- تنزيه الأنبياء عليهم السلام - الشريف المرتضى  ص 182 :

تنزيه الأئمة عليهم السلام
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
حول نص النبي صلى الله عليه وآله على خلافة علي ( ع ) وعدم منازعته للمتآمرين :

( مسألة ) : إن قال قائل إذا كان من مذهبكم يا معشر القائلين بالنص إن النبي صلى الله عليه وآله نص على علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة بعده ، وفوض إليه أمر أمته ، فما باله لم ينازع المتآمرين بعد النبي في الأمر الذي وكل إليه وعول في تدبيره عليه أو ليس هذا منه إغفالا لواجب لا يسوغ إغفاله ؟ فإن قلتم انه لم يتمكن من ذلك فهلا اعذر وأبلى واجتهد ، فإنه إذا لم يصل إلى مراده بعد الأعذار والاجتهاد كان معذورا .

أو ليس هو عليه السلام الذي حارب أهل البصرة وفيهم زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وطلحة والزبير ، ومكانهما من الصحبة والاختصاص والتقدم مكانهما ، ولم يحشمه ظواهر هذه الأحوال من كشف القناع في حربهم حتى أتى على نفوس أكثر أهل العسكر ، وهو المحارب لأهل صفين مرة بعد أخرى مع تخاذل أصحابه وتواكل أنصاره ، وانه ( ع ) كان في أكثر مقاماته تلك وموقفه لا يغلب في ظنه الظفر ولا يرجو لضعف من معه النصر . وكان عليه السلام مع ذلك كله مصمما ماضيا قدما لا

- ص 183 -

تأخذه في الله لومة لائم ، وقد وهب نفسه وماله وولده لخالقه تعالى ، ورضي بأن يكون دون الحق اما جريحا أو قتيلا ، فكيف لم يظهر منه بعض هذه الأمور مع من تقدم والحال عندكم واحدة ، بل لو قلنا انها كانت أغلظ وأفحش لأصبنا لأنها كانت مفتاح الشر واس الخلاف وسبب التبديل والتغيير ؟ .

وبعد ، فكيف لم يقنع بالكف عن التفكير والعدول عن المكاشفة والمجاهرة حتى بايع القوم وحضر مجالسهم ، ودخل في آرائهم وصلى مقتديا بهم ، وأخذ عطيتهم ونكح من سبيهم وانكحهم ، ودخل في الشورى التي هي عندكم مبنية على غير تقوى ، فما الجواب عن جميع ذلك اذكروه ، فإن الأمر فيه مشتبه والخطب ملتبس ؟ .

( الجواب ) : قلنا أما الكلام على ما تضمنه هذا السؤال فهو مما يخص الكلام في الإمامة ، وقد استقصيناه في كتابنا المعروف بالشافي في الإمامة ، وبسطنا القول فيه في هذه الأبواب ونظائرها بسطا يزيل الشبهة ويوضح الحجة ، لكنا لا نخلي هذا الكتاب من حيث تعلق غرضه بهذه المواضع من إشارة إلى طريقة الكلام فيها .

فنقول : قد بينا في صدر هذا الكتاب إن الأئمة عليهم السلام معصومون من كبائر الذنوب وصغائرها ، واعتمدنا في ذلك على دليل عقلي لا يدخله احتمال ولا تأويل بشئ ، فمتى ورد عن احدهم عليهم السلام فعل له ظاهر الذنب ، وجب ان نصرفه عن ظاهره ونحمله على ما يطابق موجب الدليل العقلي فيهم ، كما فعلنا مثل ذلك في متشابه القرآن المقتضي ظاهره ما لا يجوز على الله تعالى ، وما لا يجوز على نبي من أنبيائه عليهم السلام .

فإذا ثبت إن أمير المؤمنين عليه السلام إمام فقد ثبت بالدليل العقلي أنه معصوم عن الخطأ والزلل ، فلابد من حمل جميع أفعاله على جهات الحسن ونفي القبيح عن كل واحد منها .
وما كان له منها ظاهر يقتضي الذنب علمنا

- ص 184 -

في الجملة انه على غير ظاهره ، فإن عرفنا وجهه على التفصيل ذكرناه ، وإلا كفانا في تكليفنا أن نعلم إن الظاهر معدول عنه ، وأنه لابد من وجه فيه يطابق ما تقتضيه الأدلة .

وهذه الجملة كافية في جميع المشتبهة من أفعال الأئمة عليهم السلام وأقوالهم ، ونحن نزيد عليها فنقول : ان الله تعالى لم يكلف إنكار المنكر سواء اختص بالمنكر أو تعداه إلى غيره الا بشروط معروفة ، أقواها التمكن . وان لا يغلب في ظن المنكر ان إنكاره يؤدي إلى وقوع ضرر به لا يحتمل مثله ، وأن لا يخاف في انكاره من وقوع ما هو أفحش منه وأقبح من المنكر .

وهذه شروط قد دلت الأدلة عليها ووافقنا المخالفون لنا في الإمامة فيها وإذا كان ما ذكرناه مراعي في وجوب إنكار المنكر ، فمن أين أن أمير المؤمنين عليه السلام كان متمكنا من المنازعة في حقه والمجادلة ، وما المنكر من أن يكون عليه السلام خائفا متى نازع وحارب من ضرر عظيم يلحقه في نفسه وولده وشيعته ، ثم ما المنكر من أن يكون خاف من الإنكار من ارتداد القوم عن الدين وخروجهم عن الإسلام ونبذهم شعار الشريعة ، فرأى ان الاغضاء أصلح في الدين من حيث كان يجر الإنكار ضررا فيه لا يتلافى .

فان قيل : فما يمنع من أن يكون إنكار المنكر مشروطا بما ذكرتم ، إلا انه لابد لارتفاع التمكن وخوف الضرر عن الدين والنفس من امارات لايحة ظاهرة يعرفها كل احد ، ولم يكن هناك شئ من امارات الخوف وعلامات وقوع الفساد في الدين . وعلى هذا فليس تنفعكم الجملة التي ذكرتموها لان التفصيل لا يطابقها .

قلنا : أول ما نقوله إن الأمرات التي يغلب معها الظن بأن إنكار المنكر يؤدي إلى الضرر ، إنما يعرفها من شهد الحال وحضرها وأثرت في ظنه ، وليست مما يجب أن يعلمها الغائبون عن تلك المشاهدة . ومن أتى بعد ذلك الحال بالسنين المتطاولة . وليس من حيث لم تظهر لنا تلك الأمرات ولم

- ص 185 -

نحط بها علما ، يجب القطع على من شهد تلك الحال لم تكن له ظاهرة ، فإنا نعلم ان للمشاهد وحضوره مزية في هذا الباب لا يمكن دفعها ، والعادات تقتضي بأن الحال على ما ذكرناه .

فإنا نجد كثيرا ممن يحضر مجالس الظلمة من الملوك يمتنع من انكار بعض ما يجري بحضرتهم من المناكير ، وربما أنكر ما يجري مجراه في الظاهر ، فإذا سئل عن سبب إغضائه وكفه ذكر أنه خاف لامارة ظهرت له ، ولا يلزمه ان تكون تلك الأمرة ظاهرة لكل أحد ، حتى يطالب بأن يشاركه في الظن والخوف كل من عرفه . بل ربما كان معه في ذلك المقام من لا يغلب على ظنه مثل ما غلب على ظنه من حيث اختص بالأمرة دونه .

ثم قد ذكرنا في كتابنا في الإمامة من أسباب الخوف وامارات الضرر التي تناصرت بها الروايات ، ووردت من الجهات المختلفة ما فيه مقنع للمتأمل ، وانه ( ع ) غولط في الأمر وسوبق إليه وانتهزت غرته ، واغتنمت الحال التي كان فيها متشاغلا بتجهيز النبي صلى الله وآله عليه ، وسعى القوم إلى سقيفة بني ساعدة ، وجرى لهم فيها مع الأنصار ما جرى ، وتم لهم عليهم كما اتفق من بشير بن سعد ما تم وظهر ، وانما توجه لهم من قهرهم الأنصار ما توجه ان الإجماع قد انعقد على البيعة ، وأن الرضا وقع من جميع الأمة وروسل أمير المؤمنين عليه السلام .

ومن تأخر معه من بني هاشم وغيرهم مراسلة من يلزمهم بيعة قد تمت ووجبت لا خيار فيها لاحد ، ولا رأي في التوقف عنها لذي رأي ثم تهددوه على التأخر ، فتارة يقال له لا تقم مقام من يظن فيه الحسد لابن عمه ، إلى ما شاكل ذلك من الأقوال والأفعال التي تقتضي التكفل والتثبت ، وتدل على التصميم والتتميم . وهذه امارات بل دلالات تدل على ان الضرر في مخالفة القوم شديد .

وبعد ، فان الذي نذهب إليه من سبب التقية والخوف مما لابد منه ، إذا فرضوا ان مذهبنا في النص صحيح ، لأنه إذا كان النبي صلى الله عليه وآله قد نص على أمير المؤمنين ( ع ) بالإمامة في مقام بعد مقام وبكلام لا يحتمل

- ص 186 -

التأويل ، ثم رأى المنصوص عليه أكثر الأمة بعد الوفاة بلا فصل ، اقبلوا يتنازعون الأمر تنازع من لم يعهد إليه بشئ فيه ، ولا يسمع على الإمامة نصا لان المهاجرين قالوا نحن أحق بالأمر ، لان الرسول صلى الله عليه وآله منا ولكيت وكيت . وقال الأنصار نحن آويناه ونصرناه فمنا أمير ومنكم أمير . هذا ، والنص لا يذكر فيما بينهم .

ومعلوم ان الزمان لم يبعد فيتناسوه ومثله لا يتناسى ، فلم يبق إلا أنه عملوا على التصميم ووطنوا نفوسهم على التجليح ، وأنهم لم يستيجزوا الاقدام على خلاف الرسول صلى الله عليه وآله في اجل أوامره وأوثق عهوده ، والتظاهر بالعدول عما أكده وعقده ، إلا لداع قوي وأمر عظيم يخاف فيه من عظيم الضرر ، ويتوقع منه شديد الفتنة .

فأي طمع يبقى في نزوعهم بوعظ وتذكير ؟
وكيف يطمع في قبول وعظه والرجوع إلى تبصيره وإرشاده من رآهم لم يتعظوا بوعظ يخرجهم من الضلالة وينقذهم من الجهالة ؟
وكيف لا يتهمهم على نفسه ودينه من رأى فعلهم بسيدهم وسيد الناس أجمعين فيما عهده وأراده وقصده ؟
وهل يتمكن عاقل بعد هذا أن يقول أي امارة للخوف ظهرت ؟

اللهم الا أن يقولوا إن القوم ما خالفوا نصا ولا نبذوا عهدا ، وإن كل ذلك تقول منكم عليهم لا حجة فيه ، ودعوى لا برهان عليها ، فتسقط حينئذ المسألة من أصلها ، ويصير تقديرها إذا كان أمير المؤمنين ( ع ) غير منصوص عليه بالإمامة ولا مغلوب على الخلافة ، فكيف لم يطالب بها ولم ينازع فيها ؟ ومعلوم انه لا مسألة في ان من لم يطالب بما ليس له ، ولم يجعل إليه ، وإنما المسألة في ان لم يطالب بما جعل إليه .

وإذا فرضنا ان ذلك إليه ، جاء منه كل الذي ذكرناه . ثم يقال لهم إذا سلمتم ان وجوب إنكار المنكر مشروط بما ذكرناه من الشروط ، فلم أنكرتم ان يكون أمير المؤمنين عليه السلام انما أحجم عن المجاهدة بالإنكار ، لان شروط إنكار المنكر لم تتكامل ، إما لأنه كان خائفا على نفسه أو على من يجري مجرى نفسه ، أو مشفقا من وقوع ضرر في الدين هو أعظم مما أنكره . وما المانع من أن يكون الأمر جرى على ذلك ؟ .

- ص 187 -

فان قالوا أن امارات الخوف لم تظهر .

قلنا : وأي امارة للخوف هي أقوى من الاقدام على خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله في أوثق عهوده وأقوى عقوده ، والاستبداد بأمر لاحظ لهم فيه .

وهذه الحال تخرج من أن يكون امارة في ارتفاع الحشمة من القبيح إلى أن يكون دلالة ، وإنما يسوغ أن يقال لا امارة هناك تقتضي الخوف وتدعو إلى سوء الظن إذا فرضنا ان القوم كانوا على أحوال السلامة متضافرين متناصرين متمسكين بأوامر الرسول صلى الله عليه وآله ، جارين على سنته وطريقته .
فلا يكون لسوء الظن عليهم مجال ولا لخوف من جهتهم طريق .

فأما إذا فرضنا انهم دفعوا النص الظاهر وخالفوه وعملوا بخلاف مقتضاه ، فالأمر حينئذ منعكس منقلب وحسن الظن لا وجه له ، وسوء الظن هو الواجب اللازم . فلا ينبغي للمخالفين لنا في هذه المسألة ان يجمعوا بين المتضادات ، ويفرضوا ان القوم دفعوا النص وخالفوا موجبه ، وهم مع ذلك على أحوال السلامة المعهودة منهم التي تقتضي من الظنون بهم أحسنها وأجملها على أنا لا نسلم انه ( ع ) لم يقع منه إنكار على وجه من الوجوه ، فإن الرواية متظافرة بأنه عليه السلام لم يزل يتظلم ويتألم ويشكو أنه مظلوم ومقهور في مقام بعد مقام وخطاب بعد خطاب .

وقد ذكرنا تفصيل هذه الجملة في كتابنا الشافي في الإمامة وأوردنا طرفا مما روي في هذا الباب ، وبينا ان كلامه ( ع ) في هذا المعنى يترتب في الأحوال بحسب ترتبها في الشدة واللين ، فكان المسموع من كلامه عليه السلام في أيام أبي بكر لا سيما في صدرها ، وعند ابتداء البيعة له ما لم يكن مسموعا في أيام عمر ، ثم صرح عليه السلام وبين وقوى تعريضه في أيام عثمان ، ثم انتهت الحال في أيام تسليم الأمر إليه إلى انه ( ع ) ما كان يخطب خطبة ولا يقف موقفا الا ويتكلم فيه بالألفاظ المختلفة والوجوه المتباينة ، حتى اشترك في معرفة ما في نفسه الولي والعدو والقريب والبعيد .
وفي بعض ما كان ( ع ) بيديه ويعيده

- ص 188 -

أعذار وإفراغ للوسع ، وقيام بما يجب على مثله ممن قل تمكنه وضعف ناصره . فأما محاربة أهل البصرة ، ثم أهل صفين ، فلا يجري مجرى التظاهر بالإنكار على المتقدمين عليه ( ع ) ، لأنه وجد على هؤلاء أعوانا وأنصارا يكثر عددهم ويرجي النصر والظفر بمثلهم ، لان الشبهة في فعلهم وبغيهم كانت زايلة عن جميع الأماثل وذوي البصائر ، ولم يشتبه أمرهم إلا على اغنام وطغام ولا إعتبار بهم ولا فكر في نصرة مثلهم .

فتعين الغرض في قتالهم ومجاهدتهم للأسباب التي ذكرناها . وليس هذا ولا شئ منه موجودا فيمن تقدم ، بل الأمر فيه بالعكس مما ذكرناه لان الجمهور والعدد الجم الكثير ، كانوا على موالاتهم وتعظيمهم وتفضيلهم وتصويبهم في أقوالهم وأفعالهم .

فبعض للشبهة وبعض للانحراف عن أمير المؤمنين عليه السلام والحبة لخروج الأمر عنه ، وبعض لطلب الدنيا وحطامها ونيل الرياسات فيها .

فمن جمع بين الحالتين وسوى بين الوقتين كمن جمع بين المتضادين . وكيف يقال هذا ويطلب منه ( ع ) من الإنكار على من تقدم مثل ما وقع منه ( ع ) متأخرا في صفين والجمل ، وكل من حارب معه ( ع ) في هذه الحروب ، إلا القليل كانوا قائلين بإمامة المتقدمين عليه ( ع ) ومنهم من يعتقد تفضيلهم على سائر الأمة ، فكيف يستنصر ويتقوى في اظهار الإنكار على من تقدم بقوم هذه صفتهم ، وابن الإنكار على معاوية وطلحة وفلان وفلان من الإنكار على أبي بكر وعمر وعثمان لولا الغفلة والعصبية ، ولو انه ( ع ) يرجو في حرب الجمل وصفين وسائر حروبه ظفرا ، وخاف من ضرر في الدين عظيم هو أعظم مما ينكره ، لما كان إلا ممسكا ومحجما كسنته فيمن تقدم .

في بيعة علي للمتآمرين :

فأما البيعة ، فإن أريد بها الرضا والتسليم ، فلم يبايع أمير المؤمنين عليه السلام القوم بهذا التفسير على وجه من الوجوه . ومن ادعى ذلك كانت عليه

- ص 189 -

الدلالة ، فإنه لا يجدها . وان أريد بالبيعة الصفقة وإظهار الرضا ، فذلك مما وقع منه ( ع ) ، لكن بعد مطل شديد وتقاعد طويل علمهما الخاص والعام . وانما دعاه إلى الصفقة وإظهار التسليم ما ذكرناه من الأمور التي بعضها يدعو إلى مثل ذلك .

في حضوره مجالسهم :

واما حضور مجالسهم فما كان عليه الصلاة والسلام ممن يتعمدها ويقصدها ، وإنما كان يكثر الجلوس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فيقع الاجتماع مع القوم هنا ، وذلك ليس بمجلس لهم مخصوص .

وبعد ، فلو تعمد حضور مجالسهم لينهى عن بعض ما يجري فيها من منكر ، فإن القوم قد كانوا يرجعون إليه في كثير من الأمور ، لجاز ولكان للحضور وجه صحيح له بالدين علقه قوية . فأما الدخول في آرائهم ، فلم يكن عليه السلام ممن يدخل فيها إلا مرشدا لهم ومنبها على بعض ما شذ عنهم ، والدخول بهذا الشرط واجب .

في الصلاة خلفهم :

وأما الصلاة خلفهم ، فقد علمنا ان الصلاة على ضربين : صلاة مقتد مؤتم بإمامه على الحقيقة ، وصلاة مظهر للاقتداء والائتمام وان كان لا ينويها فإن ادعي على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام انه صلى ناويا للاقتداء ، فيجب أن يدلوا على ذلك ، فإنا لا نسلمه ولا هو الظاهر الذي لا يمكن النزاع فيه . وان ادعوا صلاة مظهر للاقتداء فذلك مسلم لهم ، لأنه الظاهر .

إلا انه غير نافع فيما يقصدونه ، ولا يدل على خلاف ما يذهب إليه في أمره ( ع ) ، فلم يبق إلا أن يقال فما العلة في إظهار الاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به ؟ فالعلة في ذلك غلبة القوم على الأمر وتمكنهم من الحل والعقد ، لان الامتناع من إظهار الاقتداء بهم مجاهرة ومنابذة ، وقد قلنا فيما

- ص 190 -

يؤدي ذلك إليه في ما فيه كفاية .

في أخذه أعطيتهم :

فأما أخذه الأعطية ، فما اخذ عليه السلام إلا حقه ولا سأل على من اخذ ما يستحقه ، اللهم الا أن يقال ان ذلك المال لم يكن وديعة له ( ع ) في أيديهم ولا دينا في ذممهم ، فيتعين حقه ويأخذه كيف شاء وأنى شاء .

لكن ذلك المال انما يكون حقا له إذا كان الجابي لذلك المال والمستفيد له ممن قد سوغت الشريعة جبايته وغنيمته ، ان كان من غنيمة . والغاصب ليس له ان يغنم ولا ان يتصرف التصرف المخصوص الذي يفيد المال . عن ذلك انا نقول : ان تصرف الغاصب لأمر الأمة إذا كان عن قهر وغاية ، وسوغت الحال للأمة الإمساك عن النكير خوفا وتقية يجري في الشرع مجرى تصرف المحق في باب جواز اخذ الأموال التي تفئ على يده ، ونكاح السبي وما شاكل ذلك .

وان كان هو لذلك الفعل موزورا معاقبا ، وهذا بعينه عليه نص عن ائمتنا عليهم السلام لما سئلوا عن النكاح في دول الظالمين والتصرف في الأموال .

في نكاح السبي :

فأما ما ذكر في السؤال من نكاح السبي فقد قلنا في هذا الباب ما فيه كفاية لو اقتصرنا عليه لكنا نزيد في الأمر وضوحا ، بأن نقول ليس المشار بذلك فيه الا إلى الحنفية أم محمد رضي الله عنه ، وقد ذكرنا في كتابنا المعروف بالشافي انه عليه السلام لم يستبحها بالسبي بل نكحها ومهرها ، وقد وردت الرواية من طريق العامة فضلا عن طريق الخاصة بهذا بعينه فان البلاذري ( 1 ) روى في كتابه المعروف بتاريخ الأشراف ، عن علي بن المغيرة بن

 

( 1 ) البلاذري : ( أحمد بن يحيى ) مؤرخ عربي ولد في بغداد ودرس فيها ، واشتهر بالنقل عن الفارسية . أهم مصنفاته كتاب فتوح البلدان وكتاب أنساب الاشراف . اعترف له الجميع بصحة الرواية والنقد . ( * )

 
 

- ص 191 -

الاثرم وعباس بن هشام الكلبي ، عن هشام عن خراش بن اسمعيل العجلي ، قال أغارت بنو أسد على بني حنيفة فسبوا خولة بنت جعفر وقدموا بها المدينة في أول خلافة أبي بكر ، فباعوها من علي عليه الصلاة والسلام ، وبلغ الخبر قومها فقدموا المدينة على علي عليه السلام فعرفوها واخبروه بموضعها منهم ، فاعتقها ومهرها وتزوجها ، فولدت له محمدا وكناه أبا القاسم .

قال وهذا هو الثبت لا الخبر الأول ، يعني بذلك خبرا رواه عن المدايني ، انه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام إلى اليمن ، فأصاب خولة في بني زبيدة وقد ارتدوا مع عمرو بن معد يكرب ، وصارت في سهمه ، وذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : ان ولدت منك غلاما فسمه بإسمي وكنه بكنيتي ، فولدت له ( ع ) بعد موت فاطمة صلوات الله وسلامه عليها فسماه محمدا وكناه أبا القاسم . وهذا الخبر إذا كان صحيحا لم يبق سؤال في باب الحنفية .

فأما انكاحه عليه السلام إياها ، فقد ذكرنا في كتابنا الشافي ، الجواب عن هذا الباب مشروحا ، وبينا انه ( ع ) ما أجاب عمر إلى انكاح بنته إلا بعد توعد وتهدد ومراجعة ومنازعة بعد كلام طويل مأثور ، أشفق معه من شؤون الحال ظهور ما لا يزال يخفيه منها ، وان العباس رحمة الله عليه لما رأى ان الأمر يفضي إلى الوحشة ووقوع الفرقة سأله ( ع ) رد أمرها إليه ففعل ، فزوجها منه .

وما يجري على هذا الوجه معلوم معروف انه على غير اختيار ولا إيثار . وبينا في الكتاب الذي ذكرناه انه لا يمتنع أن يبيح الشرع أن يناكح بالإكراه ممن لا يجوز مناكحته مع الاختيار ، لا سيما إذا كان المنكح مظهرا للإسلام والتمسك بسائر الشريعة .
وبينا أن العقل لا يمنع من مناكحة الكفار على سائر انواع كفرهم ، وانما المرجع فيما يحل من ذلك أو يحرم إلى الشريعة .

وفعل أمير المؤمنين عليه السلام أقوى حجة في أحكام الشرع ، وبينا الجواب عن الزامهم لنا ، فلو اكره على انكاح اليهود والنصارى لكان

- ص 192 -

يجوز ذلك ، وفرقنا بين الأمرين بأن قلنا إن كان السؤال عما في العقل فلا فرق بين الأمرين ، وان كان عما في الشرع فالإجماع يحظر ان تنكح اليهود على كل حال . وما اجمعوا على حظر نكاح من ظاهره الإسلام وهو على نوع من القبيح لكفر به ، إذا اضطررنا إلى ذلك واكرهنا عليه .

فإذا قالوا فما الفرق بين كفر اليهودي وكفر من ذكرتم ؟

قلنا لهم : وأي فرق بين كفر اليهودية في جواز نكاحها عندكم وكفر الوثنية .

فأما الدخول في الشورى ، فقد بينا في كتابنا المقدم ذكره الكلام فيه مستقصى ، ومن جملته انه عليه السلام لولا الشورى لم يكن ليتمكن من الاحتجاج على القوم بفضائله ومناقبه . والأخبار الدالة على النص بالإمامة عليه ، وبما ذكرناه في الأمور التي تدل على ان أسبابه إلى الإمامة أقوى من أسبابهم ، وطرقه إلى تناولها اقرب من طرقهم ، ومن كان يصغي لولا الشورى إلى كلامه المستوفى في هذا المعنى .

وأي حال لولاها لكانت يقتضي ذكر ما ذكره من المقامات والفضائل ، ولو لم يكن في الشورى من الغرض الا هذا وحده لكان كافيا مغنيا .

وبعد ، فان المدخل له في الشورى هو الحامل له على إظهار البيعة للرجلين ، والرضا بإمامتهما وامضاء عقودهما ، فكيف يخالف في الشورى ويخرج منها وهي عقد من عقود من لم يزل ( ع ) ممضيا في الظاهر لعقوده حافظا لعهوده ، وأول ما كان يقال له انك انما لا تدخل في الشورى لاعتقادك ان الإمامة إليك ، وان اختيار الأمة للإمام بعد الرسول باطل ، وفي هذا ما فيه . والامتناع من الدخول يعود إليه ، ويحمل عليه . وقد قال قوم من أصحابنا انه انما دخل فيها تجويز ان ينال الأمر منها . ومعلوم ان كل سبب ظن معه ، أو جواز الوصول إلى الأمر الذي قد تعين عليه القيام به يلزمه ( ع ) التوصل به الهجرة له . وهذه الجملة كافية في الجواب عن جميع ما تضمنه السؤال .

- ص 193 -

عن عدم إفتائه بمذاهبه في أيام المتآمرين :

( مسألة ) : فإن قيل : إذا كنتم تروون عنه ( ع ) وتدعون عليه في أحكام الشريعة مذاهب كثيرة لا يعرفها الفقهاء له مذهبا ، وقد كان عليه السلام عندكم يشاهد الأمر يجري بخلافها ، فإلا أفتى بمذاهبه ونبه عليها وارشد إليها .
وليس لكم أن تقولوا انه ( ع ) استعمل التقية كما استعملها فيما تقدم ، لأنه ( ع ) قد خالفهم في مذاهب استبد بها وتفرد بالقول فيها ، مثل قطع السارق من الأصابع ، وبيع أمهات الأولاد ، ومسائل في الحدود ، وغير ذلك مما مذهبه ( ع ) فيه إلى الآن معروف .
فكيف اتقى في بعض وأمن في آخر ؟ وحكم الجميع واحد في انه خلاف في أحكام شرعية لا يتعلق بإمامة ولا تصحيح نص ولا إبطال اختيار ؟

( الجواب ) : قلنا : لم يظهر أمير المؤمنين عليه السلام في أحكام الشريعة خلافا للقوم إلا بحيث كان له موافق وان قل عدده ، أو بحيث علم ان الخلاف لا يؤول إلى فساد ولا يقتضي إلى مجاهرة ولا مظاهرة .

وهذه حال يعلمها الحاضر بالمشاهدة أو يغلب على ظنه فيها ما لا يعلمه الغائب ولا يظنه ، واستعمال القياس فيما يؤدي إلى الوحشة بين الناس ونفار بعضهم من بعض لا يسوغ ، لانا قد نجد كثيرا من الناس يستوحشون في ان يخالفوا في مذهب من المذاهب غاية الاستيحاش ، وان لم يستوحشوا من الخلاف فيما هو أعظم منه وأجل موقعا ، ويغضبهم في هذا الباب الصغير ولا يغضبهم الكبير . وهذا انما يكون لعادات جرت وأسباب استحكمت ، ولاعتقادهم ان بعض الأمور وان صغر في ظاهره ، فإنه يؤدي إلى العظائم والكبائر . أو لاعتقادهم ان الخلاف في بعض الأشياء وان كان في ظاهر الأمر كالخلاف في غيره ، لا يقع الا مع معاند منافس .

وإذا كان الأمر على ما ذكرناه لم ينكر أن يكون أمير المؤمنين ( ع ) انما لم يظهر في جميع مذاهبه التي خالف فيها القوم إظهارا واحدا ، لأنه ( ع ) علم أو غلب في ظنه ان إظهار ذلك يؤدي من

- ص 194 -

المحتمل الضرر في الدين إلى ما لا يؤدي إليه إظهار ما أظهره ، وهذا واضح لمن تدبره .

وقد دخل في جملة ما ذكرناه الجواب عن قولهم : لم لم يغير الأحكام ويظهر مذاهبه ، وما كان مخبوا في نفسه عند افضاء الأمر إليه وحصول الخلافة في يديه ، فإنه لا تقية على من هو أمير المؤمنين وإمام جميع المسلمين ، لانا قد بينا ان الأمر ما افضى إليه ( ع ) إلا بالاسم دون المعنى ، وقد كان عليه السلام معارضا منازعا مغصصا طول أيام ولايته إلى ان قبضه الله تعالى إلى جنته ، وكيف يأمن في ولايته الخلاف على المتقدمين عليه ( ع ) رجل من تابعه وجمهورهم شيعة اعدائه ( ع ) .

ومن يرى انهم مضوا على اعدل الأمور وأفضلها ، وأن غاية من يأتي بعدهم ان يتبع آثارهم ويقتفي طرائقهم .
وما العجب من ترك أمير المؤمنين عليه السلام ما ترك من اظهار بعض مذاهبه التي كان الجمهور يخالفه فيها ، وإنما العجب من اظهار شئ من ذلك مع ما كان عليه من شر الفتنة وخوف الفرقة ، وقد كان ( ع ) يجهر في كل مقام يقومه بما هو عليه من فقد التمكن وتقاعد الأنصار وتخاذل الأعوان ، بما ان ذكرنا قليله طال به الشرح وهو ( ع ) القائل : " والله لو ثنيت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم ، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وبين أهل الزبور بزبورهم ، وبين أهل الفرقان بفرقانهم ، حتى يظهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول يا رب ان عليا قد قضى بقضائك " .

وهو القائل عليه السلام وقد استأذنه قضاته فقالوا بم نقضي يا أمير المؤمنين فقال ( ع ) : " اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي " يعني ( ع ) من تقدم موته من أصحابه والمخلصين من شيعته الذين قبضهم الله تعالى وهم على احوال التقية والتمسك باطنا بما أوجب الله جل اسمه عليهم التمسك به . وهذا واضح فيما قصدناه .

وقد تضمن كلامنا هذا الجواب عن سؤال من يسأل عن السبب في امتناعه عليه السلام من رد فدك إلى يد مستحقها لما أفضى التصرف في الإمامة إليه ( ع ) .

- ص 195 -

في مسألة التحكيم :

( مسألة ) : فان قيل : فما الوجه في تحكيمه عليه السلام أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص ؟ وما العذر في ان حكم في الدين الرجال . وهذا يدل على شكه في إمامته وحاجته إلى علمه بصحة طريقته ؟ ثم ما الوجه في تحكيمه فاسقين عنده عدوين له .
أو ليس قد تعرض لذلك ان يخلعا إمامته ويشككا الناس فيه وقد مكنهما من ذلك بأن حكمهما ، وكانا غير متمكنين منه ولا أقوالهما حجة في مثله ؟ ثم ما العذر في تأخره جهاد المرقة الفسقة وتأجيله ذلك مع امكانه واستظهاره وحضور ناصره ؟ ثم ما الوجه في محو اسمه من الكتاب بالإمامة وتنظيره لمعاوية في ذكر نفسه بمجرد الاسم المضاف إلى الأب كما فعل ذلك به ، وانتم تعلمون ان بهذه الأمور ضلت الخوارج مع شدة تخشنها في الدين وتمسكها بعلائقه ووثايقه ؟ .

( الجواب ) : قلنا كل أمر ثبت بدليل قاطع غير محتمل فليس يجوز ان نرجع عنه ونتشكك فيه لأجل أمر محتمل ، وقد ثبت إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وعصمته وطهارته من الخطأ وبراءته من الذنوب والعيوب بأدلة عقلية وسمعية ، فليس يجوز ان نرجع عن ذلك اجمع ، ولا عن شئ منه ، لما وقع من التحكيم للصواب بظاهره ، وقبل النظر فيه كاحتماله للخطأ ولو كان ظاهره اقرب إلى الخطأ وأدنى إلى مخالفة الصواب ، بل الواجب في ذلك القطع على مطابقة ما ظهر من المحتمل لما ثبت بالدليل ، أو صرف ماله ظاهر عن ظاهره ، والعدول به إلى موافقة مدلول الدلالة التي لا يختلف مدلولها ولا يتطرق عليها التأويل .

وهذا فعلنا فيما ورد من آي القرآن التي تخالف بظاهرها الأدلة العقلية مما يتعلق به الملحدون أو المجبرة أو المشبهة ، وهذه جملة قد كررنا ذكرها في كتابنا هذا لجلالة موقعها من الحجة ، ولو اقتصرنا في حل هذه الشبهة عليها لكانت مغنية كافية ، كما انها كذلك فيما ذكرناه من الأصول .

 لكننا نزيد وضوحا في تفصيلها ولا نقتصر عليها كما لم نفعل ذلك

- ص 196 -

فيما صدرنا به هذا الكتاب من الكلام في تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن المعاصي .
فنقول : إن أمير المؤمنين عليه السلام ما حكم مختارا ، بل أحوج إلى التحكيم وألجئ إليه لان أصحابه ( ع ) كانوا من التخاذل والتقاعد والتواكل إلا القليل منهم على ما هو معروف مشهور ، ولما طالت الحرب وكثر القتل وجل الخطب ملوا ذلك وطلبوا مخرجا من مقارعة السيوف ، واتفق من رفع أهل الشام المصاحف والتماسهم الرجوع إليها وإظهارهم الرضا بما فيها ما اتفق ، بالحيلة التي نصبها عدو الله عمرو بن العاص ، والمكيدة التي كادبها لما أحس بالبوار وعلو كلمة أهل الحق ، وأن معاوية وجنده مأخوذون قد علتهم السيوف ودنت منهم الحتوف ، فعند ذلك وجد هؤلاء الاغنام طريقا إلى الفرار وسبيلا إلى وقوف أمر المناجزة .

ولعل فيهم من دخلت عليه الشبهة لبعده عن الحق وغلط فهمه ، وظن ان الذي دعى إليه أهل الشام من التحكيم وكف الحرب على سبيل البحث عن الحق الاستسلام للحجة لا على وجه المكيدة والخديعة ، فطالبوه عليه السلام بكف الحرب والرضا بما بذله القوم فامتنع ( ع ) من ذلك امتناع عالم بالمكيدة ظاهر على الحيلة ، وصرح لهم بأن ذلك مكر وخداع ، فأبوا ولجوا فأشفق ( ع ) في الامتناع عليهم والخلاف لهم وهم جم عسكره وجمهور أصحابه من فتنة صماء هي اقرب إليه من حرب عدوه ، ولم يأمن ان يعتدى ما بينه وبينهم إلى ان يسلموه إلى عدوه أو يسفكوا دمه ، فأجاب إلى التحكيم على مضض .

ورد من كان قد اخذ بخناق معاوية وقارب تناوله وأشرف على التمكن منه ، حتى انهم قالوا للاشتر رحمه الله تعالى وقد امتنع من ان يكف عن القتال وقد أحس بالظفر وأيقن بالنصر ، أتحب انك ظفرت ها هنا وأمير المؤمنين عليه السلام بمكانه قد سلم إلى عدوه وتفرق أصحابه عنه .

وقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام عند رفعهم المصاحف اتقوا الله وامضوا على حقكم ، فإن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن وأنا

- ص 197 -

اعرف بهم منكم ، قد صحبتهم أطفالا ورجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال ، انهم والله ما رفعوا المصاحف ليعملوا بها وانما رفعوها خديعة ودهاء ومكيدة .

فأجاب ( ع ) إلى التحكيم دفعا للشر القوي بالشر الضعيف ، وتلافيا للضرر الأعظم بتحمل الضرر الأيسر ، وأراد ان يحكم من جهته عبدالله بن العباس رحمة الله عليه فأبوا عليه ولجوا كما لجوا في أصل التحكيم ، وقالوا لابد من يماني مع مضري .
فقال ( ع ) فضموا الاشتر وهو يماني إلى عمرو ، فقال الأشعث بن قيس : الاشتر هو الذي طرحنا فيما نحن فيه . واختاروا أبا موسى مقترحين له ( ع ) ملزمين له تحكيمه ، فحكمهما بشرط ان يحكما بكتاب الله تعالى ولا يتجاوزاه ، وانهما متى تعدياه فلا حكم لهما .

هذا غاية التحرز ونهاية التيقظ ، لانا نعلم انهما لو حكما بما في الكتاب لاصابا الحق . وعلمنا ان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام أولى بالأمر ، وانه لا حظ لمعاوية وذويه في شئ منه . ولما عدلا إلى طلب الدنيا ومكر أحدهما بصاحبه ونبذا الكتاب وحكمه وراء ظهورهما ، خرجا من التحكيم وبطل قولهما وحكمهما ، وهذا بعينه موجود في كلام أمير المؤمنين عليه السلام لما ناظر الخوارج واحتجوا عليه في التحكيم . وكل ما ذكرناه في هذا الفصل من ذكر الأعذار في التحكيم والوجوه المحسنة له مأخوذة من كلامه عليه السلام . وقد روي ذلك عنه عليه السلام مفصلا مشروحا .

فأما تحكيمهما مع علمه بفسقهما فلا سؤال فيه ، إذ كنا قد بينا ان الإكراه وقع على أصل الاختيار وفرعه ، وأنه عليه السلام ألجئ إليه جملة ثم إلى تفصيله ، ولو خلى عليه السلام واختياره ما أجاب إلى التحكيم أصلا ، ولا رفع السيوف عن أعناق القوم . لكنه أجاب إليه ملجأ كما أجاب إلى ما اختاروه بعينه كذلك .

وقد صرح ( ع ) بذلك في كلامه حيث يقول : لقد أمسيت أميرا وأصبحت مأمورا ، وكنت أمس ناهيا وأصبحت اليوم منهيا .

- ص 198 -

وكيف يكون التحكيم منه ( ع ) دالا على الشك ، وهو ( ع ) ناه عنه وغير راض به ومصرح بما فيه من الخديعة ؟ وانما يدل على شك من حمله عليه وقاده إليه ، وانما يقال ان التحكيم يدل على الشك إذا كنا لا نعرف سببه والحامل عليه ، أو كان لا وجه له إلا ما يقتضي الشك .

فأما إذا كنا قد عرفنا ما اقتضاه وادخل فيه ، وعلمنا انه ( ع ) ما أجاب عليه إلا لدفع الضرر العظيم ، ولان تزول الشبهة عن قلب من ظن به ( ع ) أنه لا يرضى بالكتاب ولا يجيب إلى تحكيمه ، فلا وجه لما ذكروه .
وقد أجاب ( ع ) عن هذه الشبهة بعينها في مناظرتهم لما قالوا له : أشككت ؟ فقال عليه السلام : أنا أولى بأن لا أشك في ديني أم النبي صلى الله عليه وآله ؟ أو ما قال الله تعالى لرسوله : ( قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ( 1 ) .

واما قول السائل ، فإنه ( ع ) تعرض لخلع إمامته ومكن الفاسقين من ان يحكما عليه بالباطل ، فمعاذ الله ان يكون كذلك ، لانا قد بينا انه ( ع ) انما حكمهما بشرط لو وفيا به وعملا عليه ، لأقرا إمامته واوجبا طاعته ، لكنهما عدلا عنه فبطل حكمهما ، فما مكنهما من خلع إمامته ولا تعرض منهما لذلك .

ونحن نعلم ان من قلد حاكما أو ولى أميرا ليحكم بالحق ويعمل بالواجب فعدل عما شرط عليه وخالفه ، لا يسوغ القول بأن من ولاه عرضه لباطل ومكنه من العدول عن الواجب ، ولم يلحقه شئ من اللوم بذلك ، بل كان اللوم عائدا على من خالف ما شرط عليه . فأما تأخيره جهاد الظالمين وتأجيل ما يأتي من استيصالهم ، فقد بينا العذر فيه ، وان أصحابه ( ع ) تخاذلوا وتواكلوا واختلفوا ، وان الحرب بلا أنصار وبغير أعوان لا يمكن . والمتعرض لها مغرر بنفسه وأصحابه .

 

( 1 ) القصص 49 ( * )

 
 

- ص 199 -

فأما عدوله عن التسمية بأمير المؤمنين واقتصاره على التسمية المجردة ، فضرورة لحال دعت إليها .

وقد سبق إلى مثل ذلك سيد الأولين والآخرين رسول الله صلى الله عليه وآله في عام الحديبية ، وقصته مع سهل بن عمرو ، وأنذره عليه السلام بأنه : ستدعى إلى مثل ذلك وتجيب على مضض . فكان كما أنذر وخبر رسول الله صلى الله عليه وآله . واللوم بلا إشكال زايل عما اقتدى فيه بالرسول صلى الله عليه وآله . وهذه جملة تفصيلها يطول ، وفيها لمن أنصف من نفسه بلاغ وكفاية .

في أن عليا لم يندم على التحكيم :

( مسألة ) : فان قيل فإذا كان عليه السلام من أمر التحكيم على ثقة ويقين فلم روي عنه ( ع ) انه كان يقول بعد التحكيم في مقام بعد آخر : لقد عثرت عثرة لا تنجبر * سوف اكيس بعدها واستمر واجمع الرأي الشتيت المنتشر أو ليس هذا اذعانا بأن التحكيم جرى على خلاف الصواب ؟ .

( الجواب ) : قلنا قد علم كل عاقل قد سمع الأخبار ضرورة ان أمير المؤمنين عليه السلام وأهله وخلصاء شيعته وأصحابه كانوا من أشد الناس إظهارا لوقوع التحكيم من الصواب والسداد موقعه ، وان الذي دعي إليه حسن ، والتدبير أوجبه ، وأنه ( ع ) ما اعترف قط بخطأ فيه ولا أغضى عن الاحتجاج على من شك فيه وضعفه ، كيف والخوارج انما ضلت عنه وعصته وخرجت عليه ، لأجل انها إرادته على الاعتراف بالزلل في التحكيم فامتنع كل امتناع وأبي اشد إباء وقد كانوا يقنعون منه ويعاودون طاعته ونصرته بدون هذا الذي أضافوه إليه ( ع ) من الإقرار بالخطأ وإظهار الندم .

وكيف يمتنع من شئ ويعترف بأكثر منه ، ويغصب من جزء ويجيب إلى كل هذا مما لا يظن به احد ممن يعرفه حق معرفته . وهذا الخبر شاذ ضعيف ، فإما ان يكون باطلا

- ص 200 -

موضوعا أو يكون الغرض فيه غير ما ظنه القوم من الاعتراف بالخطأ في التحكيم .

فقد روي عنه عليه السلام معنى هذا الخبر وتفسير مراده منه ، ونقل من طرق معروفة موجودة في كتب أهل السير ، انه عليه السلام لما سئل عن مراده بهذا الكلام ، قال كتب إلى محمد بن أبي بكر بأن اكتب له كتابا في القضاء يعمل عليه ، فكتبت له ذلك وانفذته إليه ، فاعترضه معاوية فأخذه ، فأسف ( ع ) على ظفر عدوه بذلك ، وأشفق من أن يعمل بما فيه من الأحكام ، وتوهم ضعفة أصحابه ان ذلك من علمه ومن عنده ، فتقوى الشبهة به عليهم .

وهذا وجه صحيح يقتضي التأسف والتندم ، وليس في الخبر المتضمن للشعر ما يقتضي ان تندمه كان على التحكيم دون غيره . فإذا جاءت رواية بتفسير ذلك عنه ( ع ) ، كان الأخذ بها أولى .

في أن قتله للخوارج كان بعهد من رسول الله :

( مسألة ) : فإن قيل فما الوجه فيما فعله أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام عند حربه للخوارج يوم النهروان من رفعه رأسه إلى السماء ناظرا إليها تارة والى الأرض أخرى وقوله ( ع ) : والله ما كذبت ولا كذبت . فلما قتلهم وفرغ من الحرب ، قال له ابنه الحسن ( ع ) : يا أمير المؤمنين أكان رسول الله صلى الله عليه وآله تقدم إليك في هؤلاء بشئ ؟ . قال : لا ولكن أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله بكل حق ، ومن الحق أن أقاتل المارقين والناكثين والقاسطين . أو ليس قد تعلق بهذا النظام في كتابه المعروف بالنكت . وقال هذا توهيم منه ( ع ) لأصحابه أن رسول الله قد تقدم إليه في أن الخوارج سيخالفوه ويقتلهم ، إذ يقول والله ما كذبت ولا كذبت .

( الجواب ) : إنا لا ندري كيف ذهب على النظام كذب هذه الرواية ، يعني التضمنة لقوله ( ع ) انه لم يتقدم الرسول إليه في ذلك بشئ ، إن كان النظام رواها ونقلها ، أم كيف استجاز ان يضيفها إليه ( ع ) ان كان تخرصها ؟ وكيف ظن ان مثل ذلك يخفى على احد مع ظهور الحال وتواتر الروايات عنه

- ص 201 -

عليه السلام بالإنذار لقتال أهل النهروان وكيفيته ، والاشعار بقتل المخدج ذي الثدية ، وإنما كان عليه السلام ينظر إلى السماء ثم إلى الأرض ويقول ما كذبت ولا كذبت استبطاء لوجود المخدج ، لأنه ( ع ) عند قتل القوم أمر بطلبه في جملة القتلى ، فلما طال الأمر في وجوده وأشفق ( ع ) من وقوع شبهة من ضعفة أصحابه فيما كان يخبر به وينذر من وجوده فقلق ( ع ) لذلك واشتد همه وكرر قوله ما كذبت ولا كذبت ، إلى ان اتاح الله وجوده والظفر به بين القتلى على الهيئة التي كان ( ع ) ذكرها ، فلما احضروه اياه كبر ( ع ) واستبشر بزوال الشبهة في صحة خبره .

وقد روى من طرق مختلفة وجهات كثيرة عنه ( ع ) الإنذار بقتال الخوارج وقتل المخدج على صفته التي وجد عليها ، وأنه عليه السلام كان يقول لأصحابه أنهم لا يعبرون النهر حتى يصرعوا دونه ، وأنه لا يقتل من أصحابه إلا دون العشرة ، ولا يبقى من الخوارج إلا دون العشرة ، حتى أن رجلا من أصحابه قال له يا أمير المؤمنين ذهب القوم وقطعوا النهر .

فقال ( ع ) لا والله ما قطعوه ولا يقطعونه حتى يقتلوا دونه عهدا من الله ورسوله . فكيف يستشعر عاقل ان ذلك من غير علم ولا اطلاع من الرسول صلى الله عليه وآله على وقوعه وكونه .

وقد روي عن ابن أبي عبيدة اليماني لما سمعه ( ع ) يخبر عن النبي صلى الله عليه وآله بقتال الخوارج قبل ذلك بمدة طويلة وقتل المخدج ، شك فيه لضعف بصيرته فقال له : أنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك ؟ فقال أي ورب الكعبة مرات .

وقد روي أمر الخوارج وقتال أمير المؤمنين عليه السلام لهم وإنذار الرسول صلى الله عليه وآله بذلك جماعة من الصحابة ، لولا ان في ذكر ذلك خروجا عن غرض الكتاب لذكرناه ، حتى أن عائشة روت ذلك فيما رفعه عامر عن مسروق

- ص 202 -

قال : دخلت على عائشة ، فقالت من قتل الخوارج ؟ قلت قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام . فسكتت . فقلت لها يا امة أسألك بحق الله وحق نبيه وحقي ، فإني لك ولد إن كنت سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول فيهم شيئا لما اخبرتنيه . قالت سمعت رسول الله يقول هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة .

وعن مسروق أيضا عن عائشة أنها قالت من قتل ذا الثدية ؟ قلت علي بن أبي طالب . قالت لعن الله عمرو بن العاص ، فإنه كتب إلي يخبرني انه قتله بالاسكندرية ، إلا انه لا يمنعني ما في نفسي ان أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله فيه سمعته يقول يقتلهم خير أمتي بعدي .

وروى فضالة بن أبي فضيلة وهو ممن كان شهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله بدرا ، قال اشتكى أمير المؤمنين عليه السلام بينبع شكاة ثقل منها ، فخرج أبي يعوده ، فخرجت معه ، فلما دخل عليه قال لا تخرج إلى المدينة ، فإن أصابك أجلك شهدك أصحابك وصلوا عليك وإنك هاهنا بين ظهراني أعراب جهينة . فقال عليه السلام اني لا أموت من مرضي هذا لأنه فيما عهده إلي رسول الله صلى الله عليه وآله اني لا أموت حتى أؤمر واقتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، وحتى تخضب هذه من هذا وأشار ( ع ) إلى لحيته ورأسه . وذكر المروي في هذا الباب يطول والأمر في إخباره عليه السلام بقصة الخوارج وقتاله ( ع ) لهم وإنذاره بذلك ظاهرا جدا .

بيان أن عليا قد يعرض في كلامه خدعة الحرب :

( مسألة ) : فإن قيل فما الوجه فيما روي عنه عليه السلام من قوله : إذا حدثتكم عن رسول الله بحديث فهو كما حدثتكم ، فوالله لان أخر من السماء أحب إلي من أن اكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله .
وإذا سمعتموني احدث فيما بيني وبينكم ، فإنما الحرب خدعة . وأليس هذا مما نفاه النظام ايضا وقال لم

- ص 203 -

يحدثهم عن رسول الله بالمعاريض لما اعتذر من ذلك ، وذكر ان هذا يجري مجرى التدليس في الحديث .

( الجواب ) : قلنا ان أمير المؤمنين عليه السلام لفرط احتياطه بالدين وتخشنه فيه وعلمه بأن المخبر ربما دعته الضرورة إلى ترك التصريح واستعمال التعريض ، أراد أن يميز للسامعين بين الأمرين ويفصل لهم بين ما لايدخل فيه التعريض من كلامه مما باطنه كظاهره ، وبين ما يجوز ان يعرض فيه للضرورة ، وهذا نهاية الحكمة منه وإزالة اللبس والشبهة ، ويجري البيان والإيضاح بالضد فيما يوهمه النظام من دخوله في باب التدليس في الحديث ، لان المدلس يقصد إلى الإبهام ويعدل عن البيان والإيضاح طلبا لتمام غرضه . وهو عليه السلام ميز بين كلامه وفرق بين أنواعه حتى لا تدخل الشبهة فيه على احد .

وأعجب من هذا كله قوله انه لو لم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالمعاريض لما اعتذر من ذلك ، لانه ما اعتذر كما ظنه ، وانما نفى ان يكون التعريض مما يدخل روايته عن رسول الله . كما انه ربما دخل ما يخبر به عن نفسه قصدا للإيضاح ، ونفي الشبهة . وليس كل من نفى عن نفسه شيئا واخبر عن براءته منه فقد فعله .

وقوله عليه السلام لان أخر من السماء يدل على انه ما فعل ذلك ولا يفعله ، وإنما نفاه حتى لا يلتبس على احد خبره عن نفسه ، ومما يجوز فيه مما يرويه ويسنده إلى رسول الله .

في قوله ما حدثني أحد عن الرسول إلا استحلفته :

( مسألة ) : فإن قيل فما الوجه فيما روي عنه عليه الصلاة والسلام من انه قال كنت إذا حدثني احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله بحديث استحلفته بالله أنه سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله فإن حلف صدقته وإلا فلا . وحدثني أبو بكر وصدقني ، أو ليس هذا الخبر مما طعن به النظام وقال لا يخلو المحدث عنده من ان يكون ثقة أو متهما . فإن كان ثقة فما معنى

- ص 204 -

الاستحلاف ؟ وان كان متهما فكيف يتحقق قول المتهم بيمينه ؟ وإذا جاز ان يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله بالباطل جاز ان يحلف على ذلك بالباطل ؟ .

( الجواب ) : قلنا هذا خبر ضعيف مدفوع مطعون على اسناده ، لان عثمان بن المغيرة رواه عن علي بن ربيعة الوالبي عن اسماء بن الحكم الفزاري . قال سمعت عليا عليه السلام يقول كذا وكذا واسماء بن الحكم هذا مجهول عند أهل الرواية لا يعرفونه ولا روي عنه شئ من الأحاديث غير هذا الخبر الواحد .

وقد روي أيضا من طريق سعد بن سعيد بن أبي سعيد المقري عن اخيه عن جده ابي سعيد رواه هشام بن عمار والزبير بن بكار عن سعد بن سعيد بن ابي سعيد عن أخيه عبدالله بن سعيد عن جده عن أمير المؤمنين عليه السلام . وقال الزبير عن سعد بن سعيد أنه ما أرى أخبث منه . وقال أبو عبدالرحمن الشيباني : عبدالله بن سعيد بن ابي سعيد المقري متروك الحديث . وقال يحيى بن معين انه ضعيف .

ورووه من طريق أبي المغيرة المخزومي عن ابن نافع عن سليمان بن يزيد عن المقري وابو مغيرة المخزومي مجهول لا يعرفه أكثر أهل الحديث .

ورووه من طريق عطا بن مسلم عن عمارة عن محرز عن ابي هريرة عن أمير المؤمنين عليه السلام قالوا : محرز لم يسمع من أمير المؤمنين ( ع ) بل لم يره ، وعمارة وهو عمارة بن حريز وهو ابن هرون العبدي ، قيل أنه متروك الحديث .

ومما ينبئ عن ضعف هذا الحديث واختلاله ان من المعروف الظاهر أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يرو عن احد قط حرفا غير النبي صلى الله عليه وآله . وأكثر ما يدعى عليه من ذلك هذا الخبر الذي نحن في الكلام عليه .

وقوله ما حدثني احد عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا استحلفته ، يقتضي ظاهره أنه قد سمع اخبارا عنه ( ع ) من جماعة من الصحابة . والمعلوم خلاف ذلك .
واما تعجب النظام من الاستحلاف ففي غير موضعه ، لانا نعلم ان في عرض اليمين تهيبا لمن

- ص 205 -

عرضت عليه وتذكيرا بالله تعالى وتخويفا من عقابه ، سواء كان من تعرض والاقدام عليها يزيدنا في الثقة بصيرة ، وربما قوى ذلك حال الظنين لبعد الاقدام على اليمين الفاجرة ، ولهذا نجد كثيرا من الجاحدين للحقوق متى عرضت عليهم اليمين امتنعوا منها وأقروا بها بعد الجحود واللجاج .

