|
- تنزيه
الأنبياء عليهم السلام - الشريف المرتضى ص 24 : |
|
تنزيه آدم عليه السلام
تنزيه آدم عن الغواية : ( مسألة
) فمما تعلقوا به قوله تعالى في قصة آدم ( ع ) : (
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) ( 1
) . قالوا وهذا تصريح بوقوع
المعصية التي لا تكون إلا قبيحة ، وأكده بقوله {
فَغَوَى
} ، وهذا تصريح بوقوع المعصية ، والغي ضد الرشد .
(
الجواب ) : يقال لهم أما المعصية فهي مخالفة الأمر ،
والأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب وبالمندوب معا
، فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم عليه السلام مندوبا
إلى ترك التناول من الشجرة ، ويكون بمواقعتها تاركا
نفلا وفضلا وغير فاعل قبيحا ، وليس يمتنع أن يسمى تارك
النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك الواجب .
فإن تسمية من
خالف ما أمر به سواه كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهرة
، ولهذا يقولون أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني
وخالفني ، وإن لم يكن ما أمره به واجبا ، وأما قوله (
فغوى ) ، فمعناه أنه خاب ، لأنا نعلم أنه لو فعل ما
ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب
العظيم . فإذا خالف الأمر ولم يصر إلى ما
| |
( 1 )
سورة طه الآية 121 ( * ) |
|
|
ندب إليه ، فقد خاب لا محالة ، من حيث أنه لم يصر إلى
الثواب الذي كان يستحق بالامتناع ، ولا شبهة في أن لفظ
غوى يحتمل الخيبة . قال الشاعر :
فمن يلق خيرا يحمد
الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
فإن قيل
: كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية ؟ أو ليس هذا يوجب
أن توصف الأنبياء ( ع ) بأنهم عصاة في كل حال ، وأنهم
لا ينفكون من المعصية لأنهم لا يكادون ينفكون من ترك
الندب ؟
قلنا : وصف تارك الندب بأنه عاص توسع وتجوز
والمجاز لا يقاس عليه ولا يعدى به عن موضعه .
ولو قيل
إنه حقيقة في فاعل القبيح وتارك الأولى والأفضل ، ولم
يجز إطلاقه أيضا في الأنبياء ( ع ) إلا مع التقييد لأن
استعماله قد كثر في القبائح ، فإطلاقه بغير تقييد موهم
، لكنا نقول : إن أردت بوصفهم بأنهم عصاة أنهم فعلوا
القبايح فلا يجوز ذلك ، وإن أردت أنهم تركوا ما لو
فعلوه استحقوا الثواب وكان أولى فهم كذلك .
فإن قيل :
فأي معنى لقوله تعالى : ( ثُمَّ
اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) ( 1 ) وأي معنى لقوله تعالى : (
فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ
عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ( 2 )
فكيف تقبل توبة من لم يذنب ؟ أم كيف يتوب من لم يفعل
القبيح ؟
قلنا : أما التوبة في اللغة : الرجوع ،
ويستعمل في واحد منا وفي القديم تعالى . والثاني أن
التوبة عندنا وعلى أصولنا فغير موجبة لا سقاط العقاب ،
وإنما يسقط الله تعالى العقاب عندها تفضلا ، والذي
توجبه التوبة وتؤثره هو استحقاق الثواب ، فقبولها على
هذا الوجه إنما هو ضمان الثواب عليها .
فمعنى قوله
تعالى : ( تاب عليه ) أنه قبل توبته وضمن له ثوابها ،
| |
( 1 )
سورة طه الآية 122 |
( 2 )
سورة البقرة الآية 37 ( * ) |
|
|
ولا بد لمن ذهب إلى أن معصية آدم عليه السلام صغيرة من
هذا الجواب ، لأنه إذا قيل له كيف تقبل توبته وتغفر له
معصيته ؟ قد وقعت في الأصل مكفرة لا يستحق عليها شيئا
من العقاب ، لم يكن له بد من الرجوع إلى ما ذكرناه ،
والتوبة قد تحسن أن تقع ممن لا يعهد من نفسه قبيحا على
سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والرجوع إليه ، ويكون
وجه حسنها في هذا الموضع استحقاق الثواب بها أو كونها
لفظا ، كما يحسن أن تقع ممن يقطع على أنه غير مستحق
للعقاب ، وأن التوبة لا تؤثر في إسقاط شئ يستحقه من
العقاب ، ولهذا جوزوا التوبة من الصغائر وإن لم تكن
مؤثرة في إسقاط ذم ولا عقاب .
فإن قيل : الظاهر من
القرآن بخلاف ما ذكرتموه ، لأنه أخبر أن آدم عليه
السلام منهي عن أكل الشجرة بقوله : (
وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ
الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ ) ( 1 ) وبقوله : (
أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن
تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) ( 2 ) ؟ وهذا يوجب بأنه ( ع
) عصى بأن فعل منهيا عنه ولم يعص بأن ترك مأمورا به .
قلنا : أما النهي والأمر معا فليسا يختصان عندنا بصيغة
ليس فيها احتمال ولا اشتراك ، وقد يؤمر عندنا بلفظ
النهي وينهى بلفظ الأمر ، فإنما يكون النهي نهيا
بكراهة المنهي عنه .
فإذا قال تعالى : ولا تقربا هذه
الشجرة ، ولم يكره قربها ، لم يكن في الحقيقة ناهيا ،
كما أنه تعالى لما قال : ( اعملوا ما شئتم وإذا حللتم
فاصطادوا ) ، ولم يرد ذلك ، لم يكن أمرا .
فإذا كان قد
صح قوله ( وَلاَ تَقْرَبَا
هَـذِهِ الشَّجَرَةَ ) إرادة لترك التناول
، فيجب أن يكون هذا القول أمرا ، وإنما سماه منهيا عنه
، ويسمى أمره له بأنه نهي من حيث كان فيه معنى النهي ،
لأن النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل ، وتزهيدا في
الفعل نفسه .
ولما كان الأمر ترغيبا في الفعل المأمور
به وتزهيدا في تركه ، جاز أن يسمى نهيا . وقد يتداخل
هذان الوصفان في الشاهد فيقول أحدنا قد
| |
( 1 )
البقرة الآية 35
|
( 2 )
الأعراف الآية 22 ( * )
|
|
|
أمرت فلانا بأن لا يلقى الأمير ، وإنما يريد أنه نهاه
عن لقائه ، ويقول نهيتك عن هجر زيد وإنما معناه أمرتك
بمواصلته ،
فإن قيل ألا جعلتم النهي منقسما إلى منهي
قبيح ومنهي غير قبيح ، بل يكون تركه أفضل من فعله ،
كما جعلتم الأمر منقسما إلى واجب وغير واجب .
قلنا
الفرق بين الأمرين ظاهر ، لأن انقسام المأمور به في
الشاهد إلى واجب وغير واجب غير مدفوع ، ولا خاف ، وليس
يمكن أحد أن يدفع أن في الأفعال الحسنة التي يستحق بها
المدح والثواب ما له صفة الوجوب ، وفيها ما لا يكون
كذلك .
فإذا كان الواجب مشاركا للندب في تناول الإرادة
له واستحقاق الثواب والمدح به ، فليس يفارقه إلا
بكراهة الترك .
لأن الواجب تركه مكروه والنفل ليس كذلك
. فلو جعلنا الكراهة تتعلق بالقبيح وغير القبيح من
الحكيم تعالى ، وكذلك النهي .
كما جعلنا الأمر منه
يتعلق بالواجب وغير الواجب ، لارتفع الفرق بين الواجب
والندب مع ثبوت الفصل بينهما في العقول ،
فإن قيل :
فما معنى حكايته تعالى عنهما قولهما : (
رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ) وقوله تعالى : (
فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) .
قلنا
: معناه أنا نقصنا أنفسنا وبخسناها ما كنا نستحقه من
الثواب بفعل ما أريد منا من الطاعة ، وحرمناها الفايدة
الجليلة من التعظيم من ذلك الثواب ، وإن لم يكن مستحقا
قبل أن يفعل الطاعة التي يستحق بها ، فهو في حكم
المستحق ، فيجوز أن يوصف بذلك من فوت نفسه بأنه ظالم
لها ، كما يوصف من فوت نفسه المنافع المستحقة . وهذا
معنى قوله تعالى : ( فَتَكُونَا
مِنَ الظَّالِمِينَ ) .
فإن قيل
فإذا لم تقع من آدم عليه السلام على قولكم معصية ، فلم
أخرج من الجنة على سبيل العقوبة وسلب لباسه على هذا
الوجه ؟ ولولا أن الاخراج من الجنة وسلب اللباس على
سبيل الجزاء على الذنب ، كما قال الله
تعالى : (
فَوَسْوَسَ لَهُمَا
الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ
عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ) ( 1 ) وقال تعالى في موضع آخر : (
فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا
فِيهِ ) ( 2 ) ؟ .
قلنا : نفس الإخراج
من الجنة لا يكون عقابا ، لأن سلب اللذات والمنافع ليس
بعقوبة ، وإنما العقوبة هي الضرب والألم الواقعان على
سبيل الاستخفاف والإهانة .
وكذلك نزع اللباس وإبداء السوأة .
فلو كانت هذه الأمور مما يجوز أن تكون عقابا
ويجوز أن يكون غيره لصرفناها عن باب العقاب إلى غيره ،
بدلالة أن العقاب لا يجوز أن يستحقه الأنبياء عليهم
السلام .
فإذا فعلنا ذلك فيما يجوز أن يكون واقعا على
سبيل العقوبة ، فهو أولى فيما لا يجوز أن يكون كذلك ،
فإن قيل فما وجه ذلك إن لم تكن عقوبة ؟ .
قلنا : لا
يمتنع إن يكون الله تعالى علم أن المصلحة تقتضي تبقية
آدم عليه السلام في الجنة وتكليفه فيها متى لم يتناول
من الشجرة ، فمتى تناول منها تغيرت الحال في المصلحة
وصار إخراجه عنها وتكليفه في دار غيرها هو المصلحة .
وكذلك القول في سلب اللباس حتى يكون نزعه بعد التناول
من الشجرة هو المصلحة كما كانت المصلحة في تبقيته قبل
ذلك ، وإنما وصف إبليس بأنه مخرج لهما من الجنة من حيث
وسوس إليهما وزين عندهما الفعل الذي يكون عنده الإخراج
، وإن لم يكن على سبيل الجزاء عليه لكنه يتعلق به تعلق
الشرط في مصلحته ، وكذلك وصف بأنه مبدئ لسوأتهما من
حيث أغواهما ، حتى أقدما على ما سبق في علم الله تعالى
بأن اللباس معه ينزع عنهما ، ولا بد لمن ذهب إلى أن
معصية آدم عليه السلام صغيرة لا يستحق بها العقاب من
مثل هذا التأويل ، وكيف يجوز أن يعاقب الله تعالى نبيه
بالإخراج من الجنة أو غيره من العقاب ، والعقاب لا بد
من أن يكون مقرونا بالاستخفاف والإهانة ، وكيف يكون من
تعبدنا الله فيه بنهاية التعظيم والتبجيل
| |
( 1 )
الأعراف الآية 20
|
( 2 ) البقرة الآية 36 ( * )
|
|
|
مستحقا منا ومنه تعالى الاستخفاف والإهانة : وأي نفس
تسكن إلى مستخف بقدره مهان موبخ مبكت ؟ وما يجيز مثل
ذلك على الأنبياء ( ع ) إلا من لا يعرف حقوقهم ولا
يعلم ما تقضيه منازلهم .
حول إيحاء إبليس لحواء بتسمية
ولدها عبد الحارث :
( مسألة ) فإن قال قائل فما قولكم
في قوله تعالى ( هُوَ الَّذِي
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا
زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا
حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا
أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ
آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
*
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء
فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ ) ( 1 ) أو ليس
ظاهر هذه الآية يقتضي وقوع المعصية من آدم ( ع ) لأنه
لم يتقدم من يجوز صرف هذه الكناية في جميع الكلام إليه
إلا ذكر آدم ( ع ) وزوجته ، لأن النفس الواحدة هي آدم
وزوجها المخلوق منها هي حواء .
فالظاهر على ما ترون ينبي عما ذكرناه ، على أنه قد روي في الحديث أن إبليس
لعنه الله تعالى ، لما أن حملت حواء عرض لها وكانت ممن
لا يعيش لها ولد .
فقال لها أحببت أن يعيش ولدك فسميه
عبد الحارث ، وكان إبليس قد سمي الحارث ، فلما ولدت
سمت ولدها بهذه التسمية . فلهذا قال تعالى : (
جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا
آتَاهُمَا ) .
( الجواب ) : يقال له قد علمنا
أن الدلالة العقلية التي قدمناها في باب أن الأنبياء
عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر والشرك والمعاصي غير
محتملة ، ولا يصح دخول المجاز فيها .
والكلام في
الجملة يصح فيه الاحتمال وضروب المجاز ، فلا بد من
بناء المحتمل على ما لا يحتمل ، فلو لم نعلم تأويل هذه
الآية على سبيل التفصيل ، لكنا نعلم في الجملة أن
| |
( 1 )
الأعراف 189 - 190 ( * )
|
|
|
تأويلها مطابق لدلالة العقل .
وقد قيل في تأويل هذه
الآية ما يطابق دليل العقل ومما يشهد له اللغة وجوه .
( منها ) أن الكناية في قوله سبحانه : (
جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا
آتَاهُمَا ) غير راجعة إلى آدم ( ع ) وحواء ، بل إلى
الذكور والإناث من أولادهما ، أو إلى جنسين ممن اشترك
من نسلهما .
وإن كانت الكناية الأولى تتعلق بهما ويكون
تقدير الكلام : فلما آتى الله آدم وحواء الولد الصالح
الذي تمنياه وطلباه جعل كفار أولادهما ذلك مضافا إلى
غير الله تعالى .
ويقوى هذا التأويل قوله سبحانه : (
فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا
يُشْرِكُونَ ) .
وهذا ينبئ على أن المراد
بالتثنية ما أردناه من الجنسين أو النوعين ، وليس يجب
من حيث كانت الكناية المتقدمة راجعة إلى آدم ( ع )
وحواء ، أن يكون جميع ما في الكلام راجعا إليهما ، لأن
الفصيح قد ينتقل من خطاب مخاطب إلى خطاب غيره ، ومن
كناية إلى خلافها .
قال الله تعالى : (
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا
وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا
*
لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) ( 1 )
فانصرف من مخاطبة الرسول صلى الله عليه وآله إلى
مخاطبة المرسل إليهم ، ثم قال : (
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ
) (
2 ) يعني الرسول ، ثم قال (
وَتُسَبِّحُوهُ ) يعني مرسل
الرسول .
فالكلام واحد متصل بعضه ببعض والكناية مختلفة
كما ترى .
وقال الهذلي :
يا لهف نفسي كأن جدة خالد *
وبياض وجهك للتراب الأعفر ولم يقل بياض وجهه .
وقال
كثير :
أسيئ بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية
إن تقلت فخاطب ثم ترك الخطاب .
| |
( 1 )
الفتح الآية 8 - 9
|
( 2 )
الفتح الآية 9 . ( * )
|
|
|
وقال الآخر :
فدى لك ناقتي وجميع أهلي * ومالي أنه منه
أتاني ولم يقل منك أتاني .
فإن قيل ، كيف يكنى عمن لم
يتقدم له ذكر ؟ .
قلنا : لا يمتنع ذلك ، قال الله
تعالى : ( حَتَّى تَوَارَتْ
بِالْحِجَابِ ) ( 1 ) ولم يتقدم للشمس
ذكر ، وقال الشاعر :
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى *
إذا حشرجت يوما وضاق بي الصدر ولم يتقدم للنفس ذكر .
والشواهد على هذا المعنى كثيرة جدا على أنه قد تقدم
ذكر ولد آدم ( ع ) ، وتقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى :
( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) ( 2 ) ومعلوم أن
المراد بذلك جميع ولد آدم عليه السلام .
وتقدم أيضا
ذكرهم في قوله تعالى : (
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً ) لأن
المعنى أنه لما أتاهما ولدا صالحا . والمراد بذلك
الجنس ، وإن كان اللفظ لفظ وحدة . وإذا تقدم مذكوران
وعقبا بأمر لا يليق بأحدهما ، وجب أن يضاف إلى من يليق
به .
والشرك لا يليق بآدم عليه السلام، فيجب أن ننفيه عنه ،
وإن تقدم ذكره وهو يليق بكفار ولده ونسله فيجب أن
نعلقه بهم.
( ومنها ) ما ذكره أبو مسلم محمد بن
بحر الأصفهاني ، فإنه يحمل الآية على أن الكناية في
جميعها غير متعلقة بآدم ( ع ) وحواء ، فيجعل الهاء في
( تَغَشَّاهَا ) والكناية في (
دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا ) و (
آتَاهُمَا صَالِحاً ) راجعين إلى من أشرك .
ولم يتعلق بآدم (
ع ) من الخطاب إلا قوله تعالى : (
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ ) قال : والإشارة في قوله : (
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ )
إلى
| |
( 1 ) ص الآية 32 |
( 2 )
الأعراف
الآية 189 ( * ) |
|
|
الخلق عامة .
وكذلك قوله : ( وَجَعَلَ
مِنْهَا زَوْجَهَا ) ثم خص
منها بعضهم ، كما قال الله تعالى : (
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي
الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) ( 1 ) فخطاب الجماعة بالتسيير ، ثم خص راكب
البحر .
وكذلك هذه الآية أخبرت عن جملة أمر البشر
بأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها ، وهما آدم وحواء .
ثم عاد الذكر إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما
أعطاه إياه ، أدعى له الشركاء في عطيته . قال وجايز أن
يكون عنى بقوله : ( هُوَ
الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ )
المشركين خصوصا ، إذا كان كل بني آدم مخلوقا من نفس
واحدة وزوجها ، ويكون المعنى في قوله تعالى : (
خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ
وَاحِدَةٍ ) .
وهذا قد يجئ كثيرا في القرآن وفي
كلام العرب .
قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ
يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا
بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ
جَلْدَةً ) ( 2 ) والمعنى فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين
جلدة .
وهذا الوجه يقارب الوجه الأول في المعنى وإن
خالفه في الترتيب .
( ومنها ) أن تكون الهاء في قوله :
( جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ) راجعة إلى الولد لا إلى الله تعالى
، ويكون المعنى أنهما طلبا من الله تعالى أمثالا للولد
الصالح ، فشركا بين الطلبتين .
ويجري هذا القول مجرى
قول القائل : طلبت مني درهما فلما أعطيتك شركته بآخر ،
أي طلبت آخر مضافا إليه . فعلى هذا الوجه لا يمتنع أن
تكون الكناية من أول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم
وحواء عليهما السلام .
فإن قيل : فأي معنى على هذا
الوجه لقوله : ( فَتَعَالَى
اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) وكيف يتعالى
الله عن أن يطلب منه ولد بعد آخر .
| |
( 1 )
يونس الآية 22 |
( 2 ) النور 4 ( * ) |
|
|
(
قلنا ) لم ينزه الله تعالى نفسه عن هذا
الإشراك ،
وإنما نزهها عن الإشراك به ، وليس يمتنع أن ينقطع هذا
الكلام عن حكم الأول ، ويكون غير متعلق به ، لأنه
تعالى قال : ( أَيُشْرِكُونَ
مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
) (
1 ) فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك دون ما تقدم ، وليس
يمتنع انقطاع اللفظ في الحكم عما يتصل به في الصورة ،
وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب ( 2 ) ، لأن من
عادة العرب أن يراعوا الألفاظ أكثر من مراعاة المعاني
، فكأنه تعالى لما قال جعلا له شركاء فيما آتاهما ،
وأراد الاشتراك في طلب الولد ، جاء بقوله تعالى عما
يشركون على مطابقة اللفظ الأول ، وإن كان الثاني راجعا
إلى الله تعالى ، لأنه يتعالى عن اتخاذ الولد وما
أشبهه .
ومثله قول النبي قد سئل عن العقيقة فقال : "
لا أحب العقوقة ، ومن شاء منكم أن يعق عن ولده فليفعل
" . فطابق اللفظ وإن أختلف المعنيان وهذا كثير في
كلامهم .
فأما ما يدعي في هذا الباب من الحديث فلا
يلتفت إليه ، لأن الأخبار يجب أن تبنى على أدلة العقول
، ولا تقبل في خلال ما تقتضيه أدلة العقول .
ولهذا لا
تقبل أخبار الجبر والتشبيه ، ونردها أو نتأولها إن كان
لها مخرج سهل .
وكل هذا لو لم يكن الخبر الوارد مطعونا
على سنده مقدوحا في طريقه ، فإن هذا الخبر يرويه قتادة
عن الحسن عن سمرة وهو منقطع ، لأن الحسن لم يسمع من
سمرة شيئا في قول البغداديين .
وقد يدخل الوهن على هذا
الحديث من وجه آخر ، لأن الحسن نفسه يقول بخلاف هذه
الرواية فيما
| |
( 1 ) الأعراف 191
( 2 ) في
نسخة زيادة هكذا قال الشريف المرتضى في قوله تعالى : (
جَعَلاَ لَهُ
شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) . فايدة : إذا كان الثاني غير الأول لأن من عاده : الخ .
( * ) |
|
|
رواه خلف بن سالم عن إسحاق بن يوسف عن عوف عن الحسن في
قوله تعالى : ( فَلَمَّا
آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا
آتَاهُمَا ) قال هم المشركون .
وبإزاء هذا الحديث ما روي
عن سعيد بن جبير وعكرمة والحسن وغيرهم ، من أن الشرك
غير منسوب إلى آدم وزوجته عليهما السلام وأن المراد به
غيرهما وهذه جملة واضحة .
|