|
- تنزيه
الأنبياء عليهم السلام - الشريف المرتضى ص 17 : |
|
تنزيه
الأنبياء كافة عن الصغائر والكبائر :
( واعلم ) أن
جميع ما تنزه الأنبياء عليهم السلام عنه ، ونمنع من
وقوعه منهم من يستند إلى دلالة العلم المعجز إما بنفسه
أو بواسطة ، وتفسير هذه الجملة ، أن العلم المعجز إذا
كان واقعا موقع التصديق لمدعي النبوة والرسالة ،
وجاريا مجرى قوله تعالى له : صدقت في أنك رسولي ومؤد
عني .
فلا بد من أن يكون هذا المعجز مانعا من كذبه على
الله سبحانه في ما يؤديه عنه ، لأنه تعالى لا يجوز أن
يصدق الكذاب ، لأن تصديق الكذاب قبيح ،
كما قلنا إن الكذب قبيح ، فأما الكذب في غير ما يؤديه
عن الله وسائر الكبائر فإنما دل المعجز على نفيها ، من
حيث كان دالا على وجوب إتباع الرسول وتصديقه فيما
يؤديه ، وقبوله منه ، لأن الغرض في بعثة الأنبياء
عليهم السلام ، تصديقهم بالأعلام ، المعجز هو أن يمتثل
ما يأتون به ، فما قدح في الامتثال والقبول وأثر فيهما
، يجب أن يمنع المعجز منه ، فلهذا قلنا : إنه يدل على
نفي الكذب والكبائر عنهم في غير ما يؤدونه بواسطة ،
وفي الأول يدل بنفسه ، فإن قيل : لم يبق إلا أن تدلوا
على أن تجويز الكبائر يقدح فيما هو الغرض بالبعثة من
القبول والامتثال ، قلنا : لا شبهة في أن من نجوز عليه
كبائر المعاصي ولا نأمن منه الإقدام على الذنوب ، لا
تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله أو استماع وعظه
كسكونها إلى من لا نجوز عليه شيئا من ذلك ، وهذا هو
معنى قولنا إن وقوع الكبائر منفر عن القبول ، والمرجع
فيما ينفر وما لا ينفر إلى العادات واعتبار ما تقتضيه
، وليس ذلك مما يستخرج بالأدلة والقياس ، ومن رجع إلى
العادة علم ما ذكرناه ، وأنه من أقوى ما ينفر عن قبول
القول ، فإن حظ الكبائر في هذا الباب لم يزد على حد
السخف والمجون والخلاعة ولم ينقص منه .
فإن قيل : أو
ليس قد جوز كثير من الناس على الأنبياء عليهم السلام
الكبائر مع أنهم لم ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما
شرعوه من الشرايع ، وهذا ينقض قولكم إن الكبائر منفرة
.
قلنا : هذا سؤال من لا يفهم ما أوردناه ، لأنا لم
نرد بالتنفير ارتفاع التصديق ، وأن لا يقع امتثال
الأمر جملة .
وإنما أردنا ما فسرناه من أن سكون النفس
إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حد سكونها
إلى من لا يجوز ذلك عليه ، وإنا مع تجويز الكبائر نكون
أبعد من قبول القول .
كما إنا مع الأمان من الكبائر
نكون أقرب إلى قبول القول .
وقد يقرب من الشئ ما لا
يحصل الشئ عنده ، كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده ، ألا
ترى أن
عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجره وتبرمه منفر في
العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه ، وقد يقع مع ما
ذكرناه الحضور والتناول ، ولا يخرجه من أن يكون منفرا
، وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسمه يقرب من حضور
دعوته وتناول طعامه ، وقد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه
ولا يخرجه من أن يكون مقربا ، فدل على أن المعتبر في
باب المنفر والمقرب ما ذكرناه دون وقوع الفعل المنفر
عنه أو ارتفاعه .
فإن قيل : فهذا يقتضي أن الكبائر لا
تقع منهم في حال النبوة ، فمن أين أنها لا تقع منهم
قبل النبوة ، وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب
والذم ، ولم يبق وجه يقتضي التنفير .
قلنا : الطريقة
في الأمرين واحدة ، لأنا نعلم أن من يجوز عليه الكفر
والكبائر في حال من الأحوال وإن تاب منهما ، لا يكون
حال الواعظ لنا الداعي إلى الله تعالى ونحن نعرفه مقارفا للكبائر مرتكبا لعظيم الذنوب ، وإن كان قد فارق
جميع ذلك وتاب منه عندنا ، وفي نفوسنا كحال من لم نعهد
منه إلا النزاهة والطهارة ، ومعلوم ضرورة الفرق بين
هذين الرجلين فيما يقتضي السكون والنفور ، ولهذا كثيرا
ما يعير الناس .
وخرج من استحقاق العقاب بها لا نسكن
إلى قبول قوله ، كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في
حال من الأحوال ولا على وجه من الوجوه .
ولهذا من يعهدون منه القبائح المتقدمة بها وإن وقعت التوبة منها
، ويجعلون ذلك عيبا ونقصا وقادحا ومؤثرا .
وليس إذا
كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضا عن تجويزها في
حال النبوة ، وناقصا عن رتبته في باب التنفير ، وجب أن
لا يكون فيه شئ من التنفير ، لأن الشيئين قد يشتركان
في التنفير ، وإن كان أحدهما أقوى من صاحبه .
ألا ترى
أن كثير السخف والمجون والاستمرار عليهما والانهماك
فيهما منفر لا محالة ، وأن القليل من السخف الذي لا
يقع إلا في الأحيان والأوقات المتباعدة منفر أيضا ،
وإن فارق الأول في قوة النفير ولم يخرجه نقصانه في هذا
الباب من الأول من أن يكون منفرا في نفسه .
فإن قيل : فمن أين قلتم إن الصغائر لا تجوز على
الأنبياء في حال النبوة وقبلها ؟
قلنا : الطريقة في
نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في
الحالتين عند التأمل ، لأنا كما نعلم أن من يجوز كونه
فاعلا لكبيرة متقدمة قد تاب منها واقلع عنها ولم يبق
معه شئ من استحقاق عقابها وذمها ، لا يكون سكوننا إليه
كسكوننا إلى من لا يجوز عليه ذلك .
وكذلك نعلم أن من
يجوز عليه الصغائر من الأنبياء ( ع ) أن يكون مقدما
على القبائح مرتكبا للمعاصي في حال نبوته أو قبلها ،
وإن وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كل القبائح ولا نجوز عليه فعل شئ منها .
فأما
الاعتذار في تجويز الصغائر بأن العقاب والذم عنها
ساقطان فليس بشئ ، لأنه لا معتبر في باب التنفير بالذم
والعقاب حتى يكون التنفير واقعا عليهما ، ألا ترى أن
كثيرا من المباحات منفر ولا ذم عليه ولا عقاب وكثيرا
من الخلق والهيئات منفر وهو خارج عن باب الذم .
على أن
هذا القول يوجب على قائله تجويز الكبائر عليهم قبل
البعثة ، لأن التوبة والاقلاع قد أزالا الذم والعقاب
اللذين يقف التنفير على هذا القول عليهما .
فإن قيل :
كيف تنفر الصغاير وإنما حظها تقليل الثواب وتنقيصه ؟
لأنها بكونها صغائر قد خرجت من اقتضاء الذم والعقاب ،
ومعلوم أن قلة الثواب غير منفرة .
ألا ترون أن كثيرا
من الأنبياء عليهم السلام قد يتركون كثيرا من النوافل
مما لو فعلوه لاستحقوا كثيرا من الثواب ، ولا يكون ذلك
منفرا عنهم .
قلنا : إن الصغاير لم تكن منفرة من حيث
قلة الثواب معها ، بل إنما كانت كذلك من حيث كانت
قبائح ومعاصي لله تعالى ، وقد بينا أن الملجأ في باب
المنفر إلى العادة والشاهد .
وقد دللنا على أنهما
يقتضيان بتنفير جميع الذنوب والقبائح على الوجه الذي
بيناه .
وبعد : فإن الصغاير في هذا الباب بخلاف الامتناع من
النوافل ، لأنها تنقص ثوابا مستحقا ثابتا . وترك
النوافل ليس كذلك . وفرق واضح في العادة بين الانحطاط
عن رتبة ثبتت واستحقت ، وبين قوتها . وإن لا تكون
حاصلة جملة .
ألا ترى أن من ولي ولاية جليلة وارتقى
إلى رتبة عالية ، يؤثر في حالة العزل عن تلك الولاية
والهبوط عن تلك الرتبة ، ولا يكون حاله هذه كحاله لو
لم ينل تلك الولاية ولا ارتقى إلى تلك الرتبة . وهذا
الكلام الذي ذكرناه يبطل قول من جوز على الأنبياء
عليهم السلام الصغائر على اختلاف مذاهبهم في تجويز ذلك
عليهم على سبيل العمد أو التأويل .