ولهذا استظهر في الشريعة باليمين على المدعى عليه ، وفي القاذف زوجته بالتلفظ باللعان .
ولو أن ملحدا أراد الطعن على الشريعة واستعمل من الشبهة ما استعمله النظام ، فقال اي معنى لليمين في الدعاوى ، والمستحلف ان كان ثقة فلا معنى لأحلافه ، وان كان ظنينا متهما فهو بأن يقدم على اليمين أولى . وكذلك في القاذف زوجته لما كان له جواب إلا ما اجبنا به النظام ، وقد ذكرناه .

وقد حكي عن الزبير بن بكار في هذا الخبر تأويل قريب وهو انه قال : كان أبو بكر وعمر إذا جاءهما حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله لا يعرفانه لا يقبلاه حتى يأتي مع الذي ذكره آخر ، فيقوما مقام الشاهدين . قال فأقام أمير المؤمنين عليه السلام اليمين مع دعوى المحدث مقام الشاهد مع اليمين في الحقوق ، كما أقاما الرواية في طلب شاهدين عليهما مقام باقي الحقوق .

فان قيل أو ليس هذا الحديث إذا سلمتوه وأخذتم في تأويله يقتضي ان أمير المؤمنين عليه السلام ما كان يعلم الشئ الذي يخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وانه كان يستفيده إلا من المخبر ، ولولا ذلك لما كان لاستحلافه معنى ؟ وهذا يوجب انه ( ع ) كان غير محيط بعلم الشريعة على ما يذهبون إليه ؟ .

قلنا : قد بينا الجواب عن هذه الشبهة في كتابنا الملقب بالشافي في الإمامة ، وذكرنا انه ( ع ) وان كان عالما بصحة ما اخبره به المخبر ، وأنه من الشرع ، فقد يجوز ان يكون المخبر له به ما سمعه من الرسول صلى الله عليه وآله ، وإن

- ص 206 -

كان من شرعه ، ويكون كاذبا في ادعائه السماع ، فكان يستحلفه لهذه العلة . وقلنا أيضا لا يمتنع ان يكون ذلك انما كان منه ( ع ) في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وفي تلك الاحوال لم يكن محيطا بجميع الأحكام ، بل كان يستفيدها حالا بعد حال .

فان قيل : كيف خص أبا بكر في هذا الباب بما لم يخص به غيره ؟

قلنا : يحتمل ان يكون أبو بكر حدثه بما علم أنه سمعه من الرسول وحضر تلقيه له من جهته صلى الله عليه وآله ، فلم يحتج إلى استحلافه لهذا الوجه .

في حكمه بعد غنيمة المال والذرية :

( مسألة ) : فإن قيل فما الوجه فيما ذكره النظام في كتابه المعروف بالنكت من قوله العجب مما حكم به علي بن أبي طالب في حرب أصحاب الجمل ، لأنه ( ع ) قتل المقاتلة ولم يغنم ، فقال له قوم من أصحابه إن كان قتلهم حلالا فغنيمتهم حلال ، وإن كان قتلهم حراما فغنيمتهم حرام فكيف قتلت ولم تسب ؟ فقال ( ع ) فأيكم يأخذ عائشة في سهمه ؟ فقال قوم إن عائشة تصان لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فنحن لا نغنمها ونغنم من ليس سبيله من رسول الله صلى الله عليه وآله سبيلها ، قال فلم يجبهم إلى شئ من ذلك . فقال له عبدالله بن وهب الراسبي : أليس قد جاز ان يقتل كل من حارب مع عائشة ولا تقتل عائشة ؟ قال بلى قد جاز ذلك وأحله الله عزوجل . فقال له عبدالله بن وهب : فلم لا جاز ان نغنم غير عايشة ممن حاربنا ويكون غنيمة عايشة غير حلال لنا فيما تدفعنا عن حقنا . فأمسك ( ع ) عن جوابه وكان هذا أول شئ حقدته الشراة على علي عليه الصلاة والسلام ؟

( الجواب ) : قلنا ليس يشنع أمير المؤمنين عليه السلام ويعترضه في الأحكام الا من قد أعمى الله قلبه وأضله عن رشده ، لأنه المعصوم الموفق المسدد على ما دلت عليه الأدلة الواضحة .
ثم لو لم يكن كذلك وكان على

- ص 207 -

ما يعتقده المخالفون ، أليس هو الذي شهد له الرسول صلى الله عليه وآله بأنه ( ع ) اقضي الأمة واعرفها بأحكام الشريعة ؟ وهو الذي شهد صلى الله عليه وآله له بأن الحق معه يدور كيف ما دار ؟ فينبغي لمن جهل وجه شئ فعله ( ع ) ان يعود على نفسه باللوم ويقر عليها بالعجز والنقص ، ويعلم ان ذلك موافق للصواب والسداد ، وإن جهل وجهه وضل عن علته .

وهذه جملة يغني التمسك بها عن كثير من التفصيل ، واستعمال كثير من التأويل . وأمير المؤمنين عليه السلام لم يقاتل أهل القبلة إلا بعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله . وقد صرح ( ع ) بذلك في كثير من كلامه الذي قد مضى حكاية بعضه ، ولم يسر فيهم إلا بما عهده إليه من السيرة . وليس بمنكر ان يختلف أحكام المحاربين فيكون منهم من يقتل ولا يغنم . ومنهم من يقتل ولا يغنم . لان أحكام الكفار في الأصل مختلفة مقاتلو أمير المؤمنين عليه السلام عندنا كفار لقتالهم له .

وإذا كان في الكفار من يقر على كفره ويؤخذ الجزية منه ، ومنهم من لا يقر على كفره ولا يقعد عن محاربته ، إلى غير ذلك مما اختلفوا فيه من الأحكام جاز أيضا ان يكون فيهم من يغنم ومن لا يغنم ، لان الشرع لا ينكر فيه هذا الضرب من الاختلاف . وقد روي ان مرتدا على عهد ابي بكر يعرف بعلانة ارتد ، فلم يعرض أبو بكر لما له . وقالت امرأته ان يكن علانة ارتد فانا لم نرتد .

وروي مثل ذلك في مرتد قتل في أيام عمر بن الخطاب ، فلم يعرض لما له .
وروي ان أمير المؤمنين عليه السلام قتل مستوردا العجلي ولم يعرض لميراثه . فالقتل ووجوبه ليس بامارة على تناول المال واستباحته ، على ان الذي رواه النظام من القصة محرف معدول عن الصواب ، والذي تظاهرت به الروايات ونقله أهل السير في هذا الباب من طرق مختلفة ، أن أمير المؤمنين عليه السلام لما خطب بالبصرة وأجاب عن مسائل شتى سئل عنها ، واخبر بملاحم وأشياء تكون بالبصرة ، قام إليه عمار بن ياسر رضي الله عنه فقال

- ص 208 -

يا أمير المؤمنين ، ان الناس يكثرون في أمر الفئ ويقولون من قاتلنا فهو وماله وولده فئ لنا .
وقام رجل من بكر بن وايل يقال له عباد بن قيس ، فقال يا أمير المؤمنين والله ما قسمت بالسوية ولا عدلت في الرعية ، فقال عليه السلام ولم ويحك ؟ قال لأنك قسمت ما في العسكر وتركت الأموال والنساء والذرية .
فقال أمير المؤمنين ( ع ) : يا ايها الناس من كانت به جراحة فليداوها بالسمن .
فقال عباد بن قيس جئنا نطلب غنائمنا فجاءنا بالترهات .
فقال عليه السلام ان كنت كاذبا فلا أماتك الله حتى يدركك غلام ثقيف .
فقال رجل يا أمير المؤمنين ومن غلام ثقيف ؟
فقال رجل لا يدع لله حرمة الا انتهكها .
فقال له الرجل أيموت أو يقتل ؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام بل يقصمه قاصم الجبارين يخترق سريره لكثرة ما يحدث من بطنه ، يا أخا بكر أنت امرؤ ضعيف الرأي ، أما علمت أنا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير ، وان الأموال كانت بينهم قبل الفرقة يقسم ما حواه عسكرهم ، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم ، فإن عدا علينا احد أخذناه بذنبه ، وان كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره .
يا أخا بكر والله لقد حكمت فيكم بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل مكة قسم ما حواه العسكر ، ولم يعرض لما سوى ذلك . وإنما اقتفينا أثره حذو النعل بالنعل .
يا أخا بكر ، أما علمت ان دار الحرب يحل ما فيها ، ودار الهجرة محرم ما فيها إلا بحق ، مهلا مهلا رحمكم الله فإن انتم أنكرتم ذلك علي ، فأيكم يأخذ أمه عايشة بسهمه ؟
قالوا يا أمير المؤمنين أصبت وأخطأنا وعلمت وجهلنا ، أصاب الله بك الرشاد والسداد .
فأما قول النظام ان هذا أول ما حقدته الشراة عليه فباطل ، لان الشراة ما شكوا قط فيه عليه السلام ولا ارتابوا بشئ من أفعاله قبل التحكيم الذي منه دخلت الشبهة عليهم ، وكيف يكون ذلك وهم الناصرون له بصفين والمجاهدون بين يديه والسافكون دماءهم تحت رايته . وحرب صفين كانت

- ص 209 -

بعد الجمل بمدة طويلة فكيف يدعى ان الشك منهم في أمره كان ابتداءه في حرب الجمل لولا ضعف البصائر ؟

في أن الزبير لم يلحق بعلي وهو لم يقتل قاتله

( مسألة ) : فإن قيل فما الوجه ذكره النظام من أن ابن جرموز لما أتى أمير المؤمنين عليه السلام برأس الزبير وقد قتله بوادي السباع ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : والله ما كان ابن صفية بجبان ، ولا لئيم ، لكن الحين ومصارع السوء . فقال ابن جرموز الجائزة يا أمير المؤمنين . فقال ( ع ) سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول بشر قاتل ابن صفية بالنار . فخرج ابن جرموز وهو يقول :

أتيت عليا برأس الزبير * وكنت أرجى به الزلفة
فبشر بالنار قبل العيان * فبئس البشارة والتحفة
فقلت له ان قتل الزبير * لولا رضاك من الكلفة
فان ترض ذاك فمنك الرضا * وإلا فدونك لي حلفة
ورب المحلين والمحرمين * ورب الجماعة والألفة
لسيان عندي قتل الزبير * وضرطة عنز بذي الجحفة

قال النظام ، وقد كان يجب على علي عليه السلام أن يقيده بالزبير وكان يجب على الزبير إذ بان أنه على خطأ أن يلحق يعلي فيجاهد معه

( الجواب ) : أنه لا شبهة في أن الواجب على الزبير أن يعدل إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أو ينحاز إليه ويبذل نصرته لا سيما ان كان رجوعه على طريق التوبة والإنابة .
ومن أظهر ما أظهر من المباينة والمحاربة إذا تاب وتبين خطأه يجب عليه أن يظهر ضد ما كان أظهره لا سيما وأمير المؤمنين عليه السلام في تلك الحال مصاف لعدوه ومحتاج إلى نصرة من هو دون الزبير

- ص 210 -

في الشجاعة والنجدة ، وليس هذا موضع إستقصاء ما يتصل بهذا المعنى وقد ذكرناه في كتابنا الشافي المقدم ذكره .

