إعلام الخَلف بمن قال بتحريف القرآن من أعلام السّلف - ص 493

قول عائشة في صحيح مسلم لا يمكن قبوله لعدة جهات


هناك جهات عدة تمنع المنصف المتدبر من قبول قول عائشة وتقف دون احتمال اخبارها عن الواقع :

أولا : الفقه المأثور عن عائشة في مسألة الرضاع مضطرب جدا ولا يمكن التعويل على هذه الرواية لأنـها معارضة.

فقد وروى البيهقي في سننه الكبرى بسنده : " حدثنا الربيع حدثنا الشافعي حدثنا مالك عن نافع أن سالم بن عبد الله أخبره أن عائشة رضى الله عنها زوج النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أرسلت به وهو يرضع إلى أختها أم كلثوم فأرضعته ثلاث رضعات ثم مرضت فلم ترضعه غير ثلاث رضعات فلم أكن أدخل على عائشة رضى الله عنها من أجل أن أم كلثوم لم تكمل لي عشر رضعات " ( 1 ) .

أقول : وسيتضح أن عائشة لا تجيز دخوله إلا بعشر رضعات ، فلو كان ما نسبته عائشة للقرآن في رواية مسلم صحيحا لما خالفته وصارت لغيره ، ولا مجال للقول بأن رأيها في عشر رضعات كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعد أن نسخ في آخر حياته صلى الله عليه وآله وسلم عملت بخمس رضعات ، وذلك لأن الروايات تحكي رضاع سالم في ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن سالما ولد في زمن تأمر عثمان على الناس ، قال الذهبي : " سالم بن عبد الله ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب … وأمه أم ولد . مولده في خلافة عثمان " ( 2 ) .
فلا يحتمل حينئذ أن تأمر عائشة أختها بأن ترضعه في آخر حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يقال إن ذلك قبل أن ينسخ الحكم بخمس رضعات .

وروى أيضا بسنده : " حدثنا إبراهيم بن عقبة أنه سأل عروة بن الزبير عن المصة والمصتين قال : كانت عائشة رضى الله عنها لا تحرم المصة ولا المصتين ولا تحرم إلا عشرا فصاعدا " ( 3 ) .

وفي كتاب السنن : " حدثنا سعيد قال نا عبد العزيز بن محمد عن إبراهيم بن عقبة أنه سأل عروة بن الزبير عن الرضاع قال : كانت عائشة لا ترى المصة ولا المصتين شيئا دون عشر رضعات فصاعدا " ( 4 ) .

وفي مصنف ابن أبي شيبة : " حدثنا ابن علية عن أيوب عن نافع قال : كانت عائشة إذا أرادت أن يدخل عليها أحد أمرت به فأرضع فأمرت أم كلثوم أن ترضع سالما عشر رضعات فأرضعته ثلاثا فمرضت فكان لا يدخل عليها وأمرت فاطمة بنت عمر أن ترضع عاصم بن سعيد مولى لهم فأرضعته عشر رضعات فكان يدخل عليها " ( 5 ) .

  ( 1 ) السنن الكبرى للبيهقي ج7ص 457 .
( 2 ) سير أعلام النبلاء ج4ص458ت176.
( 3 ) السنن الكبرى ج7 ص458-459 .
( 4 ) كتاب السنن ج1ص276ح968.
( 5 ) مصنف ابن أبي شيبة ج3ص548ح17031.
 
 

- ص 494 -

وقد قال ابن حجر في فتح الباري : " ثم اختلفوا فجاء عن عائشة عشر رضعات أخرجه مالك في الموطأ وعن حفصة كذلك وجاء عن عائشة أيضا سبع رضعات أخرجه بن أبي خيثمة بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير عنها وعبد الرزاق من طريق عروة كانت عائشة تقول لا يحرم دون سبع رضعات أو خمس رضعات وجاء عن عائشة أيضا خمس رضعات فعند مسلم عنها كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات ثم نسخت بخمس رضعات معلومات فتوفي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهن مما يقرأ وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عنها قالت لا يحرم دون خمس رضعات معلومات " ( 1 ) .

ثم ذكر أن حديث صحيح مسلم لا يمكن الاحتجاج به لأنه يثبت قرآنا والقرآن يحتاج إلى التواتر ، وهذا سنذكره فيما بعد بإذنه تعالى .

وقال إمامهم ابن التركماني في الجوهر النقي معلقا على حديث عائشة : " قد ثبت أن هذا ليس من القرآن الثابت ولا تحل القراءة به ولا إثباته في المصحف ومثل هذا عند الشافعي ليس بقرآن ولا خبر وقد ذكرنا ذلك غير مرة فيما مضى وفي موطأ مالك عن نافع أن سالم بن عبد الله حدثه أن عائشة أرسلت به إلى أختها أم كلثوم بنت أبى بكر فقالت : أرضعيه عشر رضعات حتى يدخل على فأرضعتني ثلاث رضعات ثم مرضت فلم ترضعني غير ثلاث مرات فلم أكن أدخل على عائشة من أجل أن أم كلثوم لم تتم لي عشر رضعات . وذكره البيهقي في آخر هذا الباب وذكره أيضا صاحب التمهيد ثم قال فلأجل هذا الحديث قال أصحابنا : أنـها تركت حديثها ، وفعلها هذا يدل على وهن ذلك القول لأنه يستحيل أن تدع الناسخ وتأخذ بالمنسوخ وأسند ابن حزم عن إبراهيم بن عقبة سألت عروة عن الرضاع فقال : كانت عائشة لا ترى شيئا دون عشر رضعات فصاعدا ثم ذكر عنها قالت إنما تحرم من الرضاع سبع رضعات – قال ابن حزم : الأول عنها أصح وهذا كله يدل على أن مذهبها مخالف لـهذا الخبر وأنـها لا تعتبر في التحريم خمس رضعات " ( 2 ) .

والسؤال هو : لماذا نسبت عائشة للقرآن ما لا تعمل به ؟! هذا تجيب عنه عائشة .

  ( 1 ) فتح الباري ج9ص146-147. ( 2 ) الجوهر النقي لابن التركماني ج7ص454 ط دار الفكر .  
 

- ص 495 -

وعلى أي حال فهذه الرواية معارضة لا يمكن قبولها والتسليم بمضمونـها ، خاصة وأن فيها ما هو معلوم البطلان وهو قرآنية ما لم يتواتر ، فهي معلولة من الجهتين .

ثانيا : حتى لو تنـزلنا عن اشتراط التواتر للنسخ فإن هذا النوع من النسخ مما تتوفر الدواعي لنقله متواترا ، لغرابته الشديدة فلا نعقل أن تنفرد عائشة بنقله ويغفل عنه الصحابة .

إذ أن نزول آية بحكم ما وبعد ذلك ترفع الآية مع حكمها ثم تنـزل آية أخرى ناسخة بحكم جديد ومن ثم ترفع هذه الآية ويبقى من يقرأ بـها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وينسخ حكمها أو يبقى– على الخلاف - أمر غريب جدا ! ، ولو وقع وحصل مثله من النـزول والنسخ والنـزول والنسخ في حكم وأمر واحد لذاع وانتشر أمره بين أعداء دين الله قبل محبيه ولتناقلته الألسنة من السلف إلى الخلف ولكنه لم يحدث ، فلا يمكن التصديق بوقوع ما تدعيه عائشة .

ثالثا : كيف يتصور نزول آية لا يعلم نصّها أحد من الناس إلا عائشة ومن ثم يأتي داجن ويأكلها وتفقد إلى الأبد ؟‍! ، كيف اختصت عائشة بالآيتين الناسخة والمنسوخة من دون الناس ؟! ، أين كان الصحابة ؟! ، ألم يكن هناك كتبة للوحي وحفظة للقرآن ؟ ، أم أن الوحي نزل هذه المرّة في مرط عائشة وأبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآية لعائشة وبعد أن أخذتـها وكتبتها في الصحيفة عاد الله ونسخها ؟!

قال في مباني المعاني : " فإن قيل أليس قد روي عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن عائشة أنـها قالت : كان فيما يقرأ من القرآن فسقط ، يحرّم من الرضاع عشر رضعات ، ثم نسخن إلى خمس معلومات . وقد روى في غير هذه الرواية : فكانت في جُليد فأكله الدَّاجن لاشتغالنا بموته . تعني موت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم . "

وقال : " لو كان من القرآن المتلوّ المكتوب في المصاحف لما بطل بأكل الداجن ، ولما سقط بالنسخ ، والله يقول : {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر/9). وقال تعالى : {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فصلت/42). ولو كان من القرآن لما اجتمع النسخ والمنسوخ في آية واحدة بل كانت الآية الناسخة تتأخر ، كما لا يجوز أن يجتمع حكمان مختلفان في وقت واحد وحالٍ واحدة كيف يجوز أن يكون قرآن يتلى على عهد الرسول

- ص 496 -

 صلى الله عليه (وآله) وسلم على ما أخبرت به عائشة رضي الله عنها ، ولا يحفظه واحد من الصحابة ؟ ولا كاتب الوحي الذي جمع القرآن في زمن أبي بكر ، وعثمان وهو زيد بن ثابت رضي الله عنهم ، ولو كان من القرآن لما احتمل ما يذكرون حدوثه فيه من السهو والإغفال والتفريط حتى أكله الداجن ، أو سقط من المصحف مع شدة حرص الصحابة رضي الله عنهم على جمعه وحفظه " ( 1 ) .

رابعا : من غير المعقول أن يشرع الله عز وجل حكما ثم ينسخه من قبل أن يعلم الناس به ويقتصر العلم به على عائشة ! ، وعلماء الأصول يرفضون فكرة نزول حكم يُنسخ قبل أن يعمل الناس به ، فلماذا نزل إذن ؟! والكثير الكثير من الإشكالات التي تراود الذهن عند تصور هذا النسخ العجيب .

خامسا : ما ذكره أحد علمائهم وهو شيخ الأزهر صاحب تفسير المنار حيث قال اعتراضا على رواية عائشة : " وإذا قال السائل إذا صح هذا فما هي حكمة نسخ العشر بالخمس عند عائشة ومن عمل بروايتها ونسخ النسخ أيضاً عند من قبل روايتها وادعى أن الخمس نسخت أيضاً بنسخ تلاوة لأنه الأصل ولم يثبت خلافه ؟ لعل أظهر ما يمكن أن يجاب به عن هذا هو أن الحكمة في هذا هي التدرج في هذا التحريم كما وقع في تحريم الخمر لا يخطر في البال شيء آخر يمكن أن يقولوه ، وإذا انصفوا رأوا الفرق بين تحريم الخمر وتحريم نكاح الرضاع واسعاً جداً فإن شارب الخمر يؤثر في العصب تأثيراً يغري الشارب بالعودة إليه حتى يشق عليه تركه فجأة ولا كذلك ترك نكاح المرضعة أو أبنتها مثلا " ( 2 ) .

لمتابعة موضوع آية الرضاع اضغط على الصفحة التالية أدناه

  ( 1 ) مقدمتان في علوم القرآن ص87-88.
( 2 ) تفسير المنار ج4 ص 473 للأستاذ محمد رشيد رضا ط دار المنار 1365 ه‍‌ .
أقول :
وفيما ذكره نظر ، لأنه يمكن الجواب عنه بأن مناطات الأحكام لا يمكن الوقوف عليها ، وليس لنا معرفة علل الأحكام وسبب نزولها فلو كان الحكم دائرا مدار العلم بالعلة لفسدت كثير من أحكام الشريعة غير معلومة المدرك .
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب