ثم ليقم خطيب فليقل : إن صبيغا طلب العلم فأخطأه فلم يزل وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم )

وكذا : ( أخرج نصر المقدسي في الحجة وابن عساكر عن أبي عثمان النهدي أن عمر كتب إلى أهل البصرة أن لا يجالسوا صبيغا ، قال : فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا )
وكذا : ( أخرج ابن عساكر عن محمد بن سيرين قال : كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري : أن لا يجالس صبيغا وأن يحرم عطاءه ورزقه ) =>

 
 

- ص 476 -

ولا ريب أن عمر بن الخطاب بتصريحه هذا وما تضمن من أنه لا يخاف الله في إلحاق الآية في المصحف ولكنه يخالف كلام الناس فقط قد ألقى ضلالا كثيرة من الشك على تمامية القرآن وصيانته من التحريف ، ولو أحسن العاقل الظن به لسأل نفسه أليس من الأمر الجسيم المضر بالقرآن وأهله إصراره المتواصل وعلى المنبر أمام الملأ بأن هذه الآية سقطت وفقدت من القرآن بلا أن يذكر سبب ذلك ؟!

والصحيح أن ابن الخطاب - وهو ظاهر كلامه - كان معتقدا بقرآنية تلك الجملة وبوجوب دمجها مع البقية الآيات في المصحف ولكن كلام الناس هو الذي منعه من إصلاح هذا التحريف الذي وقع في القرآن بإسقاط هذه الآية ، وهذا كلامه الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما : ( وأيم الله ! لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله عز وجل لكتبتها ) ، فهذا يعني أنـها من نفس القرآن المدون في المصحف في نظر عمر !

  => وكذا : ( أخرج نصر في الحجة وابن عساكر عن زرعة قال : رأيت صبيغ بن عسل بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحلقة ويجلس وهم لا يعرفونه فتناديهم الحلقة الأخرى : عزمة أمير المؤمنين عمر ، فيقومون ويدعونه )

وكذا : ( أخرج نصر في الحجة عن أبي إسحاق أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري : أما بعد فإن الأصبغ تكلف ما يخفى وضيع ما ولي فإذا جاءك كتابي هذا فلا تبايعوه وإن مرض فلا تعودوه إن مات فلا تشهدوه )

وكذا : ( أخرج الهروي في ذم الكلام عن الأمام الشافعى رضي الله عنه قال : حكمي في أهل الكلام حكم عمر في صبيغ أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل ويطاف بـهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم هذا جزء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام )

وفي شرح الزرقاني ج3ص33 : ( وروى الدارمي عن سليمان بن يسار ونافع قالا : قدم المدينة رجل فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وأعد له عراجين النخل ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله صبيغ . قال : وأنا عبد الله عمر ! فضربه حتى دمي رأسه ، فقال : حسبك يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنت أجده في رأسي ، ثم نفاه إلى البصرة .

 رواه الخطيب وابن عساكر عن أنس والسائب بن يزيد وأبي عثمان النهدي وزادوا عن الثالث : وكتب إلينا عمر لا تجالسوه فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا .
وروى إسماعيل القاضي عن محمد بن سيرين قال : كتب عمر إلى أبي موسى لا تجالس صبيغا وأحرمه عطاءه . وأخرج ابن الأنباري وغيره بسند صحيح عن السائب بن يزيد قال : جاء صبيغ التميمي إلى عمر فسأله عن الذاريات … الحديث.
وفيه : فأمر عمر فضرب مائة سوط فلما برأ دعاه فضربه مائة أخرى ثم حمله على قتب وكتب إلى أبي موسى حرم على الناس مجالسته فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له أنه لا يجد في نفسه شيئا فكتب إلى عمر أنه صلح حاله فكتب إليه خل بينه وبين الناس فلم يزل صبيغ وضيعا في قومه بعد أن كان سيدا فيهم ).

أقول : كل هذا لأنه سأل عن معنى الذاريات ذروا ‍‍!! ، قارن بين فعل عمر وفعل أمير المؤمنين عليه السلام كما أخرجه الطبري في تفسيره ج26ص186: ( عن أبي الصهباء البكري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال وهو على المنبر : لا يسألني أحد عن آية من كتاب الله إلا أخبرته ، فقام ابن الكواء وأراد أن يسأله عما سأل عنه صبيغ عمر بن الخطاب فقال : ما الذاريات ذروا ؟ قال علي –عليه السلام- : الرياح ) ، وهكذا بلا أي معاناة ! ومحل الكلام من كل هذا أنه لأجل سؤال عن كلمة واحدة فعل به عمر ما فعل ، فيتضح أن عدم الإنكار والاعتراض على شخص عمر وهو بـهذه العصبية والغلظة لا يعني موافقة الناس ورضاهم ، ولا نظن أن الكل كان راضيا عن فعل عمر حينما أمر بجمع الحطب لإحراق بيت فاطمة عليها السلام ، ولكن الغلظة وبعض كبار المنافقين من وجوه الصحابة وكذا بنو أسلم الذين كانوا يأتمرون بأمر عمر كانت بأجمعها أسبابا لسكوت البسطاء من الناس .

