- تنزيه الأنبياء عليهم السلام - الشريف المرتضى  ص 15 :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله كما هو أهله ومستحقه ، وصلى الله على خيرته من خلقه ، على عباده محمد وآله الأبرار الطاهرين ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .

سألت أحسن الله توفيقك ، إملاء كتاب في تنزيه الأنبياء والأئمة عليهم السلام عن الذنوب والقبائح كلها ، ما سمي منها كبيرة أو صغيرة والرد على من خالف في ذلك ، على اختلافهم وضروب مذاهبهم وأنا أجيب إلى ما سألت على ضيق الوقت ، وتشعب الفكر ، وأبتدئ بذكر الخلاف في هذا الباب ، ثم بالدلالة على مذهب الصحيح من جملة ما أذكره من المذاهب ، ثم بتأويل ما تعلق به المخالف من الآيات والأخبار ، التي اشتبه عليه وجهها ، وظن أنها تقتضي وقوع كبيرة أو صغيرة من الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق ، وإياه أسأل التأييد والتسديد .

بيان الخلاف في نزاهة الأنبياء عن الذنوب :

اختلف الناس في الأنبياء عليهم السلام . فقالت الشيعة الإمامية ، لا يجوز عليهم شئ من المعاصي والذنوب كبيرا كان أو صغيرا ، لا قبل النبوة ولا بعدها ، ويقولون في الأئمة مثل ذلك ، وجوز أصحاب الحديث

- ص 16 -

والحشوية ( 1 ) على الأنبياء الكبائر قبل النبوة ، ومنهم من جوزها في حال النبوة سوى الكذب فيما يتعلق بأداء الشريعة ، ومنهم من جوزها كذلك في حال النبوة بشرط الاستسرار دون الاعلان ، ومنهم من جوزها على الأحوال كلها ، ومنعت المعتزلة ( 2 ) .

من وقوع الكبائر والصغائر المستخفة من الأنبياء عليهم السلام قبل النبوة وفي حالها ، وجوزت في الحالين وقوع ما لا يستخف من الصغاير ، ثم اختلفوا فمنهم من جوز على النبي صلى الله عليه وسلم الإقدام على المعصية الصغيرة على سبيل العمد ، ومنهم من منع من ذلك وقال إنهم لا يقدمون على الذنوب التي يعلمونها ذنوبا ، بل على سبيل التأويل .

وحكي عن النظام ( 3 ) ، وجعفر بن مبشر ( 4 ) ، وجماعة ممن تبعهما ، أن ذنوبهم لا تكون إلا على سبيل السهو والغفلة ، وأنهم مؤاخذون بذلك ، وإن كان موضوعا من أممهم لقوة معرفتهم وعلو مرتبتهم .
وجوزوا كلهم ومن قدمنا ذكره من الحشوية وأصحاب الحديث على الأئمة الكبائر والصغائر ، إلا أنهم يقولون إن بوقوع الكبيرة من الإمام تفسد إمامته ويجب عزله والاستبدال به .

 

( 1 ) الحشوية : هم المحدثون القائلون بنفي التأويل .
( 2 ) المعتزلة : هم جماعة من المسلمين اعتمدوا على المنطق والقياس في مناقشة القضايا الكلامية . أهم تعاليمهم : 1 - إن مقترف الكبيرة ليس بالكافر ولا بالمؤمن بل في منزلة بين المنزلتين . 2 - حرية الاختيار ، أي أن الانسان ذو إرادة حرة وليس مجبرا على إتيان أعماله . 3 - خلق القرآن . كما ناقشوا قضايا التوحيد والعدل والصفات الإلهية . أشهر المعتزلة : واصل بن العطاء وعمرو بن عبيد ، وهما انفصلا عن الحسن البصري .
( 3 ) النظام : هو إبراهيم بن سيار ( توفي 231 ه‍ ) تلميذ أبي الهذيل العلاف . متكلم معتزلي ، نشأ في البصرة وأقام في بغداد حيث توفي . وهو معلم الجاحظ . عارض آراء الفقهاء وانتقد الجبرية والمرجئة . وإليه تنسب النظامية ، وهي إحدى فرق المعتزلة .
( 4 ) جعفر بن مبشر : وهو أحد المعتزلة أيضا . ( * )

 
 

- ص 17 -

واعلم أن الخلاف بيننا وبين المعتزلة .
في تجويزهم الصغاير على الأنبياء صلوات الله عليهم يكاد يسقط عند التحقيق لأنهم إنما يجوزون من الذنوب ما لا يستقر له استحقاق عقاب ، وإنما يكون حظه نقص الثواب على اختلافهم أيضا في ذلك ، لأن أبا علي الجبائي ( 1 ) يقول : إن الصغيرة يسقط عقابها بغير موازنة ، فكأنهم معترفون بأنه لا يقع منهم ما يستحقون به الذم والعقاب .

وهذه موافقة للشيعة في المعنى ، لأن الشيعة إنما تنفي عن الأنبياء عليهم السلام جميع المعاصي من حيث كان كل شئ منها يستحق به فاعله الذم والعقاب ، لأن الاحباط باطل عندهم ، وإذا بطل الاحباط فلا معصية إلا ويستحق فاعلها الذم والعقاب ، وإذا كان استحقاق الذم والعقاب منفيا عن الأنبياء عليهم السلام وجب أن تنتفي عنهم ساير الذنوب ، ويصير الخلاف بين الشيعة والمعتزلة متعلقا بالاحباط ، فإذا بطل الاحباط فلا بد من الاتفاق على أن شيئا من المعاصي لا يقع من الأنبياء ( ع ) من حيث يلزمهم استحقاق الذم والعقاب ، لكنه يجوز أن نتكلم في هذه المسألة على سبيل التقدير ونفرض أن الأمر في الصغائر والكبائر على ما تقوله المعتزلة ، ومتى فرضنا ذلك لم نجوز أيضا عليهم الصغائر لما سنذكره ونبينه إنشاء الله تعالى .

 

( 1 ) الجبائي : هو محمد بن عبد الوهاب الجبائي يكنى بأبي علي وهو من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره ، وإليه تنسب الطائفة الجبائية . ( * )

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب