|
- تنزيه
الأنبياء عليهم السلام - الشريف المرتضى ص 150 : |
|
سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وآله
تنزيه محمد ( ع
) عن الضلال :
( مسألة ) : فإن قيل فما معنى قوله
تعالى : ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا
فَهَدَى
) ( 1 ) أو ليس هذا يقتضي
إطلاقه الضلال عن الدين ؟ وذلك مما لا يجوز عندكم قبل
النبوة ولا بعدها ؟
( الجواب ) : قلنا في معنى هذه
الآية أجوبة :
( أولها ) : أنه أراد : وجدك ضالا عن
النبوة فهداك إليها ، أو عن شريعة الإسلام التي نزلت
عليه وأمر بتبليغها إلى الخلق ، وبإرشاده صلى الله
عليه وآله إلى ما ذكرناه أعظم النعم عليه .
والكلام في
الآية خارج مخرج الامتنان والتذكير بالنعم ، وليس لأحد
أن يقول إن الظاهر بخلاف ذلك ، لأنه لا بد في الظاهر
من تقدير محذوف يتعلق به الضلال ، لأن الضلال هو
الذهاب والانصراف فلا بد من أمر يكون منصرفا عنه . فمن
ذهب إلى أنه أراد الذهاب عن الدين فلا بد له من أن
يقدر هذه اللفظة ثم يحذفها ليتعلق بها لفظ الضلال ،
وليس هو بذلك أولى منا فيما قدرناه وحذفناه .
(
وثانيها ) : أن يكون أراد الضلال عن المعيشة وطريق
الكسب . يقال
للرجل الذي لا يهتدي طريق معيشته ووجه مكسبه : هو ضال
لا يدري ما يصنع ولا أين يذهب . فامتن الله تعالى عليه
بأن رزقه وأغناه وكفاه .
( وثالثها ) : أن يكون أراد
ووجدك ضالا بين مكة والمدينة عند الهجرة فهداك وسلمك
من أعدائك . وهذا الوجه قريب لولا أن السورة مكية وهي
متقدمة للهجرة إلى المدينة ، اللهم إلا أن يحمل قوله
تعالى " وَوَجَدَكَ " على أنه سيجدك على مذهب العرب في حمل
الماضي على معنى المستقبل فيكون له وجه .
( ورابعها )
: أن يكون أراد بقوله "
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى " أي مضلولا
عنه في قوم لا يعرفون حقك فهداهم إلى معرفتك وأرشدهم
إلى فضلك . وهذا له نظير في الاستعمال . يقال : فلان
ضال في قومه وبين أهله إذا كان مضلولا عنه .
( وخامسها
) : أنه روي في قراءة هذه الآية الرفع "
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا
فَآوَى *
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى " على أن اليتيم وجده وكذلك الضال
، وهذا الوجه ضعيف لأن القراءة غير معروفة ، ولأن هذا
الكلام يسمج ويفسد أكثر معانيه .
تنزيه سيدنا محمد ( ع
) عن مدح آلهة قريش :
( مسألة ) : فإن قال فما معنى
قوله تعالى : ( وَمَا
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ
إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي
أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي
الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
) (
1 ) أو ليس قد روي في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه
وآله لما رأى تولي قومه عنه شق عليه ما هم عليه من
المباعدة والمنافرة ، وتمنى في نفسه أن يأتيه من الله
تعالى ما يقارب بينه وبينهم ، وتمكن حب ذلك في قلبه ،
فلما أنزل الله تعالى عليه (
وَالنَّجْمِ إِذَا
هَوَى
) ( 1 ) وتلاها عليهم ، ألقى الشيطان على لسانه
لما كان تمكن في نفسه من محبة مقاربتهم تلك الغرانيق
العلى وإن شفاعتهن لترتجي ، فلما سمعت قريش ذلك سرت به
وأعجبهم ما زكى به آلهتهم ، حتى انتهى إلى السجدة فسجد
المؤمنون وسجد أيضا المشركون لما سمعوا من ذكر آلهتهم
بما أعجبهم ، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد
إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخا كبيرا لا يستطيع
السجود ، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها ثم
تفرق الناس من المسجد وقريش مسرورة بما سمعت . وأتى
جبرائيل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله
معاتبا على ذلك ، فحزن له حزنا شديدا . فأنزل الله
تعالى عليه معزيا له ومسليا (
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
)
الآية .
( الجواب ) : قلنا أما الآية فلا دلالة في
ظاهرها على هذه الخرافة التي قصوها وليس يقتضي الظاهر
إلا أحد أمرين ، إما أن يريد بالتمني التلاوة كما قال
حسان بن ثابت :
تمنى كتاب الله أول ليله * وآخره لاقى
حمام المقادر
أو أريد بالتمني تمني القلب . فإن أراد
التلاوة ، كان المراد من أرسل قبلك من الرسل كان إذا
تلا ما يؤديه إلى قومه حرفوا عليه وزادوا فيما يقوله
ونقصوا ، كما فعلت اليهود في الكذب على نبيهم ، فأضاف
ذلك إلى الشيطان لأنه يقع بوسوسته وغروره . ثم بين أن
الله تعالى يزيل ذلك ويدحضه بظهور حجته وينسخه ويحسم
مادة الشبهة به . وإنما خرجت الآية على هذا الوجه مخرج
التسلية له صلى الله عليه وآله لما كذب المشركون عليه
، وأضافوا إلى تلاوته مدح آلهتهم ما لم يكن فيها .
وأن
كان المراد تمني القلب ، فالوجه في الآية إن الشيطان
متى تمنى النبي عليه السلام بقلبه بعض ما يتمناه من
الأمور ، يوسوس إليه بالباطل
ويحدثه بالمعاصي ويغريه بها ويدعوه إليها . وأن الله
تعالى ينسخ ذلك ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة
الشيطان وعصيانه وترك إسماع غروره .
وأما الأحاديث
المروية في هذا الباب فلا يلتفت إليها من حيث تضمنت ما
قد نزهت العقول الرسل عليهم السلام عنه .
هذا لو لم
يكن في أنفسها مطعونة ضعيفة عند أصحاب الحديث بما
يستغني عن ذكره . وكيف يجيز ذلك على النبي صلى الله
عليه وآله من يسمع الله تعالى يقول : (
كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ
فُؤَادَكَ ) ( 1 ) يعني القرآن .
وقوله تعالى : ( وَلَوْ
تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
*
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ
*
ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ
) ( 2 ) .
وقوله تعالى : ( سَنُقْرِؤُكَ
فَلَا تَنسَى ) (
3 ) . على أن من يجيز السهو على الأنبياء عليهم السلام
يجب أن لا يجيز ما تضمنته هذه الرواية المنكرة لما
فيها من غاية التنفير عن النبي صلى الله عليه وآله لأن
الله تعالى قد جنب نبيه من الأمور الخارجة عن باب
المعاصي ، كالغلظة والفظاظة وقول الشعر وغير ذلك مما
هو دون مدح الأصنام المعبودة دون الله تعالى .
على أنه
لا يخلو صلى الله عليه وآله وحوشي مما قذف به من أن
يكون تعمد ما حكوه ، وفعله قاصدا أو فعله ساهيا ولا
حاجة بنا إلى إبطال القصد في هذا الباب والعمد لظهوره
، وإن كان فعله ساهيا فالساهي لا يجوز أن يقع منه مثل
هذه الألفاظ المطابقة لوزن السورة وطريقها ، ثم لمعنى
ما تقدمها من الكلام . لأنا نعلم ضرورة أن من كان
ساهيا لو أنشد قصيدة لما جاز أن يسهو حتى يتفق منه بيت
شعر في وزنها وفي معنى البيت الذي تقدمه وعلى الوجه
الذي يقتضيه فائدته ، وهو مع ذلك يظن أنه من القصيدة
التي ينشدها .
وهذا ظاهر في بطلان هذه الدعوى على
النبي صلى الله عليه وآله على أن الموحى إليه من الله
النازل بالوحي وتلاوة القرآن
| |
( 1 )
الفرقان 22 ( 2 ) الحاقة 44 - 46 ( 3 )
الأعلى 6 ( * )
|
|
|
جبرائيل ( ع ) ، وكيف يجوز السهو عليه . على أن بعض
أهل العلم قد قال يمكن أن يكون وجه التباس الأمر أن
رسول الله صلى الله عليه وآله لما تلا هذه السورة في
ناد غاص بأهله وكان أكثر الحاضرين من قريش المشركين ،
فانتهى إلى قوله تعالى : (
أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ) ( 1
) وعلم في قرب مكانه منه من قريش أنه سيورد بعدها ما
يسوأهم به فيهن ، قال كالمعارض له والراد عليه : ( تلك
الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجي ) فظن كثير ممن حضر
أن ذلك من قوله صلى الله عليه وآله . واشتبه عليهم
الأمر لأنهم كانوا يلغطون عند قراءته صلى الله عليه
وآله ، ويكثر كلامهم وضجاجهم طلبا لتغليطه وإخفاء
قراءته . ويمكن أن يكون هذا أيضا في الصلاة ، لأنهم
كانوا يقربون منه في حال صلاته عند الكعبة ، ويسمعون
قراءته ويلغون فيها .