 
 

- ص 477 -

لذلك احتار بعض علماء أهل السنة في توجيه هذه الجملة وما فيها من ملازمة بين الكتابة ومخافة قول الناس ! قال السبكي في الإبـهاج :
" وأنا لا يبين لي معنى قول عمر : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها . إذ ظاهر هذا أن كتابتها جائزة وإنما منعه من ذلك قول الناس ، والجائز في نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه ، وإذا كانت كتابتها جائزة لزم أن تكون التلاوة باقية لأن هذا شأن المكتوب ، وقد يقول القائل في مقابلة هذا لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر إلى كتابتها ولم يعرج على مقال الناس لأن مقال الناس لا يصلح مانعا من فعل هذا الواجب ، وبالجملة لا يبين لي هذه الملازمة أعني ( لولا قول الناس لكتبت ) ولعل الله أن ييسر علينا حل هذا الأثر بمنه وكرمه ، فأنا لا نشك في أن عمر إنما نطق بالصواب ولكنا نتهم فهمنا " ( 1 ) .

وهكذا ، نسخّف عقولنا لأن فلانا من الناس لا يُحتمل أن يخطئ ! ، فكل ما يقوله صواب في صواب مع أنـهم يقولون بعدم عصمته ! ، ولا أدري كيف يدعون عدم عصمته مع أنـهم يعاملونه معاملة المعصوم ؟!

وعلى أيّة حال فإن الله عز وجل تكفّل بكتابه حافظا صائنا وقد قال تعالى في كتابه المجيد {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9) ، ومن أصدق من الله حديثا ؟

* عمر يعتقد أن الله أخطأ في إنزال آية الرجم لذا كره النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابتها !

جاء بسند صحيح في مسند أحمد : " حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت قال : كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف ، فمروا على هذه الآية ، فقال زيد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها البتة . فقال عمر : لما أنزلت هذه أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : أكتبنيها ؟ - قال شعبة : فكأنه كره ذلك - فقال عمر : ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد وإن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم ؟! " ( 2 ) .

  ( 1 ) الإبـهاج في شرح المنهاج للسبكي ج2ص242 .
( 2 ) مسند أحمد ج5ص183ح21636 ، سنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 211 .
 
 

- ص 478 -

الرواية تدعي أن زيد بن ثابت ذكر هذه الجملة على أنـها قول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقل أنـها قول لله عز وجل حتى تكون قرآنا في نظره ( 1 ) ، نعم قول عمر نص صريح في أنـها قرآن في نظره ، ولكن قول عمر هو الكفر أقرب منه للإيمان ، إذ ادعى أن هذه الآية المزعومة حينما نزلت جاء عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأراد كتابتها فكره النبي صلى الله عليه وآله سلم ذلك ! ( 2 ) ، فعلل عمر لزيد سبب كراهية النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابة هذه الأية التي تنص على أن الشيخ والشيخة إذا زنيا يرجمان مطلقا ، بأن الزاني إن لم يكن محصنا لا يرجم في الإسلام حتى وإن كان شيخا ! ، فقول عمر هذا صريح في أنه يرى أن الله عز وجل أخطأ في هذه الآية وخالف حكمه المعروف في الشيخ الزاني غير المحصن الذي يجلد ولا يرجم ، ولا ريب أنا لا نقبل ما نسبه عمر لله تعالى الله عن قوله علوا كبيرا ، لأن العقيدة الإسلامية تتناقض مع نسبة الخطأ والغلط لله عز وجل .

والأعجب من ذلك أن زيد بن ثابت المتفاني في تقليد سيده عمر أخذ بـهذا الكفر كما في رواية البيهقي بسنده :
" عن محمد قال نبئت عن ابن أخي كثير بن الصلت قال : كنا ثم مروان وفينا زيد بن ثابت قال زيد : ثم كنا نقرأ ( الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ) . قال فقال مروان : أفلا نجعله في المصحف ؟ ، قال : لا ! ألا ترى الشابين الثيبين يرجمان ؟! ، قال وقال : ذكروا ذلك وفينا عمر بن الخطاب قال : أنا أشفيكم من ذاك ، قال : قلنا : كيف ؟ قال آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأذكر كذا وكذا فإذا ذكر الرجم ، أقول يا رسول الله أكتبني آية الرجم ؟ قال : فأتيته فذكرته ، قال : فذكر آية الرجم ، قال : فقال : يا رسول الله أكتبني آية الرجم ؟ قال : لا أستطيع ذاك " ( 3 ) .

وهذه الرواية يدعي فيها عمر أنه جاء مرة أخرى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن آية الرجم ، ولكن هذه المرة كان سؤال عمر استدراجي وبطريقة غير مباشرة !

  ( 1 ) لذا لا يمكن قبول دعوى أن هناك من نسب هذه الجملة للقرآن قبل أن يتفوه عمر بـها ، لأن هذا الرأي لا ينسجم مع عدم وجود شاهد آخر يشهد مع عمر على أنـها من القرآن ، خاصة وأن نفس زيد هذا هو الكاتب الذي طلب من عمر الشاهد الثاني ، فكيف يعلم زيد بقرآنيتها ثم يمتنع عن كتابتها لعدم وجود شاهد آخر مع عمر ؟! ، نعم قد يوجد من يقول بذلك تقليدا لعمر .

( 2 ) هل من المعقول أن يكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابة آية نزلت لتوها ؟! ، ولماذا ؟ ، هل لأن الله نسخها فور نزولها ؟!! ، أم أنـها نزلت منسوخة ؟!! ، فما نسبه عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر لا يمكن تصديقه .
( 3 ) سنن البيهقي الكبرى ج 8 ص 211 .

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب