|
- تنزيه
الأنبياء عليهم السلام - الشريف المرتضى ص 227 :
|
|
أبو عبد الله الحسين بن على عليهما السلام
بيان الأسباب في قدوم الحسين الكوفة وقتاله :
( مسألة ) :
فإن قيل : ما العذر في خروجه عليه السلام من مكة بأهله
وعياله إلى الكوفة والمستولى عليها أعداؤه ، والمتآمر
فيها من قبل يزيد منبسط الأمر والنهي ، وقد رأى عليه
السلام صنع أهل الكوفة بأبيه وأخيه ، وأنهم غدارون
خوانون ، وكيف خالف ظنه ظن جميع أصحابه في الخروج وابن
عباس يشير بالعدول عن الخروج ويقطع على العطب فيه ،
وابن عمر لما ودعه يقول استودعك الله من قتيل ، إلى
غير ما ذكرناه ممن تكلم في هذا الباب .
ثم لما علم
بقتل مسلم بن عقيل ( رضي ) وقد أنفذه رائدا له ، كيف
لم يرجع لما علم الغرور من القوم وتفطن بالحيلة
والمكيدة ، ثم كيف استجاز ان يحارب بنفر قليل لجموع
عظيمة خلفها ، لها مواد كثيرة . ثم لما عرض عليه ابن
زياد الأمان وأن يبايع يزيد ، كيف لم يستجب حقنا لدمه
ودماء من معه من أهله وشيعته ومواليه .
ولم القى بيده
إلى التهلكة وبدون هذا الخوف سلم أخوه الحسن عليه
السلام الأمر إلى معاوية ، فكيف يجمع بين فعليهما
بالصحة ؟
( الجواب ) : قلنا قد علما أن الامام متى غلب
في ظنه يصل إلى حقه والقيام بما فوض إليه بضرب من
الفعل ، وجب عليه ذلك وان كان فيه ضرب من المشقة يتحمل
مثلها تحملها ، وسيدنا أبو عبد الله عليه السلام لم
يسر طالبا للكوفة الا بعد توثق من القوم وعهود وعقود ،
وبعد ان كاتبوه عليه السلام طائعين غير مكرهين
ومبتدئين غير مجيبين .
وقد كانت المكاتبة من وجوه أهل
الكوفة وأشرافها وقرائها ، تقدمت إليه في أيام معاوية
وبعد الصلح الواقع بينه وبين الحسن ( عليه السلام )
فدفعهم وقال في الجواب ما وجب .
ثم كاتبوه بعد وفاة
الحسن ( عليه السلام ) ومعاوية باق فوعدهم ومناهم ،
وكانت أياما صعبة لا يطمع في مثلها .
فلما مضى معاوية
وأعادوا المكاتبة بذلوا الطاعة وكرروا الطلب والرغبة
ورأى ( عليه السلام ) من قوتهم على من كان يليهم في
الحال من قبل يزيد ، وتشحنهم عليه وضعفه عنهم ، ما قوى
في ظنه ان المسير هو الواجب ، تعين عليه ما فعله من
الاجتهاد والتسبب ، ولم يكن في حسابه أن القوم يغدر
بعضهم ، ويضعف أهل الحق عن نصرته ويتفق بما اتفق من
الأمور الغريبة .
فإن مسلم بن عقيل رحمة الله عليه لما
دخل الكوفة أخذ البيعة على أكثر أهلها .
ولما وردها
عبيد الله بن زياد وقد سمع بخبر مسلم ودخوله الكوفة
وحصوله في دار هاني بن عروة المرادى رحمة الله عليه
على ما شرح في السير ، وحصل شريك بن الأعور بها جاءه
ابن زياد عايدا وقد كان شريك وافق مسلم بن عقيل على
قتل ابن زياد عند حضوره لعيادة شريك ، وأمكنه ذلك
وتيسر له ، فما فعل واعتذر بعد فوت الأمر إلى شريك بأن
ذلك فتك ، وأن النبي صلى الله عليه وآله قال أن
الإيمان قيد الفتك .
ولو كان فعل مسلم بن عقيل من قتل
ابن زياد ما تمكن منه ، ووافقه شريك عليه لبطل الأمر .
ودخل الحسين على السلام الكوفة غير مدافع عنها ، وحسر
كل أحد قناعه في نصرته ، واجتمع له من كان في قلبه
نصرته وظاهره مع أعدائه .
وقد كان مسلم بن عقيل أيضا
لما حبس ابن زياد هانيا سار إليه في جماعة من أهل
الكوفة ، حتى حصره في قصره وأخذ بكظمه ، وأغلق ابن
زياد الأبواب دونه خوفا وجبنا حتى بث الناس في كل وجه
يرغبون الناس ويرهبونهم ويخذلونهم عن ابن عقيل ،
فتقاعدوا عنه وتفرق أكثرهم ، حتى أمسى في شر ذمة ، ثم
انصرف وكان من أمره ما كان . وإنما أردنا بذكر هذه
الجملة أن أسباب الظفر
بالأعداء كانت لا يحة متوجهة ،
وان الاتفاق السئ عكس الأمر وقلبه حتى تم فيه ما تم .
وقد هم سيدنا أبو عبد الله عليه السلام لما عرف بقتل
مسلم بن عقيل ، وأشير عليه بالعود فوثب إليه بنو عقيل
وقالوا والله لا ننصرف حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق
أبونا .
فقال عليه السلام : لا خير في العيش بعد هؤلاء
.
ثم لحقه الحر بن يزيد ومن معه من الرجال الذين انفذهم ابن زياد ، ومنعه من الانصراف ، وسامه ان يقدمه
على ابن زياد نازلا على حكمه ، فامتنع .
ولما رأى أن
لا سبيل له إلى العود ولا إلى دخول الكوفة ، سلك طريق
الشام سائرا نحو يزيد بن معاوية لعلمه عليه السلام
بأنه على ما به أرق من ابن زياد وأصحابه ، فسار عليه
السلام حتى قدم عليه عمر بن سعد في العسكر العظيم ،
وكان من أمره ما قد ذكر وسطر ، فكيف يقال انه القى
بيده إلى التهلكة ؟
وقد روى أنه صلوات الله وسلامه
عليه وآله قال لعمر بن سعد : اختاروا منى إما الرجوع
إلى المكان الذي أقبلت منه ، أو ان أضع يدي في يد يزيد
ابن عمى ليرى في رأيه ، وإما ان تسيروني إلى ثغر من
ثغور المسلمين ، فأكون رجلا من أهله لي ماله وعلي ما
عليه .
وان عمر كتب إلى عبيد الله بن زياد بما سئل
فأبى عليه وكاتبه بالمناجزة وتمثل بالبيت المعروف وهو
:
الآن علقت مخالبنا به * يرجو النجاة ولات حين مناص
فلما رأى ( ع ) إقدام القوم عليه وان الدين منبوذ وراء
ظهورهم وعلم أنه إن دخل تحت حكم ابن زياد تعجل الذل
وآل امره من بعد إلى القتل ، التجأ إلى المحاربة
والمدافعة بنفسه وأهله ومن صبر من شيعته ، ووهب دمه
ووقاه بنفسه .
وكان بين إحدى الحسنيين : إما الظفر
فربما ظفر الضعيف القليل ، أو الشهادة والميتة الكريمة
.
وأما مخالفة ظنه عليه السلام لظن جميع من أشار عليه
من النصحاء
كابن عباس وغيره ، فالظنون انما تغلب بحسب الامارات .
وقد تقوى عند واحد وتضعف عند آخر ، لعل ابن عباس لم
يقف على ما كوتب به من الكوفة ، وما تردد في ذلك من
المكاتبات والمراسلات والعهود والمواثيق .
وهذه أمور
تختلف أحوال الناس فيها ولا يمكن الإشارة إلا إلى
جملتها دون تفصيلها .
فأما السبب في أنه ( ع ) لم يعد
بعد قتل مسلم بن عقيل ، فقد بينا وذكرنا أن الرواية
وردت بأنه عليه السلام هم بذلك ، فمنع منه وحيل بينه
وبينه . فأما محاربة الكثير بالنفر القليل ، فقد بينا
أن الضرورة دعت إليها وان الدين والحزم ما اقتضى في
تلك الحال الا ما فعله ، ولم يبذل ابن زياد من الأمان
ما يوثق بمثله . وإنما أراد إذلاله والغض من قدره
بالنزول تحت حكمه ، ثم يفضي الأمر بعد الذل إلى ما جرى
من إتلاف النفس .
ولو أراد به ( ع ) الخير على وجه لا
يلحقه فيه تبعة من الطاغية يزيد ، لكان قد مكنه من
التوجه نحوه استظهر عليه بمن ينفذه معه . لكن التراث
البدوية والأحقاد الوثنية ظهرت في هذه الأحوال . وليس
يمتنع أن يكون عليه السلام من تلك الأحوال مجوزا أن
يفئ إليه قوم ممن بايعه وعاهده وقعد عنه ، ويحملهم ما
يكون من صبره واستسلامه وقلة ناصره على الرجوع إلى
الحق دينا أو حمية ، فقد فعل ذلك نفر منهم حتى قتلوا
بين يديه شهداء . ومثل هذا يطمع فيه ويتوقع في أحوال
الشدة .
فأما الجمع بين فعله ( ع ) وفعل أخيه الحسن
فواضح صحيح ، لان أخاه سلم كفا للفتنة وخوفا على نفسه
وأهله وشيعته ، وإحساسا بالغدر من أصحابه . وهذا لما
قوي في ظنه النصرة ممن كاتبه وتوثق له ، ورأى من أسباب
قوة أنصار الحق وضعف أنصار الباطل ما وجب عليه الطلب
والخروج .
فلما انعكس ذلك وظهرت امارات الغدر فيه وسوء
الاتفاق رام
الرجوع والمكافة والتسليم كما فعل أخوه ، فمنع من ذلك
وحيل بينه وبينه ، فالحالان متفقان .
إلا أن التسليم والمكافة عند ظهور أسباب الخوف لم يقبلا منه ، ولم يجب
إلا إلى الموادعة ، وطلب نفسه ( ع ) فمنع منها بجهده
حتى مضى كريما إلى جنة الله ورضوانه .
وهذا واضح لمن
تأمله ، وإذا كنا قد بينا عذر أمير المؤمنين عليه
السلام في الكف عن نزاع من استولى على ما هو مردود
إليه من أمر الأمة ، وأن الحزم والصواب فيما فعله ،
فذلك بعينه عذر لكل إمام من أبنائه عليهم السلام في
الكف عن طلب حقوقهم من الإمامة ، فلا وجه لتكرار ذلك
في كل إمام من الأئمة ( ع ) والوجه أن نتكلم على ما لم
يمض الكلام على مثله .
|