وقيل أيضا أنه صلى الله عليه
وآله كان إذا تلا القرآن على قريش توقف في فصول الآيات
وأتى بكلام على سبيل الحجاج لهم ، فلما تلا أفرأيتم
اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى قال تلك الغرانيق
العلى منها الشفاعة ترتجى على سبيل الإنكار عليهم ،
وأن الأمر بخلاف ما ظنوه من ذلك . وليس يمتنع إن يكون
هذا في الصلاة لأن الكلام في الصلاة حينئذ كان مباحا .
وإنما نسخ من بعد ، وقيل إن المراد بالغرانيق الملائكة
.
وقد جاء مثل ذلك في بعض الحديث فتوهم المشركون أنه
يريد آلهتهم . وقيل إن ذلك كان قرآنا منزلا في وصف
الملائكة فتلاه الرسول صلى الله عليه وآله ، فلما ظن
المشركون أن المراد به آلهتهم نسخت تلاوته .
وكل هذا
يطابق ما ذكرناه من تأويل قوله : (
إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي
أُمْنِيَّتِهِ ) لأن بغرور الشيطان ووسوسته أضيف
إلى تلاوته صلى الله عليه وآله ما لم يرده بها . وكل
هذا واضح بحمد الله تعالى .
تنزيه سيدنا محمد
(ص) عن معاتبة الله له :
( مسألة ) : فإن
قيل فما تأويل قوله تعالى : (
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ
مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن
تَخْشَاهُ )
( 1 ) أو ليس هذا عتابا له صلى الله عليه وآله من حيث
اضمر ما كان ينبغي أن يظهره وراقب من لا يجب أن يراقبه
فما الوجه في ذلك ؟ .
( الجواب ) : قلنا : وجه هذه
الآية معروف وهو ان الله تعالى لما أراد نسخ ما كان
عليه الجاهلية من تحريم نكاح زوجة الدعي ، والدعي هو
الذي كان احدهم يجتبيه ويربيه ويضيفه إلى نفسه على
طريق البنوة ، وكان من عادتهم أن يحرموا على أنفسهم
نكاح أزواج أدعيائهم كما يحرمون نكاح أزواج أبنائهم ،
فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وآله ان زيد
بن حارثة وهو دعي رسول الله صلى الله عليه وآله سيأتيه
مطلقا زوجته ، وأمره ان يتزوجها بعد فراق زيد لها
ليكون ذلك ناسخا لسنة الجاهلية التي تقدم ذكرها ، فلما
حضر زيد مخاصما زوجته عازما على طلاقها ، أشفق الرسول
من أن يمسك عن وعظه وتذكيره لا سيما وقد كان يتصرف على
أمره وتدبيره ، فرجف المنافقون به إذا تزوج المرأة
يقذفونه بما قد نزهه الله تعالى عنه فقال له (
أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ) تبرؤا مما ذكرناه وتنزها ، وأخفى في نفسه
عزمه على نكاحها بعد طلاقه لها لينتهي إلى أمر الله
تعالى فيها .
ويشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى : (
فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا
وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ
إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ
اللَّهِ مَفْعُولًا ) ( 2 ) فدل على ان العلة في
أمره في نكاحها ما ذكرناه من نسخ السنة المتقدمة .
| |
( 1 )
الأحزاب 37 ( 2 )
الأحزاب 37 ( * )
|
|
|
فإن قيل العتاب باق على كل حال
لأنه قد كان ينبغي أن
يظهر ما أظهره ويخشى الله ولا يخشى الناس .
قلنا :
أكثر ما في الآية إذا سلمنا نهاية الاقتراح فيها أن
يكون صلى الله عليه وآله فعل ما غيره أولى منه ، وليس
أن يكون صلى الله عليه وآله بترك الأولى عاصيا . وليس
يمتنع على هذا الوجه أن يكون صبره على قذف المنافقين
اهانته بقولهم أفضل وأكثر ثوابا ، فيكون أبداء ما في
نفسه أولى من إخفائه على انه ليس في ظاهر الآية ما
يقتضي العتاب ، ولا ترك الأولى .
وأما
إخباره بأنه ( اخفى ما الله مبديه ) فلا شئ فيه من الشبهة ، وانما هو
خير محض .
وأما قوله (
وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ
أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ
) ففيه أدنى شبهة ، وإن كان الظاهر لا يقتضي عند
التحقيق ترك الأفضل ، لأنه اخبر أنه يخشى الناس وان
الله أحق بالخشية ، ولم يخبر انك لم تفعل إلا حق وعدلت
إلى الادون ، ولو كان في الظاهر بعض الشبهة لوجب ان
نتركه ونعدل عنه للقاطع من الأدلة .
وقد قيل ان زيد بن
حارثة لما خاصم زوجته زينب بنت جحش وهي ابنة عمة رسول
الله صلى الله عليه وآله وأشرف على طلاقها اضمر رسول
الله صلى الله عليه وآله انه إن طلقها زيد تزوجها من
حيث كانت ابنة عمته . وكان يجب ضمها إلى نفسه كما يجب
احدنا ضم قراباته إليه ، حتى لا ينالهم بؤس ولا ضرر .
فاخبر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وآله والناس
بما كان يضمره من إيثار ضمها إلى نفسه ليكون ظاهر
الأنبياء صلى الله عليه وآله وباطنهم سواء .
ولهذا قال
رسول الله صلى الله عليه وآله للأنصار يوم فتح مكة وقد
جاء عثمان بعبدالله بن أبي سرح وسأله أن يرضى عنه ،
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قبل ذلك قد هدر دمه
فأمر بقتله ، فلما رأى عثمان استحي من رده ونكس طويلا
ليقتله بعض المؤمنين فلم يفعل المؤمنون ذلك انتظارا
منهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله مجددا ، فقال
للأنصار : أما كان فيكم رجل يقوم إليه فيقتله ؟ فقال
له عباد بن بشر : يا رسول الله صلى الله عليه وآله ان
عيني ما زالت في عينك انتظارا ان تومئ إلي فاقتله .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله :
الأنبياء صلى الله عليه وآله لا يكون لهم خائنة أعين .
وهذا الوجه يقارب الأول في المعنى .
فان قيل : فما
المانع مما وردت به الرواية من ان رسول الله صلى الله
عليه وآله رأى في بعض الأحوال زينب بنت جحش فهواها
فلما أن حضر زيد لطلاقها أخفى في نفسه عزمه على نكاحها
بعده وهواه لها ، أو ليس الشهوة عندكم التي قد تكون
عشقا على بعض الوجوه من فعل الله تعالى وأن العباد
يقدرون عليها ؟ وعلى هذا الوجه يمكنكم إنكار ما تضمنه
السؤال .
قلنا : لم ننكر ما وردت به هذه الرواية
الخبيثة من جهة أن فعل الشهوة يتعلق بفعل العباد وأنها
معصية قبيحة ، بل من جهة أن عشق الأنبياء عليهم السلام
لمن ليس يحل لهم من النساء منفر عنهم وحاط من مرتبتهم
ومنزلتهم ، وهذا مما لا شبهة فيه ، وليس كل شئ يجب أن
يجتنبه الأنبياء صلى الله عليه وآله مقصورا على
افعالهم .
ألا ترى ان الله تعالى قد جنبهم الفظاظة
والغلظة والعجلة ، وكل ذلك ليس من فعلهم ، وأوجبنا
أيضا أن يجتنبوا الأمراض المنفرة والخلق المشينة
كالجذام والبرص وتفاوت الصور واضطرابها ، وكل ذلك ليس
من مقدورهم ولا فعلهم .
وكيف يذهب على عاقل
ان عشق
الرجل زوجة غيره منفر عنه معدود في جملة معائبه
ومثالبه ، ونحن نعلم انه لو عرف بهذه الحال بعض
الأمناء والشهود لكان ذلك قادحا في عدالته وخافضا في
منزلته ، وما يؤثر في منزلة احدنا أولى من ان يؤثر في
منازل من طهره الله وعصمه وأكمله وأعلى منزلته . وهذا
بين لمن تدبره .
تنزيه سيدنا محمد عن معاتبته في
الأسرى :
( مسألة ) : فإن قيل : فما معنى قوله تعالى :
( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن
يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ
الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
) ( 1 ) .
وقوله : ( لَّوْلاَ كِتَابٌ
مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ
) ( 1 ) أو ليس هذا يقتضي عتابه على استبقاء الاسارى وأخذ عرض الدنيا عوض عن قتلهم ؟ .
( الجواب )
: قلنا ليس في ظاهر الآية ما يدل على انه صلى الله
عليه وآله عوتب في شأن الأسارى ، بل لو قيل ان الظاهر
يقتضي توجه الآية إلى غيره لكان أولى ، لان قوله تعالى
: ( تُرِيدُونَ عَرَضَ
الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ) ، وقوله
تعالى : ( لَّوْلاَ كِتَابٌ
مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ
) ، لا شك أنه لغيره ، فيجب ان يكون المعاتب
سواه .
والقصة في هذا الباب معروفة والرواية بها
متظافرة ، لان الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وآله
بأن يأمر أصحابه بأن يثخنوا في قتل أعدائهم بقوله
تعالى : ( فَاضْرِبُواْ فَوْقَ
الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ )
( 2 ) وبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك إلى أصحابه
فخالفوه ، وأسروا يوم بدر جماعة من المشركين طمعا في
الفداء ، فأنكر الله تعالى ذلك عليهم وبين ان الذي أمر
به سواه .
فإن قيل : فإذا كان النبي صلى الله عليه
وآله خارجا عن العتاب فما معنى قوله تعالى : (
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى ) ؟
قلنا : الوجه في ذلك لان
الأصحاب انما أسروهم ليكونوا في يده صلى الله عليه
وآله . فهم اسراؤه على الحقيقة ومضافون إليه ، وإن كان
لم يأمرهم بأسرهم بل أمر بخلافه .
فان قيل : افما
شاهدهم النبي صلى الله عليه وآله وقت الأسر فكيف لم
ينههم عنه ؟ .
قلنا : ليس يجب أن يكون عليه السلام
مشاهدا لحال الأسر ، لأنه كان
| |
( 1 )
الأنفال 68 ( 2 )
الأنفال 12 ( * ) |
|
|
على ما وردت به الرواية يوم بدر جالسا في العريش ،
ولما تباعد أصحابه عنه اسروا من أسروه من المشركين
بغير علمه صلى الله عليه وآله فإن قيل : فما بال النبي
صلى الله عليه وآله لم يأمر بقتل الاسارى لما صاروا في
يده وان كان خارجا من المعصية وموجب العتاب ، أو ليس
لما استشار أصحابه فأشار عليه ابو بكر باستبقائهم وعمر
باستيصالهم رجع إلى رأي ابي بكر ، حتى روي أن العتاب
كان من اجل ذلك ؟ .
قلنا : أما الوجه في أنه عليه
السلام لم يقتلهم فظاهر ، لأنه غير ممتنع أن تكن
المصلحة في قتلهم وهم محاربون ، وان يكون القتل أولى
من الأسر ، فإذا اسروا تغيرت المصلحة وكان استبقاؤهم
أولى ، والنبي صلى الله عليه وآله لم يعمل براي أبي
بكر إلا بعد أن وافق ذلك ما نزل به الوحي عليه .
وإذا
كان القرآن لا يدل بظاهر ولا فحوى على وقوع معصية منه
صلى الله عليه وآله في هذا الباب فالرواية الشاذة لا
يعول عليها ولا يلتفت إليها .
وبعد : فلسنا ندري من
أي
وجه تضاف المعصية إليه صلى الله عليه وآله في هذا
الباب ، لأنه لا يخلو من أن يكون أوحى إليه صلى الله
عليه وآله في باب الاسارى بأن يقتلهم ، أو لم يوح إليه
فيه بشئ ، ووكل ذلك إلى اجتهاده ومشورة أصحابه ، فإن
كان الأول فليس يجوز أن يخالف ما أوحي إليه ، ولم يقل
احد أيضا في هذا الباب أنه صلى الله عليه وآله خالف
النص في باب الاسارى ، وإنما يدعى عليه انه فعل ما كان
الصواب عند الله خلافه ، وكيف يكون قتلهم منصوصا عليه
بعد الأسر وهو يشاور فيه الأصحاب ويسمع فيه المختلف من
الأقوال وليس لأحد أن يقول إذا جاز أن يشاور في قتلهم
واستحيائهم ، وعنده نص بالاستحياء ، فهلا جاز أن يشاور
وعنده نص في القتل ، وذلك أنه لا يمتنع أن يكون أمر
بالمشاورة قبل أن ينص له على أحد الأمرين ، ثم أمر بما
وافق إحدى المشورتين فاتبعه .
وهذا لا يمكن المخالف
أن
يقول مثله ، وان كان لم يوح إليه في باب الاسارى شئ
ووكل إلى اجتهاده ومشورة أصحابه ، فما
باله يعاتب وقد فعل ما أداه إليه الاجتهاد والمشاورة ،
وأي لوم على من فعل الواجب ولم يخرج عنه ، وهذا يدل
على ان من اضاف إليه المعصية قد ضل عن وجه الصواب .
تنزيه سيدنا محمد عن المعاتبة في
أمر المتخلفين :
(
مسألة ) : فإن قيل فما وجه قوله تعالى مخاطبا لنبيه
صلى الله عليه وآله لما استأذنه قوم في التخلف عن
الخروج معه إلى الجهاد فأذن لهم : (
عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ
أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ
صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) (
1 ) أو ليس العفو لا يكون إلا عن الذنب ؟ وقوله (
لِمَ أَذِنتَ ) ظاهر في العتاب
لأنه من اخص ألفاظ العتاب ؟ .
(
الجواب ) : قلنا أما قوله تعالى (
عَفَا اللّهُ عَنكَ ) فليس
يقتضي وقوع معصية ولا غفران عقاب ، ولا يمتنع أن يكون
المقصود به التعظيم والملاطفة في المخاطبة . لان احدنا
قد يقول لغيره إذا خاطبه : أرأيت رحمك الله وغفر الله
لك . وهو لا يقصد إلى الاستصفاح له عن عقاب ذنوبه ، بل
ربما لم يخطر بباله أن له ذنبا . وإنما الغرض الإجمالي
في المخاطبة واستعمال ما قد صار في العادة علما على
تعظيم المخاطب وتوقيره .
وأما قوله تعالى : (
لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) فظاهره الاستفهام والمراد به التقريع واستخراج
ذكر علة اذنه ، وليس بواجب حمل ذلك على العتاب ، لان
احدنا قد يقول لغيره ، لم فعلت كذا وكذا .
تارة معاتبا
وأخرى مستفهما ، وتارة مقررا . فليس هذه اللفظة خاصة
للعتاب والإنكار .
وأكثر ما يقتضيه وغاية ما يمكن أن
يدعى فيها أن تكون دالة على انه صلى الله عليه وآله
ترك الأولى والأفضل ، وقد بينا أن ترك الأولى ليس بذنب
، وان كان الثواب ينقص معه .
فإن الأنبياء عليهم
السلام يجوز أن يتركوا كثيرا من النوافل . وقد يقول
احدنا لغيره إذا ترك الندب : لم تركت
الأفضل ولم عدلت
عن الأولى ؟ ولا يقتضي ذلك إنكارا ولا قبيحا .
تنزيه
سيدنا محمد (ص) عن الوزر :
( مسألة ) : فإن قيل فما معنى
قوله تعالى : ( أَلَمْ نَشْرَحْ
لَكَ صَدْرَكَ *
وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ
*
الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ) ( 1 ) أو ليس هذا صريحا في وقوع المعاصي
منه صلى الله عليه وآله ؟ .
( الجواب ) : قلنا أما
الوزر في أصل اللغة فهو الثقل ، وإنما سميت الذنوب
بأنها أوزارا لأنها تثقل كاسبها وحاملها . فإذا كان
أصل الوزر ما ذكرناه ، فكل شئ أثقل الإنسان وغمه وكده
وجهده جاز أن يسمى وزرا ، تشبيها بالوزر الذي هو الثقل
الحقيقي .
وليس يمتنع
أن يكون الوزر في الآية انما
أراد به غمه صلى الله عليه وآله وهمه بما كان عليه
قومه من الشرك ، وأنه كان هو وأصحابه بينهم مستضعفا
مقهورا . فكل ذلك مما يتعب الفكر ويكد النفس .
فلما أن
أعلى الله كلمته ونشر دعوته وبسط يده خاطبه بهذا
الخطاب تذكيرا له بمواقع النعمة عليه ، ليقابله بالشكر
والثناء والحمد .
ويقوي هذا التأويل قوله تعالى : (
وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) وقوله عز وجل : (
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
*
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) والعسر بالشدائد والغموم
أشبه ،
وكذلك اليسر بتفريج الكرب وإزالة الهموم والغموم اشبه
.
فإن قيل : هذا التأويل يبطله ان هذه السورة مكية
نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وهو في الحال الذي
ذكرتم انها تغمه من ضعف الكلمة وشدة الخوف من الأعداء
، وقبل أن يعلي الله كلمة المسلمين على المشركين ، فلا
وجه لما ذكرتموه .
قلنا : عن هذا السؤال جوابان : أحدهما انه تعالى لما
بشره بأنه يعلي دينه على الدين كله ويظهره عليه ويشفى
صلى الله عليه وآله من أعدائه وغيظه ، وغيظ المؤمنين
به ، كان بذلك وضعا عنه ثقل غمه بما كان يلحقه من قومه
، ومطيبا لنفسه ومبدلا عسره يسرا ، لأنه يثق بأن وعد
الله تعالى حق ما يخلف ، فامتن الله تعالى عليه بنعمة
سبقت الامتنان وتقدمته .
والجواب الآخر :
أن يكون
اللفظ وان كان ظاهره الماضي ، فالمراد به الاستقبال .
ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والاستعمال . قال الله
تعالى : ( وَنَادَى أَصْحَابُ
النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) وقوله
تعالى : ( وَنَادَوْا يَا
مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ) ، إلى غير
ذلك مما شهرته تغني عن ذكره .
تنزيه سيدنا محمد
(ص) عن
الذنب :
( مسألة ) : فإن قيل : فما معنى قوله تعالى :
( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا
تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) ( 1 ) أو
ليس هذا صريحا في أن له صلى الله عليه وآله ذنوبا وان
كانت مغفورة .
( الجواب ) : قلنا أما من نفى عنه صلى
الله عليه وآله صغائر الذنوب مضافا إلى كبائرها ، فله
عن هذه الآية أجوبة نحن نذكرها ونبين صحيحها من سقيمها
.
منها : انه أراد تعالى بإضافة الذنب إليه ذنب أبيه
آدم عليه السلام . وحسنت هذه الإضافة لاتصال القربى ،
وعفوه لذلك ، من حيث اقسم آدم على الله تعالى به ،
فأبر قسمه ، فهذا المتقدم . والذنب المتأخر هو ذنب
شيعته وشيعة أخيه عليه السلام . وهذا الجواب يعترضه أن
صاحبه نفى عن نبي ذنبا واضافه إلى آخر . والسؤال عليه
فيمن اضافه إليه كالسؤال فيمن نفاه عنه .
ويمكن إذا
أردنا نصرة هذا الجواب أن نجعل الذنوب كلها
لامته صلى الله عليه وآله ، ويكون ذكر التقدم والتأخر
إنما أراد به ما تقدم زمانه وما تأخر ، كما يقول
القائل مؤكدا : " قد غفرت لك ما قدمت وما أخرت وصفحت
عن السالف والآنف من ذنوبك " .
ولأضافه ذنوب أمته إليه
وجه في الاستعمال معروف لان القائل قد يقول لمن حضره
من بني تميم أو غيرهم من القبائل انتم فعلتم كذا وكذا
وقلتم فلانا وان كان الحاضرون ما شهدوا ذلك ولا فعلوه
وحسنت الإضافة للاتصال والتسبب ولا سبب اوكد مما بين
الرسول صلى الله عليه وآله وأمته فقد يجوز توسعا
وتجوزا أن تضاف ذنوبهم إليه ( ومنها ) انه سمى ترك
الندب ذنبا وحسن ذلك لأنه صلى الله عليه وآله ممن لا
يخالف الأوامر إلا هذا الضرب من الخلاف ولعظم منزلته
وقدره فجاز ان يسمي بالذنب منه ما إذا وقع من غيره لم
يسم ذنبا وهذا الوجه يضعفه على بعد هذه التسمية انه لا
يكون معنى لقوله انني اغفر ذنبك ولا وجه في معنى
الغفران يليق بالعدول عن الندب ( عن الذنب ) .
ومنها : ان القول خرج مخرج التعظيم وحسن الخطاب كما قلناه في
قوله تعالى : ( عَفَا اللّهُ
عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) . وهذا ليس بشئ لان العادة قد جرت فيما يخرج هذا المخرج من
الألفاظ أن يجري مجرى الدعاء ، مثل قولهم : غفر الله
لك ، وليغفر الله لك ، وما أشبه ذلك .
ولفظ الآية
بخلاف هذا لان المغفرة جرت فيها مجرى الجزاء والغرض في
الفتح . وقد كنا ذكرنا في هذه الآية وجها اخترناه وهو
أشبه بالظاهر مما تقدم ، وهو أن يكون المراد بقوله ما
تقدم من ذنبك الذنوب إليك ، لان الذنب مصدر والمصدر
يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول معا ، ألا ترى أنهم
يقولون : أعجبني ضرب زيد عمرا إذا أضافوه إلى الفاعل ،
وأعجبني ضرب زيد عمرا إذا أضافوه إلى المفعول . ومعنى
المغفرة على هذا التأويل هي الإزالة والفسخ والنسخ
لأحكام
أعدائه من المشركين عليه ، وذنوبهم إليه في منعهم إياه
عن مكة وصدهم له عن المسجد الحرام .
وهذا التأويل
يطابق ظاهر الكلام حتى تكون المغفرة غرضا في الفتح
ووجها له . وإلا فإذا أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لقوله :
( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ
فَتْحًا مُّبِينًا *
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ
وَمَا تَأَخَّرَ ) معنى معقول ، لان المغفرة للذنوب لا
تعلق لها بالفتح ، إذ ليست غرضا فيه .
وأما قوله تعالى
: (
مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) ، فلا يمتنع
أن يريد
به ما تقدم زمانه من فعلهم القبيح لك ولقومك وما تأخر
، وليس لأحد أن يقول ان سورة الفتح نزلت على رسول الله
صلى الله عليه وآله بين مكة والمدينة وقد انصرف من
الحديبية .
وقال قوم من المفسرين : ان الفتح
أراد به
فتح خيبر ، لأنه كان تاليا لتلك الحال ، وقال آخرون :
بل أراد به أنا قضينا لك في الحديبية قضاء حسنا .
فكيف
يقولون ما لم يقله أحد من أن المراد بالآية فتح مكة ،
والسورة قد نزلت قبل ذلك بمدة طويلة ، وذلك ان السورة
وان كانت نزلت في الوقت الذي ذكر وهو قبل فتح مكة ،
فغير ممتنع ان يريد بقوله تعالى (
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
مُّبِينًا ) فتح مكة . ويكون ذلك على طريق البشارة له
والحكم بأنه سيدخل مكة وينصره الله على اهلها ، ولهذا
نظائر في القرآن ، والكلام كثير .
ومما يقوي أن الفتح
في السورة أراد به فتح مكة قوله تعالى : (
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ
رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ
مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ
فَتْحًا قَرِيبًا ) ( 1 ) فالفتح القريب ههنا هو فتح خيبر .
وأما حمل الفتح على القضاء الذي قضاه في الحديبية فهو
خلاف الظاهر .
ومقتضى الآية لان الفتح بالإطلاق الظاهر
منه
الظفر والنصر . ويشهد بأن المراد بالآية ما ذكرناه
قوله تعالى : ( وَيَنصُرَكَ
اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ) .
فإن قيل :
ليس يعرف اضافة المصدر إلى المفعول إلا إذا كان المصدر
متعديا بنفسه ، مثل قولهم : أعجبني ضرب زيد عمرا .
وإضافة مصدر غير متعد إلى مفعوله غير معروفة .
قلنا :
هذا تحكم في اللسان وعلى أهله لأنهم في كتب العربية
كلها أطلقوا ان المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول معا ،
ولم يستثنوا متعديا من غيره ، ولو كان بينهما فرق
لبينوه وفصلوه كما فعلوا في غيره وليس قلة الاستعمال
معتبرة في هذا الباب لان الكلام إذا كان له أصل في
العربية استعمل عليه ، وان كان قليل الاستعمال .
وبعد
فإن ذنبهم ههنا إليه انما هو صدهم له عن المسجد الحرام
ومنعهم إياه عن دخوله ، فمعنى الذنب متعد ، وإذا كان
معنى المصدر متعديا جاز أن يجري ما يتعدى بلفظه ، فإن
من عادتهم ان يحملوا الكلام تارة على معناه وأخرى على
لفظه ، ألا ترى إلى قول الشاعر : جئني بمثل بني بدر
لقومهم * أو مثل اخوة منظور بن سيار فاعمل الكلام على
المعنى دون اللفظ ، لانه لو أعمله على اللفظ دون
المعنى لقال : أو مثل : بالجر ، لكنه لما كان معنى ،
جئني احضر ، أو هات قوما مثلهم .
حسن
أن يقول أو مثل
بالفتح ، وقال الشاعر : درست وغير آيهن مع البلى * الا
رواكد جمرهن هباء ومشجج ( 1 ) اما سوار قذى له * فبدا
وغيب سارة المعزاء فقال : ومشجج بالرفع اعمالا للمعنى
، لانه لما كان معنى قوله الا رواكد أنهن باقيات
ثابتات عطف على ذلك المشجج بالرفع .
ولو أجرى
الكلام على لفظه لنصب المعطوف به أو
أمثله هذا المعنى
كثير . وفيما ذكرناه كفاية بمشيئة الله تعالى .
تنزيه
سيدنا محمد (ص) عن المعاتبة في أمر الأعمى :
( مسألة ) :
فإن قيل : أليس قد عاتب الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وآله في إعراضه عن ابن ام مكتوم لما جاءه واقبل على
غيره بقوله : ( عَبَسَ
وَتَوَلَّى *
أَن جَاءهُ الْأَعْمَى *
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
*
أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى ) ( 1 ) . وهذا
أيسر
ما فيه أن يكون صغيرا .
( الجواب ) : قلنا : أما ظاهر
الآية فغير دال على توجهها إلى النبي صلى الله عليه
وآله ولا فيها ما يدل على أنه خطاب له ، بل هي خبر محض
لم يصرح بالمخبر عنه . وفيها ما يدل عند التأمل على ان
المعني بها غير النبي صلى الله عليه وآله لأنه وصفه
بالعبوس وليس هذا من صفات النبي صلى الله عليه وآله في
قرآن ولا خبر مع الأعداء المنابذين ، فضلا عن المؤمنين
المسترشدين .
ثم وصفه بأنه يتصدى
للأغنياء ويتلهى عن
الفقراء ، وهذا مما لا يوصف به نبينا عليه السلام من
يعرفه ، فليس هذا مشبها مع أخلاقه الواسعة وتحننه على
قومه وتعطفه ، وكيف يقول له وما عليك ألا يزكى وهو صلى
الله عليه وآله مبعوث للدعاء والتنبيه ، وكيف لا يكون
ذلك عليه . وكان هذا القول اغراء بترك الحرص على إيمان
قومه .
وقد قيل ان هذه السورة نزلت في رجل من
أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وآله كان منه هذا الفعل
المنعوت فيها ، ونحن وان شككنا في عين من نزلت فيه فلا
ينبغي أن نشك إلى أنها لم يعن بها النبي ، وأي تنفير
أبلغ من العبوس في وجوه المؤمنين والتلهي عنهم
والإقبال على الأغنياء الكافرين والتصدي لهم ، وقد نزه
الله تعالى النبي صلى الله عليه وآله عما هو دون هذا
في التنفير بكثير .
تنزيه محمد ( ع ) عن الشرك :
( مسألة ) : فإن قيل :
فما معنى قوله تعالى مخاطبا لنبيه : (
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ( 1 ) وكيف يوجه
هذا الخطاب إلى من لا يجوز عليه الشرك ولا شي ء من
المعاصي .
( الجواب ) : قد قيل في هذه الآية ان الخطاب
للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به أمته ، فقد روي
عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : نزل القرآن بإياك
اعني واسمعي يا جارة .
ومثل ذلك قوله تعالى (
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا
طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ
وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ )
( 2 ) فدل قوله تعالى فطلقوهن على ان الخطاب توجه إلى
غيره .
وجواب آخر : ان هذا خبر يتضمن الوعيد ، وليس
يمتنع أن يتوعد الله تعالى على العموم . وعلى سبيل
الخصوص من يعلم أنه لا يقع منه ما تناوله الوعيد ،
لكنه لابد من أن يكون مقدورا له وجائزا بمعنى الصحة لا
بمعنى الشك ، ولهذا يجعل جميع وعيد القرآن عاما لمن
يقع منه ما تناوله الوعيد ، ولمن علم الله تعالى أنه
لا يقع منه .
وليس قوله تعالى (
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ ) على سبيل التقدير والشرط بأكثر من قوله تعالى : (
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ
إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) لان استحالة وجود
ثان معه تعالى : إذا لم يمنع من تقدير ذلك ، وبيان
حكمه كأولى ان يسوغ تقدير وقوع الشرك الذي هو مقدور
لكن ، وبيان حكمه .
والشيعة لها في هذه الآية جواب
تنفرد به وهو أن النبي لما نص على أمير المؤمنين عليه
الصلاة والسلام بالإمامة في ابتداء الأمر جاءه قوم من
قريش فقالوا له : يا رسول الله صلى الله عليه وآله ان
الناس قريبوا عهد بالإسلام لا يرضون أن تكون النبوة
فيك والإمامة في ابن عمك علي بن أبي طالب . فلو عدلت
به إلى غيره لكان أولى . فقال لهم النبي صلى الله عليه
وآله : ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه ، لكن الله تعالى
أمرني به
| |
( 1 )
الزمر 65 ( 2 ) الطلاق 1
( * ) |
|
|
وفرضه علي . فقالوا له : فإذا لم تفعل ذلك مخافة
الخلاف على ربك تعالى فأشرك معه في الخلافة رجلا من
قريش تركن الناس إليه ، ليتم لك أمرك ولا يخالف الناس
عليك . فنزلت الآية والمعنى فيها لئن أشركت مع علي في
الإمامة غيره ليحبطن عملك ، وعلى هذا التأويل .
فالسؤال قائم لأنه إذا كان قد علم الله تعالى انه صلى
الله عليه وآله لا يفعل ذلك ولا يخالف أمره لعصمته ،
فما الوجه في الوعيد ؟ فلابد من الرجوع إلى ما ذكرناه
.
تنزيه سيدنا محمد ( ع ) عن الذنب :
( مسألة ) : فإن
قيل : فما وجه قوله تعالى : (
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ
اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )
( 1 ) أو ليس ظاهر هذا الخطاب يتضمن العتاب ؟ والعتاب
لا يكون إلا على ذنب كبير أو صغير .
( الجواب ) : قلنا ليس
في ظاهر الآية ما يقتضي عتابا وكيف يعاتبه الله تعالى
على ما ليس بذنب ، لان تحريم الرجل بعض نسائه لسبب أو
لغير سبب ليس بقبيح ولا داخل في جملة الذنوب ، وأكثر
ما فيه انه مباح .
ولا يمتنع
أن يكون قوله تعالى
: (
لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي
مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ
) خرج
مخرج التوجع من حيث يتحمل المشقة في ارضاء زوجاته ،
وإن كان ما فعل قبيحا . ولو أن احدنا أرضى بعض نسائه
بتطليق أخرى أو بتحريمها لحسن أن يقال له لم فعلت ذلك
وتحملت المشقة فيه ، وان كان ما فعل قبيحا .
ويمكن
أيضا إذا سلمنا ان القول يقتضي ظاهره العتاب أن يكون
ترك التحريم أفضل من فعله ، فكأنه عدل بالتحريم عن
الأولى . ويحسن أن يقال لمن عدل عن النقل لم لم تفعله
. وكيف عدلت عنه ، والظاهر الذي لا شبهة فيه قد يعدل
عنه لدليل ، فلو كان للآية ظاهر يقتضي العتاب لجاز أن
يصرفه إلى غيره لقيام الدلالة على انه لا يفعل شيئا من
الذنوب ولان القصة التي خرجت الآية عليها لا يقتضي
ماله تعلق بالذنب على وجه من الوجوه .
تنزيه محمد ( ع ) عن مراجعة أمر ربه :
( مسألة ) : فإن
قيل : فما الوجه في الرواية المشهورة ان النبي صلى
الله عليه وآله ليلة المعراج لما خوطب بفرض الصلاة
راجع ربه تعالى مرة بعد أخرى حتى رجعت إلى خمس ، وفي
الرواية ان موسى عليه السلام هو القائل له ان أمتك لا
تطيق هذا .
وكيف ذهب ذلك على النبي صلى الله عليه وآله
حتى نبهه موسى ( ع ) ؟ وكيف يجوز المراجعة منه مع علمه
بأن العبادة تابعة للمصلحة ؟ وكيف يجاب عن ذلك مع ان
المصلحة بخلافه ؟ .
( الجواب ) : قلنا أما هذه الرواية
فمن طريق الآحاد التي لا توجب علما ، وهي مع ذلك مضعفة
وليس يمتنع لو كانت صحيحة ان تكون المصلحة في الابتداء
يقتضي بالعبادة بالخمسين من الصلاة ، فإذا وقعت
المراجعة تغيرت المصلحة واقتضت أقل من ذلك حتى ينتهي
إلى هذا العدد المستقر ، ويكون النبي صلى الله عليه
وآله قد اعلم بذلك ، فراجع طلبا للتخفيف عن أمته
والتسهيل ، ونظير ما ذكرناه في تغير المصلحة بالمراجعة
وتركها أن فعل المنذور قبل النذر غير واجب ، فإذا تقدم
النذر صار واجبا وداخلا في جملة العبادات المفترضات ،
وكذلك تسليم المبيع غير واجب ولا داخل في جملة
العبادات ، فإذا تقدم عقد البيع وجب وصار مصلحة .
و
نظائر ذلك في الشرعيات أكثر من أن تحصى ، فأما قول
موسى له صلى الله عليه وآله ان أمتك لا تطيق فراجع ،
فليس ذلك تنبيها له صلى الله عليه وآله ، وليس يمتنع
أن يكون النبي أراد أن يسأل مثل ذلك لو لم يقل له موسى
.
ويجوز أن يكون قوله قوى دواعيه في المراجعة التي
كانت أبيحت له . ومن الناس من استبعد هذا الموضوع من
حيث يقتضي أن يكون موسى ( ع ) في تلك الحال حيا كاملا
، وقد قبض منذ زمان .
وهذا ليس ببعيد لان الله تعالى
قد خبر أن أنبياءه عليهم السلام والصالحين من عباده في
الجنان يرزقون ، فما المانع من ان يجمع الله بين نبينا
صلى الله عليه وآله وبين موسى .
حول استئذان محمد ( ع ) لربه أن يقرأ القرآن على سبعة
أحرف :
( مسألة ) : فإن قيل : فما الوجه فيما روي من ان الله تعالى لما أمر نبيه
أن يقرأ القرآن على حرف
واحد قال له جبرئيل عليه السلام استزده يا محمد ، فسأل
الله تعالى حتى أذن له أن يقرأه على سبعة أحرف ؟ .
(
الجواب ) : قلنا ان اللام في هذا الخبر يجري مجرى ما
ذكرناه في المراجعة عند فرض الصلاة ، وليس يمتنع أن
تكون المصلحة تختلف بالمراجعة والسؤال ، وإنما التمس
الزيادة في الحروف للتسهيل والتخفيف . فإن في لاناس من
يسهل عليه التفخيم وبعضهم لا يسهل عليه إلا الإمالة .
وكذلك القول في الهمز وترك الهمز . فإن كان هذا الخبر
صحيحا فوجه المراجعة فيه هو طلب التخفيف ورفع المشقة .
في وجه استثناء محمد ( ع ) في قول العباس ما لم يكن
يريد أن يستثنيه :
( مسألة ) : فإن قيل : فما الوجه في
إجابة النبي صلى الله عليه وآله العباس رضي الله عنه
في قوله إلا الاذخر ، إلى سؤاله وإمضاء استثنائه وانتم
تعلمون ان التحريم والتحليل انما يتبع المصالح فكيف
يستثني بقول العباس ما لم يكن يريد أن يستثنيه ؟ .
(
الجواب ) : قلنا : عن هذا جوابان : أحدهما أن يكون
النبي صلى الله عليه وآله أراد أن يستثني ما ذكره
العباس من الاذخر لو لم يسابقه العباس إليه . وقد نجد
كثيرا من الناس يبتدئ بكلام وفي نيته أن يصله بكلام
مخصوص فيسابقه إلى ذلك الكلام بعض حاضريه ، فيظن انه
لما وصل كلامه الأول بالثاني لأجل تذكير الحاضر له ولا
يكون الأمر كذلك .
والجواب الثاني : أن يكون الله
تعالى خير نبيه صلى الله عليه وآله في الاذخر ،
فلما سأله العباس اختار أحد الامرين اللذين خير فيهما
. وكل هذا غير ممتنع .
في وجه قول سيدنا محمد صلى الله
عليه وآله عن وضع الرب قدمه في النار :
( مسألة ) :
فإن قيل : فما قولكم في الخبر الذي رواه محمد بن جرير
الطبري بإسناده عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه
وآله " ان النار تقول هل من مزيد إذا القي فيها
أهلها
، حتى يضع الرب تعالى قدمه فيها . وتقول قط قط فحينئذ
تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض . وقد روي مثل ذلك عن انس
بن مالك ؟ .
( الجواب ) : قلنا لا شبهة في
أن كل خبر
اقتضى ، ما تنفيه أدلة العقول فهو باطل مردود ، إلا أن
يكون له تأويل سايغ غير متعسف ، فيجوز أن يكون صحيحا ،
ومعناه مطابقا للأدلة .
وقد دلت العقول ومحكم القرآن
والصحيح من السنة على ان الله تعالى ليس بذي جوارح ولا
يشبه شيئا من المخلوقات ، وكل خبر نافى ما ذكرناه وجب
ان يكون إما مردودا أو محمولا على ما يطابق ما ذكرنا
من الأدلة ، وخبر القدم يقتضي ظاهره التشبيه المحض ،
فكيف يكون مقبولا وقد قال قوم أنه لا يمتنع ان يريد
بذكر القدم القوم الذين قدمهم لها . واخبر أنهم يدخلون
إليها ممن استحقها بأعماله .
فأما قول النار فهل من
مزيد ؟ فقد قيل معنى ذلك انها صارت بحيث لا موضع فيها
للزيادة ، وبحيث لو كانت ممن تقول لقالت قد امتلات وما
بقي في مزيد ، واضاف القول إليها على سبيل المجاز كما
أضاف الشاعر القول إلى الحوض : امتلأ الحوض فقال فطني
* مهلا رويدا قد ملأت بطني
وقد قال أبو علي الجبائي ان
القول الذي هو هل من مزيد ، من قول الخزنة .
كما يقال
: قالت البلدة الفلانية كذا أي قال أهلها .
وكما قال
تعالى : (
وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ
صَفًّا صَفًّا ) ( 1 ) وهذا
أيضا
غير ممتنع .
في قول محمد ( ع ) يعذب الميت ببكاء الحي
عليه :
( مسألة ) : فإن قيل : فما معنى الخبر المروي
عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال : " ان الميت
ليعذب ببكاء الحي عليه " .
وفي رواية أخرى " ان الميت
يعذب في قبره بالنياحة عليه " .
وروى المغيرة بن شعبة
عنه صلى الله عليه وآله انه قال : " من نيح عليه فإنه
يعذب بما يناح عليه " ؟ .
( الجواب ) : قلنا هذا الخبر
منكر الظاهر لأنه يقتضي إضافة الظلم إلى الله تعالى ،
وقد نزهت أدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال
والاتساع والمجاز الله تعالى عن الظلم وكل قبيح . وقد
نزه الله تعالى نفسه بمحكم القول عن ذلك فقال عزوجل :
( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ
وِزْرَ أُخْرَى ) ( 2 ) .
ولابد من
أن نصرف
ما ظاهره بخلاف هذه الأدلة إلى ما يطابقها إن أمكن ،
أو نرده ونبطله .
وقد روي عن ابن عباس في هذا الخبر
أنه قال وهل ابن عمر : انما مر رسول الله صلى الله
عليه وآله على قبر يهودي أهله يبكون عليه فقال انهم
يبكون عليه وانه ليعذب .
وقد روى
إنكار هذا الخبر عن
عائشة أيضا ، وأنها قالت لما خبرت بروايته : وهل أبو
عبد الرحمن كما وهل يوم قليب بدر ، انما قال ( ع ) ان
أهل البيت الميت ليبكون عليه ، وانه ليعذب بجرمه .
فهذا الخبر مردود ومطعون عليه كما ترى . ومعنى قولهما
: وهل : اي ذهب وهمه إلى غير الصواب . يقال وهلت إلى
الشئ أو هل وهلا : إذا ذهب وهمك إليه . ووهلت عنه أو
هل وهلا : إذا نسيته وغلطت فيه . ووهل الرجل يوهل وهلا
: إذا فزع . والوهل : الفزع . وموضع وهله في ذكر
القليب أنه روي أن النبي صلى الله عليه وآله وقف على
قليب بدر فقال : هل وجدتم ما وعد ربكم حقا . ثم
| |
( 1 )
الفجر 22 ( 2 )
الأنعام 164 - الإسراء
15 - فاطر 18 .
الزمر 7 - النجم 38 ( * )
|
|
|
قال : إنهم ليسمعون ما أقول . فأنكر ذلك عليه ، وقيل انما قال عليه السلام : أنهم الآن ليعلمون ان الذي كنت
أقول لهم هو الحق . واستشهد بقوله تعالى : (
إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) ، ويمكن في الخبر إن كان صحيحا وجوه من
التأويل :
أولها : انه إن وصى موص بأن يناح عليه ففعل
ذلك بأمره ، فإنه يعذب بالنياحة . وليس معنى يعذب بها
أنه يؤاخذ بفعل النواح ، وانما معناه أنه يؤاخذ بأمره
بها ووصيته بفعلها ، وانما قال صلى الله عليه وآله ذلك
لان الجاهلية كانوا يرون البكاء عليهم والنوح ويأمرون
به ويؤكدون الوصية بفعله ، وهذا مشهور عنهم .
قال طرفة
بن العبد : فان مت فانعيني بما أنا أهله * وشقي عليه
الجيب يا ابنة معبد
وقال بشر بن أبي حازم : فمن يك
سائلا عن بيت بشر * فان له بجنب الردم بابا ثوى في
ملحد لابد منه * كفى بالموت نابا واغترابا رهين بلى
وكل فتى سيبلى * فاذري الدمع وانتحبي انتحابا
وثانيها
: ان العرب كانوا يبكون موتاهم ويذكرون غاراتهم وقتل
أعدائهم ، وما كانوا يسلبونه من الأموال ويرونه من
الأحوال ، فيعدون ما هو معاص في الحقيقة بعذاب الميت
بها وإن كانوا يجعلون ذلك من مفاخره ومناقبه ، فذكر
انكم تبكونهم بما يعذبون به .
وثالثها :
أن يكون
المعنى ان الله تعالى إذا علم الميت ببكاء أهله واعزته
عليه تألم لذلك ، فكان عذابا له . والعذاب ليس بجار
مجرى العقاب الذي لا يكون إلا على ذنب متقدم ، بل قد
يستعمل كثيرا بمعنى الألم والضرر .
ألا ترى ان القائل
قد يقول لمن ابتدأه بضرر أو ألم : قد عذبتني بكذا وكذا
وآذيتني ، كما يقول أضررت بي وآلمتني . وإنما لم
يستعمل
العقاب حقيقة في الآلام المبتدئة ، من حيث كان اشتقاق
لفظة العقاب من المعاقبة التي لابد من تقدم سبب لها
وليس هذا في العذاب .
ورابعها :
أن يكون أراد بالميت
من حضره الموت ودنا منه . فقد يسمى بذلك القوة
المقاربة على سبيل المجاز . فكأنه صلى الله عليه وآله
أراد أن من حضره الموت يتأذى ببكاء أهله عنده ، ويضعف
نفسه ، فيكون ذلك كالعذاب له . وكل هذا بين بحمد الله
ومنه .
في قول سيدنا محمد صلى الله عليه وآله إن قلوب
بني آدم كلها بين اصبعين :
( مسألة ) : فإن قيل : فما
معنى الخبر المروي عن عبدالله بن عمر أنه قال سمعت
النبي صلى الله عليه وآله يقول : إن قلوب بني آدم كلها
بين اصبعين من اصابع الرحمن يصرفها كيف يشاء . ثم يقول
رسول الله صلى الله عليه وآله عند ذلك : اللهم مصرف
القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك . والخبر الذي يرويه أنس
قال رسول الله : ما من قلب آدمي إلا وهو بين اصبعين من
اصابع الله تعالى ، فإذا شاء ان يثبته ثبته واذشاء أن
يقلبه قلبه ؟ .
( الجواب ) : قلنا ان لمن تكلم في
تأويل هذه الأخبار ولم يدفعها لمنافاتها لأدلة العقول
أن يقول أن الاصبع في كلام العرب وان كانت هي الجارحة
المخصوصه ، فهي أيضا الأثر الحسن . يقال لفلان على
ماله وابله اصبع حسنة . اي قيام واثر حسن .
قال الراعي
واسمه عبيد الله بن الحصين ويكنى بأبي جندل ، يصف
راعيا حسن القيام على ابله :
ضعيف العصى بادي العروق
ترى له * عليها إذا ما اجدب الناس اصبعا
وقال لبيد :
من يبسط الله عليه اصبعا * بالخير والشر بأي أولعا
يملا له منه ذنوبا مترعا
وقال الآخر : أكرم نزارا واسقه المشعشا * فإن فيه
خصلات اربعا مجدا وجودا ويدا واصبعا فإن الاصبع في كل
ما أوردناه المراد به الاثر الحسن والنعمة ، فيكون
المعنى ما من آدمي الا وقلبه بين نعمتين لله تعالى
جليلتين .
فإن قيل : فما معنى تثنية النعمتين ونعم
الله تعالى على عباده لا تحصى كثرة .
قلنا : يحتمل ان
يكون الوجه في ذلك نعم الدنيا ونعم الآخرة ، وثناهما
لانهما كالجنسين أو النوعين . وان كان كل قبيل منهما
في نفسه ذا عدد كثير .
ويمكن
أن يكون الوجه في تسميتهم
الأثر الحسن بالاصبع هو من حيث يشار إليه بالاصبع
اعجابا وتنبيها عليه ، وهذه عادتهم في تسمية الشئ بما
يقع عنده وبما له به علقة وقد قال قوم ان الراعي أراد
ان يقول يدا في موضع اصبع ، لان اليد النعمة ، فلم
يمكنه . فعدل عن اليد إلى الاصبع لانها من اليد .
وفي
هذه الأخبار وجه آخر وهو أوضح من الوجه الأول وأشبه
بمذهب العرب وتصرف ملاحن كلامها ، وهو ان يكون الغرض
في ذكر الاصابع الاخبار عن تيسير تصريف القلوب
وتقليبها والفعل فيها عليه عزوجل ، ودخول ذلك تحت
قدرته ، ألا ترى أنهم يقولون هذا الشئ في خنصري واصبعي
وفي يدي وقبضتي .
كل ذلك إذا أرادوا وصفه بالتيسير
والتسهيل وارتفاع المشقة فيه والمؤونة وعلى هذا المعنى
يتأول المحققون قوله تعالى : (
وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) ( 1 ) فكأنه صلى
الله عليه وآله لما أراد المبالغة في وصفه بالقدرة على
تقليب
القلوب وتصريفها بغير مشقة ولا كلفة ، قال إنها بين اصابعه كناية عن هذا المعنى واختصارا للفظ الطويل يه .
وقد ذكر قوم في معنى الاصابع على أنها المخلوقات من
اللحم والدم استظهارا في الحجة على المخالف وجها آخر ،
وهو أنه لا ينكر أن يكون القلب يشتمل عليه جسمان على
شكل الاصبعين ، يحركه الله بهما ويقلبه بالفعل فيهما .
ويكون وجه تسميتهما بالاصبعين من حيث كانا على
شكلهما .
والوجه في اضافتهما إلى الله تعالى .
وان
كانت جميع أفعاله تضاف إليه بمعنى الملك والقدرة ،
لأنه لا يقدر على الفعل فيهما وتحريكهما منفردين عما
جاوزهما غيره تعالى ، وقيل إنهما اصبعان له من حيث
اختص بالفعل فيهما على هذا الوجه .
وهذا التأويل وان
كان دون ما تقدمه فالكلام يحتمله ، ولابد من ذكر القوي
والضعيف إذا كان في الكلام له ادنى احتمال .
في قول
سيدنا محمد إن الله خلق آدم على صورته :
( مسألة ) :
فإن قيل فما معنى الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه
وآله انه قال : " ان الله خلق آدم على صورته " ، أو
ليس ظاهر هذا الخبر يقتضي التشبيه وان له تعالى عن ذلك
صورة .
( الجواب ) : قلنا قد قيل في تأويل هذا الخبر
أن الهاء في قوله في صورته ، إذا صح هذا الخبر راجعة
إلى آدم ( ع ) دون الله ، فكان المعنى انه تعالى خلقه
على الصورة التي قبض عليها ، وأن حاله لم يتغير في
الصورة بزيادة ولا نقصان كما تتغير أحوال البشر .
وذكر
وجه ثان : وهو ان تكون الهاء راجعة إلى الله تعالى ،
ويكون المعنى انه خلقه على الصورة التي اختارها
واجتباها ، لان الشئ قد يضاف على هذا الوجه إلى مختاره
ومصطفيه .
وذكر
أيضا وجه ثالث : وهو ان هذا الكلام خرج
على سبب معروف لان
الزهري روي عن الحسن أنه كان يقول : مر رسول الله صلى
الله عليه وآله برجل من الأنصار وهو يضرب وجه غلام له
ويقول قبح الله وجهك ووجه من تشبهه ، فقال النبي صلى
الله عليه وآله بئس ما قلت ، فإن الله خلق آدم على
صورة المضروب .
ويمكن في هذا الخبر وجه رابع : وهو ان
يكون المراد ان الله تعالى خلق صورته لينتفي بذلك الشك
في أن تأليفه من فعل غيره ، لان التأليف من جنس مقدور
البشر ، والجواهر وما شكلها من الأجناس المخصوصة من
الاعراض التي ينفرد القديم تعالى بالقدرة عليها .
فيمكن قبل النظر ان يكون الجواهر من فعله ، وتأليفها
من فعل غيره .
ألا ترى انا نرجع في العلم من أن تأليف
السماء من فعله تعالى إلى السمع ، لأنه لا دلالة في
العقل على ذلك . لما نرجع في أن تأليف الإنسان من فعله
تعالى في الموضوع الذي يستدل به على أنه عالم من حيف
ظهر منه الفعل المحكم ، إلى ان يجعل الكلام في أول
إنسان خلقه ، لأنه لا يمكن أن يكون مؤلفه سواه إذا كان
هو أول الاحياء من المخلوقات . فكأنه عليه السلام اخبر
بهذه الفائدة الجليلة وهو أن جواهر آدم عليه السلام
وتأليفه من فعل الله تعالى .
ويمكن وجه خامس : وهو ان
يكون المعنى ان الله تعالى انشأه على هذه الصورة التي
شوهد عليها على سبيل الابتداء ، وأنه لم ينتقل إليها
ويتدرج كما جرت العادة في البشر . وكل هذه الوجوه
جائزة في معنى الخبر والله تعالى ورسوله أعلم بالمراد
.