إلا أن أبا علي الجبائي ومن وافقه في قوله إن ذنوب الأنبياء لا تكون
عمدا ، وإنما يقدمون عليها تأويلا ، ويمثل لذلك بقصة
آدم ( ع ) ، فإنه نهي عن جنس الشجرة دون عينها فتأول
فظن أن النهي يتناول العين ، فلم يقدم على المعصية مع
العلم بأنها معصية قد ناقض ، فإنه إنما ذهب إلى هذا
المذهب تنزيها للأنبياء عليهم السلام ، واعتقادا أن
تعمد المعصية مع العلم يوجب كبرها ، فنزهه عن معصية
وأضاف إليه معصيتين ، لأنه مخطئ على مذهبه في الإعراض
عن تأمل مقتضى النهي ، وهل يتناول الجنس أو العين لأن
ذلك واجب عليه ومخطئ في التناول من الشجرة ، وهاتان
معصيتان .
وبعد : فإن تعمد المعصية ليس يجب أن يكون
مقتضيا لكبرها لا محالة ، لأنها لا يمتنع أن يكون مع
التعمد لصاحبها من الخوف والوجل ما يوجب صغرها ، ويمنع
من كبرها .
وليس له أن يقول إن النظر فيما كلفه من
الامتناع من الجنس أو النوع لم يكن واجبا عليه ، لأن
ذلك إن لم يكن واجبا عليه فكيف يكون مكلفا ، وكيف يكون
تناوله معصية ؟ ولا بد على هذا من أن يخطر الله تعالى
بباله ما يقتضي وجوب النظر في ذلك عليه . وإذا وجب
عليه النظر ولم يفعله فقد تعمد الإخلال بالواجب ، ولا
فرق في باب التنفير بين الإقدام على المعصية والإخلال
بالواجب . فإذا جاز عنده أن يتعمد الإخلال
بالواجب ولا يكون منه كبيرا ، جاز أن يتعمد منه نفس
التناول ولا يكون منه كبيرا . ف
أما ما حكيناه عن
النظام وجعفر بن مبشر ومن وافقهما ، من أن ذنوب
الأنبياء عليهم السلام تقع منهم على سبيل السهو
والغفلة ، وأنهم مع ذلك مؤاخذون بها ، فليس بشئ ، لأن
السهو يزيل التكليف ويخرج الفعل من أن يكون ذنبا
مؤاخذا به ، ولهذا لا يصح مؤاخذة المجنون والنائم .
وحصول السهو في أنه مؤثر في ارتفاع التكليف بمنزلة فقد
القدرة والآلات والأدلة ، فلو جاز أن يخالف حال
الأنبياء في صحة تكليفهم مع السهو ، جاز أن يخالف
حالهم لحال أممهم في جواز التكليف مع فقد سائر ما
ذكرناه وهذا واضح ، فأما الطريق الذي به يعلم أن
الأئمة عليهم السلام لا يجوز عليهم الكبائر في حال
الإمامة ، فهو أن الإمام إنما احتيج إليه لجهة معلومة
، وهي أن يكون المكلفون عند وجوده أبعد من فعل القبيح
وأقرب من فعل الواجب على ما دللنا عليه في غير موضع ،
فلو جازت عليه الكبائر لكانت علة الحاجة إليه ثابتة .
فيه . وموجبة وجود إمام يكون إماما له ، والكلام في
إمامته كالكلام فيه ، وهذا يؤدي إلى وجود ما لا نهاية
له من الأئمة وهو باطل أو الانتهاء إلى إمام معصوم وهو
المطلوب .
ومما يدل أيضا على أن الكبائر لا تجوز عليهم
، أن قولهم قد ثبت أنه حجة في الشرع كقول الأنبياء ( ع
) ، بل يجوز أن ينتهي الحال إلى أن الحق لا يعرف إلا
من جهتهم ، ولا يكون الطريق إليه إلا من أقوالهم على
ما بيناه في مواضع كثيرة ، وإذا ثبت هذا جملة جروا
مجرى الأنبياء ( ع ) فيما يجوز عليهم وما لا يجوز ،
فإذا كنا قد بينا أن الكبائر والصغائر لا يجوزان على
الأنبياء ( ع ) قبل النبوة ولا بعدها ، لما في ذلك من
التنفير عن قبول أقوالهم ، ولما في تنزيههم عن ذلك من
السكون إليهم ، فكذلك يجب أن يكون الأئمة
عليهم السلام منزهين عن الكبائر والصغائر قبل الإمامة
وبعدها ، لأن الحال واحدة . وإذ قد قدمنا ما أردنا
تقديمه في هذا الباب فنحن نبتدئ بذكر الكلام على ما
تعلقوا به من جواز الكبائر على الأنبياء ( ع ) من
الكتاب .
|