فأما أمير المؤمنين ، فإنما عدل أن يقيد ابن جرموز بالزبير لأحد أمرين : إن كان ابن جرموز قتله غدرا وبعد أن آمنه وقتله بعد أن ولى مدبرا ، وقد كان أمير المؤمنين عليه السلام أمر أصحابه أن لا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح فلما قتل ابن جرموز مدبرا كان بذلك عاصيا مخالفا لأمر إمامه ، فالسبب في أنه لم يقيده به أن أولياء الدم الذين هم أولاد الزبير لم يطالبوا بذلك ولا حكموا فيه وكان أكبرهم والمنظور إليه منهم عبدالله محاربا لأمير المؤمنين عليه السلام ، مجاهرا له بالعداوة والمشاقة فقد أبطل بذلك حقه ، لأنه لو أراد أن يطالب به لرجع عن الحرب وبايع وسلم ثم طالب بعد ذلك فانتصف له منه . وإن كان الأمر الآخر وهو ان يكون إبن جرموز ما قتل الزبير الا مبارزة من غير غدر ولا أمان تقدم على ما ذهب إليه قوم ، فلا يستحق بذلك قودا ولا مسألة ها هنا في القود .

فإن قيل فعلى هذا الوجه ما معنى بشارته بالنار ؟
قلنا
، المعنى فيها الخبر عن عاقبة أمره ، لان الثواب والعقاب إنما يحصلان على عواقب الاعمال وخواتيمها ، وابن جرموز هذا خرج مع أهل النهروان على أمير المؤمنين عليه السلام ، فقتل هناك . فكان بذلك الخروج من أهل النار لا بقتل الزبير .

فإن قيل : فأي فائدة لاضافة البشارة بالنار إلى قتل الزبير وقتله طاعة وقربة ، وإنما يجب ان تضاف البشارة بالنار إلى ما يستحق به النار

قلنا : عن هذا جوابان : أحدهما : أنه ( عليه السلام ) أراد التعريف والتنبيه ، وإنما يعرف

- ص 211 -

الإنسان بالمشهور من أفعاله ، والظاهر من أوصافه ، وابن جرموز كان غفلا خاملا ، وكان فعله بالزبير من أشهر ما يعرف به مثله وهذا وجه في التعريف صحيح .

والجواب الثاني : ان قتل الزبير إذا كان بإستحقاق على وجه الصواب من أعظم الطاعات وأكبر القربات ، ومن جرى على يده يظن به الفوز بالجنة ، فأراد ( عليه السلام ) أن يعلم الناس أن هذه الطاعة العظيمة التي يكثر ثوابها إذا لم تعقب بما يفسده غير نافعة لهذا القاتل ، وأنه سيأتي من فعله في المستقبل ما يستحق به النار ، فلا تظنوا به لما اتفق على يده من هذه الطاعة خيرا .

وهذا يجري مجرى أن يكون لأحدنا صاحب خصيص به خفيف في طاعته مشهور بنصيحته ، فيقول هذا المصحوب بعد برهة من الزمان لمن يريد اطرافه وتعجبه : أو ليس صاحبي فلان الذي كانت له من الحقوق كذا وكذا ، وبلغ من الاختصاص بي إلى منزلة كذا قتلته وأبحت حريمه وسلبت ماله ؟ وان كان ذلك انما استحقه بما تجدد منه في المستقبل ، وانما عرف بالحسن من أعماله على سبيل التعجب وهذا واضح .

في الاحكام المدعى مخالفة علي فيها لمن سواه

( مسألة ) : فإن قيل فما الوجه فيما عابه النظام به عليه السلام من الأحكام التي داعى أنه خالف فيها جميع الأمة ، مثل بيع أمهات الأولاد وقطع يد السارق من أصول الأصابع ودفع السارق إلى الشهود ، وجلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا في خلافة عثمان وجهره بتسمية الرجال في القنوت وقبوله شهادة الصبيان بعضهم على بعض ، والله تعالى يقول : ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ) وأخذه ( عليه السلام ) نصف دية الرجل من أولياء المرأة وأخذه نصف دية العين من المقتص من الأعور وتخليفه رجلا يصلى العيدين بالضعفاء في المسجد الأعظم ، وأنه ( عليه السلام ) أحرق رجلا أتى غلاما في دبره ، وأكثره ما أوجب على من فعل هذا الفعل الرجم ،

- ص 212 -

وأنه أوتى بمال من مهور البغايا فقال عليه السلام ارفعوه حتى يجئ عطاء غني وباهلة . فقال النظام لم خص بهذا غنيا وباهلة ؟ فان كانوا مؤمنين فمن عداهم من المؤمنين كهم في جواز تناول هذا المال وان كانوا غير مؤمنين فكيف يأخذون العطاء مع المؤمنين ؟ قال وذلك المال وان كان من مهور البغايا أو بيع لحم الخنازير بعد أن تملكه الكفار ثم يبيحه الله على المؤمنين فهو حلال طيب للمؤمنين .

( الجواب ) : إنا قد بينا قبل هذا الموضع أنه لا يعترض على أمير المؤمنين عليه السلام في أحكام الشريعة ويطمع فيه من عثرة أو زلة إلا معاند لا يعرف قدره ، ومن شهد له النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنه أقضى الأمة وان الحق معه كيف ما دار ، وضرب بيده على صدره وقال : اللهم أهد قلبه وثبت لسانه لما بعثه إلى اليمن حتى قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فما شككت في قضاء بين اثنين .

وقال النبي فيه : " أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب " لا يجوز أن يعترض أحكامه عليه السلام ، ولا يظن بها إلا الصحة والسداد .
وأعجب من هذا كله الطعن على هذه الأحكام وأشباهها بأنها خلاف الإجماع وأي إجماع ليت شعرى يكون وأمير المؤمنين عليه السلام خارج منه ولا أحد من الصحابة الذين لهم في الأحكام مذاهب وفتاوى وقيام ، إلا وقد تفرد بشئ لم يكن له عليه موافق ، وما عد مذهبه خروجا عن الإجماع ولو لا التطويل لذكرنا شرح هذه الجملة ومعرفتها وظهورها بغنينا عن تكلف ذلك ولو كان للطعن على أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الأحكام مجال وله وجه لكان أعداؤه من بني أمية والمتقربين إليهم من شيعتهم بذلك أخبر وإليه اسبق ، وكانوا يعيبونه عليه ويدخلونه في جملة مثالبهم ومعايبهم التي تمحلوها ، ولما تركوا ذلك حتى يستدركه النظام بعد السنين الطويلة وفى أضرابهم عن ذلك دليل على أنه لا مطعن بذلك ولا معاب .

وبعد ، فكل شئ فعله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من هذه الأحكام

- ص 213 -

وكان له مذهبا ، ففعله له واعتقاده إياه هو الحجة فيه ، وأكبر البرهان على صحته لقيام الأدلة على أنه عليه السلام لا يزل ولا يغلط ولا يحتاج إلى بيان وجوه زايدة على ما ذكرناه إلا على سبيل الاستظهار والتقرير على الخصوم وتسهيل طريق الحجة عليهم .

فأما بيع أمهات الأولاد فلم يسر فيهن إلا بنص الكتاب وظاهره ، قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) ( 1 ) ولا شبهة في أن أم الولد يطؤها سيدها بملك اليمين ، لانها ليست زوجة ولا هو عاد في وطئها إلى ما لا يحل ، وإذا كانت مملوكة مسترقة بطل ما يدعونه من أن ولدها اعتقها ، ويبين ذلك أيضا أنه لا خلاف في أن لسيدها أن يعتقها .

ولو كان الولد قد أعتقها لما صح ذلك ، لان عتق المعتق محال . وهذه الجملة توضح عن بطلان ما يروونه من أن ولدها أعتقها ، ثم يقال لهم أليس هذا الخبر لم يقتض أن لها جميع أحكام المعتقات ، لأنه لو اقتضى ذلك لما جاز أن يعتقها السيد ، ولا أن يطأها إلا بعقد ، وإنما اقتضى بعض أحكام المعتقات .

فلابد من مزيل فيقال لهم : فما أنكرتم من أن مخالفكم يمكنه أن يستعمله أيضا على سبيل التخصيص كما استعملتموه ، فنقول انه لو أراد بيعها لم يجز إلا في دين ، وعند ضرورة ، وعند موت الولد . فكأنها يجري مجرى المعتقات فيما لا يجوز بيعها فيه ، وان لم يجز من كل وجه كما أجريتموها مجراهن في وجه دون آخر . فأما قطع السارق من الاصابع فهو الحق الواضح الجلي ، لان الله تعالى قال ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ) ( 2 ) واسم اليد يقع على جملة هذا العضو إلى المنكب ، ويقع عليه أيضا إلى المرافق والى الزند والى

 

( 1 ) المعارج 29 - 31 ( 2 ) المائدة 38 ( * )

 
 

- ص 214 -

الأصابع كل ذلك على سبيل الحقيقة . ولهذا يقول أحدهم أدخلت يدي في الماء إلى أصول الأصابع والى الزند والى المرفق والى المنكب ، فيجعل كل ذلك غاية .

وقال الله تعالى : ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) ( 1 ) ومعلوم أن الكتابة تكون بالاصابع ، ولو يرى أحدنا قلما فعقرت السكين أصابعه لقيل قطع يده وعقرها ونحو ذلك .

وقال الله تعالى في قصة يوسف عليه السلام ( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) ( 2 ) ومعلوم أنهن ما قطعن اكفهن إلى الزند ، بل على ما ذكرناه .

وإذا كان الأمر على ما ذكرناه ولم يجز ان يحمل اليد على كل ما تناولته هذه اللفظة حتى يقطع من الكتف على مذهب الخوارج ، لان هذا باطل عند جميع الفقهاء ، وجب ان نحمله على أدنى ما تناوله ، وهو من أصول الاشاجع ، والقطع من الأصابع أولى بالحكمة وأرفق بالمقطوع ، لأنه إذا قطع من الزند فاته من المنافع أكثر مما يفوته إذا قطع من الاشاجع .

وقد روي ان علي بن أصمع سرق عيبة لصفوان ، فأتى به إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقطعه من أشاجعه ، فقيل له يا أمير المؤمنين افلا من الرسغ . فقال عليه السلام فعلى أي شئ يتوكأ وبأي شي يستنجي . ومهما شككنا فإنا لا نشك في أن أمير المؤمنين عليه السلام كان أعلم باللغة العربية من النظام وجميع الفقهاء والذين خالفوه في القطع ، وأقرب إلى فهم ما نطق به القرآن .

وان قوله ( عليه السلام ) حجة في العربية وقدوة ، وقد سمع الآية وعرف اللغة التي نزل بها القرآن ، فلم يذهب إلى ما ذهب إليه إلا عن خبرة ويقين .

وأما دفع السارق إلى الشهود ، فلا أدري من أي وجه كان عيبا وهل دفعه إليهم ليقطعوه إلا كدفعه إلى غيرهم ممن يتولى ذلك منه . وفي هذا فضل استظهار عليهم وتهييب لهم من أن يكذبوا فيعظم عليهم تولي ذلك منه

 

( 1 ) البقرة 79 ( 2 ) يوسف 31 ( * )

 
 

- ص 215 -

ومباشرته بنفوسهم ، وهذا نهاية الحزم والاحتياط في الدين .

وأما جلد الوليد بن عقبة أربعين سوطا فإن المروي انه عليه السلام جلده بنسعة لها رأسان فكان الحد ثمانين كاملة : وهذا مأخوذ من قوله تعالى : ( وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ) ( 1 ) .

وأما الجهر بتسمية الرجال في القنوت فقد سبقه ( عليه السلام ) إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وتظاهرت الرواية بأنه ( صلى الله عليه وآله ) كان يقنت في صلاة الصبح ويلعن قوما من أعدائه بأسمائهم فمن عاب ذلك أو طعن به فقد طعن على أصل الإسلام وقدح في الرسول صلى الله عليه وآله .

وأما قبول شهادة الصبيان فالاحتياط للدين يقتضيه ، ولم ينفرد أمير المؤمنين عليه السلام بذلك ، بل قد قال بقوله بعينه أو قريبا منه جماعة من الصحابة والتابعين .

وروي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في شهادة الصبي يشهد بعد كبره ، والعبد بعد عتقه ، والنصراني بعد إسلامه أنها جائزة .
وهذا قول جماعة من الفقهاء المتأخرين كالثوري وأبي حنيفة وأصحابه .

وروى مالك بن انس عن هشام بن عروة ان عبدالله بن الزبير كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح .
وروي عن هشام بن عروة انه قال سمعت ابي يقول يجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض ، يؤخذ بأول قولهم .
وروي عن مالك بن أنس انه قال : المجمع عليه عندنا يعني أهل المدينة أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح ، ولا تجوز على غيرهم إذا كان ذلك قبل ان يتفرقوا ويجيئوا ويعلموا ، فإن تفرقوا فلا شهادة لهم إلا ان يكونوا قد اشهدوا عدولا على شهادتهم قبل ان يتفرقوا ، ويوشك أن يكون الوجه في الأخذ بأوائل أقوالهم لان من عادة الصبي وسجيته إذا أخبر

 

( 1 ) ص 44 ( * )

 
 

- ص 216 -

بالبديهة ان يذكر الحق الذي عاينه ، ولا يتعمل لتحريفه .
وليس جميع الشهادات تراعى فيها العدالة .
وجماعة من العلماء قد أجازوا شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم ، وتأولوا لذلك قول الله عز وجل : ( اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) ( 1 ) وقد أجازوا أيضا شهادة النساء وحدهن فيما لا يجوز انت تنظر إليه الرجال ، وقبلوا شهادة القابلة .
وإنما أردنا بذكر قبول شهادة النساء ، أن قوله تعالى ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ) مخصوص غير عام في جميع الشهادات .

ألا ترى ان ذلك غير مانع من قبول اليمين مع شهادة الواحد . وبعد فليس قوله تعالى ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ ) بمقتض غير الأمر بالشهادة على هذا الوجه ، وليس بمانع من قبول شهادة غير العدلين ولا تعلق له بأحكام قبول الشهادات .

فأما أخذ نصف الدية من أولياء المرأة إذ أرادوا قتل الرجل بها فهو الصحيح الواضح الذي لا يجوز خلافه ، لان دية المرأة ( 2 ) عشرة آلاف درهم ودية المرأة نصفها فإذا أراد أولياء المرأة قتل الرجل ، فإنما يقتلون نفسا ديتها الضعف من دية مقتولهم ، فلا بد إذا إختاروا ذلك من رد الفضل بين القيمتين ولهذا لو أراد أخذ الدية لم يأخذوا أكثر من خمسة آلاف درهم .

وهكذا القول في أخذ نصف الدية من المقتص من الأعور ، لان دية عين الأعور عشرة آلاف درهم ودية إحدى عيني الصحيح خمسة آلاف درهم .
فلا بد من الرجوع بالفضل على ما ذكرناه ، وما أدري من أي وجه تطرق العيب في تخليفه عليه السلام من يصلي العيدين بالضعفاء في المسجد الأعظم ، وذلك من رأفته ( عليه السلام ) بالضعفاء ورفقه بهم ، وتوصله إلى ان يحظوا بفضل هذه الصلاة من غير تحمل مشقة الخروج إلى المصلى .

 

( 1 ) المائدة 106 ( 2 ) هكذا وردت والاصوب ( الرجل ) . ( * )

 
 

- ص 217 -

فأما ما حكاه من إحراقه اللوطي ، فالمعروف أنه عليه السلام ألقى على الفاعل والمفعول به لما رآهما الجدار ، ولو صح الإحراق لم ينكران يكون ذلك الشئ عرفه من الرسول صلى الله عليه وآله .

وقد روى فهد بن سليمان عن القاسم بن أميه العدوي عن عمر بن أبي حفص مولى الزبير عن شريك عن إبراهيم بن عبدالاعلى عن سويد بن غفلة ، أن أبا بكر أتى برجل ينكح فأمر به فضربت عنقه ، ثم أمر به فأحرق ولعل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) احرقه بالنار بعد القتل بالسيف كما فعل أبو بكر ، وليس ما روي من الإحراق بمانع من ان يكون القتل متقدما له .

وقد روي قتل المتلوطين من طرق مختلفة عن الرسول صلى الله عليه وآله وكذلك روي رجمهما .
روى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اقتلوا الفاعل والمفعول به .

وروي عبد العزيز عن ابن جريح عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) مثل ذلك .
وعن عمر بن أبي عمير عن عكرمة عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وآله قال فيمن يوجد يعمل بعمل قوم لوط مثل ذلك .
وروى أبو هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال الذي يعمل عمل قوم لوط ارجموا الأعلى والأسفل ارجموهما جميعا .
وسئل ابن عباس ما حد اللوطي ؟ ينظر إلى ارفع بناء في القرية فيرمى به منكسا . ثم يتبع بالحجارة .

وروي ان عثمان اشرف على الناس يوم الدار ، فقال : ألم تعلموا أنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا أربعة : رجل قتل فقتل ، ورجل زنى بعد ان أحصن ، ورجل ارتد بعد إسلام ، ورجل عمل عمل قوم لوط .
فلا شبهة على ما ترى في قتل اللوطي ، ولا ريب في وجوب ذلك عليه . وكيف يتهم بحيف في حد يقيمه من يتحرى فيما يخصه هذا التحري المشهور .

فيقول عليه السلام لما ضربه اللعين ابن ملجم احسنوا أسره ، فإن

- ص 218 -

عشت فأنا ولي دمي ، وان مت فضربة بضربة .
ولا تمثلوا بالرجل فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن المثلة ولو بالكلب العقور .
فمن ينهى عن التمثيل بقاتله مع الغيظ الذي يجده الإنسان على ظالمه وميله إلى الاستيفاء والانتقام ، كيف يمثل بمن لا ترة بينه وبينه ولا حسيكة له في قلبه ؟ وهذا ما لا يظنه به ( عليه السلام ) إلا مؤف العقل .

فأما حبسه ( عليه السلام ) المال المكتسب من مهور البغايا على غنى وباهلة ، فله ان كان صحيحا وجه واضح ، وهو ان ذلك المال دني الأصل خسيس السبب ، ومثله ما ينزه عنه ذو الأقدار من جلة المؤمنين ووجوه المسلمين . وإن كان حلالا طلقا فليس كل حلال يتساوى الناس في التصرف فيه . فإن من المكاسب والمهن والحرف ما يحل ويطيب ويتنزه ذوو المرؤات والأقدار عنها .

وقد فعل النبي صلى الله عليه وآله نظير ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام ، فإنه روي عنه انه ( صلى الله عليه وآله ) نهى عن كسب الحجام ، فلما روجع فيه أمر المراجع له ان يطعمه رقيقه ويعلفه ناضحه ، وإنما قصد ( صلى الله عليه وآله ) إلى الوجه الذي ذكرناه من التنزيه ، وان كان ذلك الكسب حلالا طلقا . وهاتان القبيلتان معروفتان بالدناءة ولؤم الأصل مطعون عليهما في ديانتهما أيضا ، فخصهما بالكسب اللئيم وعوض من له في ذلك المال سهم من الجلة ، والوجوه من غير ذلك المال . وكل هذا واضح لمن تدبره .

في كذب الخبر بأنه خطب بنت أبي جهل .

( مسألة : ) فإن قيل اليس قد روي ان أمير المؤمنين عليه السلام خطب بنت أبي جهل بن هشام في حياة الرسول صلى الله عليه وآله حتى بلغ ذلك فاطمة عليها السلام وشكته إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقام على المنبر قائلا ان عليا آذاني بخطب بنت أبي جهل بن هشام ليجمع بينها وبين ابنتي فاطمة ، ولن يستقيم الجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدوه . أما

- ص 219 -

علمتم معشر الناس أن من آذى فاطمة فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى ، فما الوجه في ذلك ؟

( الجواب ) : قلنا هذا خبر باطل موضوع غير معروف ولا ثابت عند أهل النقل ، وإنما ذكره الكرابيسي ( 1 ) طاعنا به أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله ، ومعارضا بذكره لبعض ما يذكره شيعته من الأخبار في أعدائه ، وهيهات أن يشبه الحق بالباطل ، ولو لم يكن في ضعفه إلا رواية الكرابيسي له واعتماده عليه ، وهو من العداوة لأهل البيت عليهم السلام والمناصبة لهم والازراء على فضائلهم ومآثرهم على ما هو مشهور ، لكفى على أن هذا الخبر قد تضمن ما يشهد ببطلانه ويقتضى على كذبه من حيث ادعى فيه أن النبي ذم هذا الفعل وخطب بإنكاره على المنابر .

ومعلوم أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لو كان فعل ذلك على ما حكى ، لما كان فاعلا لمحظور في الشريعة ، لان نكاح الأربع حلال على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وآله . والمباح لا ينكره الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ويصرح بذمه ، وبأنه متأذبه ، وقد رفعه الله عن هذه المنزلة وأعلاه عن كل منقصة ومذمة .

ولو كان عليه السلام نافرا من الجمع بين بنته وبين غيرها بالطباع التي تنفر من الحسن والقبيح ، لما جاز أن ينكره بلسانه ، ثم ما جاز أن يبالغ في الإنكار ويعلن به على المنابر وفوق رؤوس الأشهاد ، ولو بلغ من إيلامه لقلبه كل مبلغ . فما هو اختص به ( عليه السلام ) من الحلم والكظم ، ووصفه الله بأنه من جميل الأخلاق وكريم الآداب ينافي ذلك ويحيله ويمنع من اضافته إليه وتصديقه عليه .

وأكثر ما يفعله مثله ( عليه السلام ) في هذا الأمر إذا ثقل ع