في قول سيدنا محمد : سترون ربكم كما ترون القمر ليلة
البدر :
( مسألة ) : فإن قيل : فما معنى الخبر المروي
عن النبي صلى الله عليه
وآله انه قال : " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة
البدر لا تضامون في رؤيته " وهذا خبر مشهور لا يمكن
تضعيفه ونسبته إلى الشذوذ ؟ .
( الجواب ) : قلنا : أما
هذا الخبر فمطعون عليه مقدوح في راويه ، فإن راويه قيس
بن أبي حازم ، وقد كان خولط في عقله في آخر عمره مع
استمراره على رواية الاخبار . وهذا قدح لا شبهة فيه
لان كل خبر مروي عنه لا يعلم تاريخه يجب أن يكون
مردودا ، لأنه لا يؤمن أن يكون مما سمع منه في حال
الاختلال . وهذه طريقة في قبول الاخبار وردها ينبغي أن
يكون أصلا ومعتبرا فيمن علم منه الخروج ولم يعلم تاريخ
ما نقل عنه .
على أن قيسا لو سلم من هذا القدح كان
مطعونا فيه من وجه آخر ، وهو أن قيس بن أبي حازم كان
مشهورا بالنصب والمعاداة لأمير المؤمنين صلاة الله
وسلامه عليه والانحراف عنه ، وهو الذي قال : رأيت علي
بن أبي طالب ( ع ) على منبر الكوفة يقول : انفروا إلى
بقية الأحزاب ، فأبغضته حتى اليوم في قلبي . إلى غير
ذلك من تصريحه بالمناصبة والمعاداة . وهذا قادح لا شك
في عدالته . على ان للخبر وجها صحيحا يجوز أن يكون
محمولا عليه إذا صح ، لان الرؤية قد تكون بمعنى العلم
، وهذا ظاهر في اللغة ويدل عليه قوله تعالى : (
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ
رَبُّكَ بِعَادٍ ) ، وقوله : (
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ
الْفِيلِ ) . وقوله تعالى : (
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن
نُّطْفَةٍ ) .
وقال الشاعر : رأيت الله إذ سمى نزارا *
وأسكنهم بمكة قاطنينا فيجوز أن يكون معنى
الخبر على هذا " انكم تعلمون ربكم علما ضروريا كما
تعلمون القمر ليلة البدر من غير مشقة ولا كد " نظر .
وليس
لأحد أن يقول ان الرؤية إذا كانت بمعنى العلم
تعدت إلى مفعولين لا يجوز الاقتصار على احدهما على
مذهب أهل اللسان ، والرؤية بالبصر تتعدى إلى مفعول
واحد ، فيجب أن يحمل الخبر مع فقد المفعول الثاني على
الرؤية
بالبصر ، وذلك أن العلم عند أهل اللغة على ضربين : علم
يقين ومعرفة . والضرب الآخر يكون بمعنى الظن والحسبان
. والذي هو بمعنى البصر لا يتعدى إلى اكثر من مفعول
واحد . ولهذا يقولون علمت زيدا بمعنى عرفته وتيقنته ،
ولا يأتون بمفعول ثان وإذا كان بمعنى الظن احتاج إلى
المفعول الثاني ، وقد قيل ليس يمتنع ان يكون المفعول
الثاني في الخبر محذوفا يدل الكلام عليه ، وإن لم يكن
مصرحا به .
فان قيل : يجب على تأويلكم هذا ان يساوى
أهل النار اهل الجنة في هذا الحكم الذي هو المعرقة
الضرورية بالله تعالى ، لان معارف جميع أهل الآخرة
عندكم لا تكون الا اضطرارا . فإذا ثبت ان الخبر بشارة
للمؤمنين دون الكافرين بطل تأويلكم .
قلنا : البشارة
في هذا الخبر تخص المؤمنين على الحقيقة ، لان الخبر
بزوال اليسير من الاذى لمن نعيمه خالص صاف يعد بشارة .
ومثل ذلك لا يعد بشارة لمن هو في غاية المكروه ونهاية
الالم والعذاب وأيضا فإن علم أهل الجنة بالله ضرورة
يزيد في نعيمهم وسرورهم لانهم يعلمون بذلك انه تعالى
يقصد بما يفعله لهم من النعيم التعظيم والتبجيل ، وأنه
يديم ذلك ولا يقطعه . وأهل النار إذا علموه تعالى
ضرورة علموا قصده إلى اهانتهم والاستخفاف بهم وادامة
مكروهم وعذابهم .
فاختلف العلمان في باب البشارة وان
اتفقا في انهما ضروريان : في حديث نفي الملل عن الله
تعالى :
( مسألة ) : فان قيل فما معنى الخبر الذي رواه
أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال " ان
أحب الأعمال إلى الله تعالى ادومها وان قل فعليكم من
الأعمال بما تطيقون فان الله لا يمل حتى تملوا " .
(
الجواب ) : قلنا في تأويل هذا الخبر وجوه كل واحد منها
يخرج كلامه صلى الله عليه وآله من حيز الشبهة :
( أولها ) انه أراد نفي الملل عنه تعالى ، وأنه لا يمل
أبدا ، فعلقه بما لا يقع على سبيل التبعيد كما قال
عزوجل ( وَلاَ يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ
الْخِيَاطِ )
وكما قال الشاعر : فانك سوف تحكم أو تباهي * إذا ما
شبت أو شاب الغراب أراد انك لا تحكم أبدا .
فان قيل
ومن أين لكم ان الذي علقه به لا يقع ، حتى حكمتم بأنه
أراد نفي الملل على سبيل التأبيد .
قلنا : معلوم ان
الملل لا يشمل البشر في جميع أمورهم وأطوارهم ، وأنهم
لا يعرفون من حرص ورغبة وأمل وطمع ، فلهذا جاز ان يعلق
ما علم الله تعالى انه لا يكون تمللهم .
والوجه الثاني
: أن يكون المعنى انه تعالى لا يغضب عليكم فيطرحكم
ويخليكم من فضله وإحسانه حتى تتركوا العمل له وتعرضوا
عن سؤاله والرغبة في حاجاتكم إلى جوده . فسمى الفعلين
مللا وان لم يكونا على الحقيقة كذلك على مذهب العرب في
تسميتها الشئ باسم غيره إذا وافق معناه من بعض الوجوه
، قال عدي بن زيد العبادي : ثم اضحوا لعب الدهر بهم *
وكذاك الدهر يودى بالرجال
وقال عبيد بن الأبرص الاسدي
: سائل بنا حجر بن ام قطام إذ * ظلت به السمر الذوابل
تلعب فنسب اللعب إلى الدهر والقنا تشبيها .
وقال ذو الرمة : وابيض موشى القميص نصبته * على خصر
مقلاة سفيه جديلها فسمى اضطراب زمامها سفها ، لان
السفه في الأصل هو الطيش وسرعة الاضطراب والحركة ،
وانما وصف ناقته بالذكاء والنشاط .
والوجه الثالث : ان
يكون المعنى انه تعالى لا يقطع عنكم خيره ونائله حتى
تملوا من سؤاله ، ففعلهم ملل على الحقيقة ، وسمي فعله
تعالى مللا وليس على الحقيقة . وكذلك للازدواج
والتشاكل في الصورة ، وان كان المعنى مختلفا .
ومثله
قوله تعالى ( فَمَنِ اعْتَدَى
عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا
اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ) ( 1 ) (
وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ) ( 2 )
.
ومثله قول الشاعر : الا لا يجهلن احد علينا * فنجهل
فوق جهل الجاهلينا وإنما أراد المجازاة على الجهل ،
لان العاقل لا يفخر بالجهل ولا يتمدح به .
واعلم ان
لهذه الأخبار والمضافة إلى النبي صلى الله عليه وآله
مما يقتضي ظاهرها تشبيها لله تعالى بخلقه أو جورا له
في حكمه أو إبطالا لأصل عقلي ، نظائر كثيرة ، وان كانت
لا تجري في الشهرة مجرى ما ذكرناه ، ومتى تقصينا
الكلام على جميع ذلك طال الكتاب جدا وخرج عن الغرض
المقصود به ، لا بأشرطنا أن لا نتكلم ولا نتأول فيما
يضاف إلى الأنبياء عليهم السلام من المعاصي إلا على
آية من الكتاب ، أو خبر معلوم أو مشهور يجري في شهرته
مجرى المعلوم وفيما ذكرناه بلاغ وكفاية .
نحن نبتدئ
بالكلام على ما يضاف إلى الأئمة عليهم السلام مما ظن
ظانون انه قبيح ونرتب ذلك كما رتبناه في الأنبياء
عليهم السلام ، ومن الله نستمد حسن المعونة والتوفيق .
| |
( 1 ) البقرة
194 ( 2 ) الشورى 40 ( * )
|
|
|
|