- تنزيه الأنبياء عليهم السلام - الشريف المرتضى  ص 24 :

تنزيه آدم عليه السلام

تنزيه آدم عن الغواية : ( مسألة ) فمما تعلقوا به قوله تعالى في قصة آدم ( ع ) : ( وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ) ( 1 ) . قالوا وهذا تصريح بوقوع المعصية التي لا تكون إلا قبيحة ، وأكده بقوله { فَغَوَى } ، وهذا تصريح بوقوع المعصية ، والغي ضد الرشد .

( الجواب ) : يقال لهم أما المعصية فهي مخالفة الأمر ، والأمر من الحكيم تعالى قد يكون بالواجب وبالمندوب معا ، فلا يمتنع على هذا أن يكون آدم عليه السلام مندوبا إلى ترك التناول من الشجرة ، ويكون بمواقعتها تاركا نفلا وفضلا وغير فاعل قبيحا ، وليس يمتنع أن يسمى تارك النفل عاصيا كما يسمى بذلك تارك الواجب .

فإن تسمية من خالف ما أمر به سواه كان واجبا أو نفلا بأنه عاص ظاهرة ، ولهذا يقولون أمرت فلانا بكذا وكذا من الخير فعصاني وخالفني ، وإن لم يكن ما أمره به واجبا ، وأما قوله ( فغوى ) ، فمعناه أنه خاب ، لأنا نعلم أنه لو فعل ما ندب إليه من ترك التناول من الشجرة لاستحق الثواب العظيم . فإذا خالف الأمر ولم يصر إلى ما

 

( 1 ) سورة طه الآية 121 ( * )

 
 

- ص 25 -

ندب إليه ، فقد خاب لا محالة ، من حيث أنه لم يصر إلى الثواب الذي كان يستحق بالامتناع ، ولا شبهة في أن لفظ غوى يحتمل الخيبة . قال الشاعر :

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما

فإن قيل : كيف يجوز أن يكون ترك الندب معصية ؟ أو ليس هذا يوجب أن توصف الأنبياء ( ع ) بأنهم عصاة في كل حال ، وأنهم لا ينفكون من المعصية لأنهم لا يكادون ينفكون من ترك الندب ؟

قلنا : وصف تارك الندب بأنه عاص توسع وتجوز والمجاز لا يقاس عليه ولا يعدى به عن موضعه .
ولو قيل إنه حقيقة في فاعل القبيح وتارك الأولى والأفضل ، ولم يجز إطلاقه أيضا في الأنبياء ( ع ) إلا مع التقييد لأن استعماله قد كثر في القبائح ، فإطلاقه بغير تقييد موهم ، لكنا نقول : إن أردت بوصفهم بأنهم عصاة أنهم فعلوا القبايح فلا يجوز ذلك ، وإن أردت أنهم تركوا ما لو فعلوه استحقوا الثواب وكان أولى فهم كذلك .

فإن قيل : فأي معنى لقوله تعالى : ( ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) ( 1 ) وأي معنى لقوله تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ( 2 ) فكيف تقبل توبة من لم يذنب ؟ أم كيف يتوب من لم يفعل القبيح ؟

قلنا : أما التوبة في اللغة : الرجوع ، ويستعمل في واحد منا وفي القديم تعالى . والثاني أن التوبة عندنا وعلى أصولنا فغير موجبة لا سقاط العقاب ، وإنما يسقط الله تعالى العقاب عندها تفضلا ، والذي توجبه التوبة وتؤثره هو استحقاق الثواب ، فقبولها على هذا الوجه إنما هو ضمان الثواب عليها .
فمعنى قوله تعالى : ( تاب عليه ) أنه قبل توبته وضمن له ثوابها ،

 

( 1 ) سورة طه الآية 122

( 2 ) سورة البقرة الآية 37 ( * )  
 

- ص 26 -

ولا بد لمن ذهب إلى أن معصية آدم عليه السلام صغيرة من هذا الجواب ، لأنه إذا قيل له كيف تقبل توبته وتغفر له معصيته ؟ قد وقعت في الأصل مكفرة لا يستحق عليها شيئا من العقاب ، لم يكن له بد من الرجوع إلى ما ذكرناه ، والتوبة قد تحسن أن تقع ممن لا يعهد من نفسه قبيحا على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والرجوع إليه ، ويكون وجه حسنها في هذا الموضع استحقاق الثواب بها أو كونها لفظا ، كما يحسن أن تقع ممن يقطع على أنه غير مستحق للعقاب ، وأن التوبة لا تؤثر في إسقاط شئ يستحقه من العقاب ، ولهذا جوزوا التوبة من الصغائر وإن لم تكن مؤثرة في إسقاط ذم ولا عقاب .

فإن قيل : الظاهر من القرآن بخلاف ما ذكرتموه ، لأنه أخبر أن آدم عليه السلام منهي عن أكل الشجرة بقوله : ( وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ ) ( 1 ) وبقوله : ( أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) ( 2 ) ؟ وهذا يوجب بأنه ( ع ) عصى بأن فعل منهيا عنه ولم يعص بأن ترك مأمورا به .

قلنا : أما النهي والأمر معا فليسا يختصان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال ولا اشتراك ، وقد يؤمر عندنا بلفظ النهي وينهى بلفظ الأمر ، فإنما يكون النهي نهيا بكراهة المنهي عنه .
فإذا قال تعالى : ولا تقربا هذه الشجرة ، ولم يكره قربها ، لم يكن في الحقيقة ناهيا ، كما أنه تعالى لما قال : ( اعملوا ما شئتم وإذا حللتم فاصطادوا ) ، ولم يرد ذلك ، لم يكن أمرا .

فإذا كان قد صح قوله ( وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ ) إرادة لترك التناول ، فيجب أن يكون هذا القول أمرا ، وإنما سماه منهيا عنه ، ويسمى أمره له بأنه نهي من حيث كان فيه معنى النهي ، لأن النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل ، وتزهيدا في الفعل نفسه .

ولما كان الأمر ترغيبا في الفعل المأمور به وتزهيدا في تركه ، جاز أن يسمى نهيا . وقد يتداخل هذان الوصفان في الشاهد فيقول أحدنا قد

 

( 1 ) البقرة الآية 35

( 2 ) الأعراف الآية 22 ( * )  
 

- ص 27 -

أمرت فلانا بأن لا يلقى الأمير ، وإنما يريد أنه نهاه عن لقائه ، ويقول نهيتك عن هجر زيد وإنما معناه أمرتك بمواصلته ، فإن قيل ألا جعلتم النهي منقسما إلى منهي قبيح ومنهي غير قبيح ، بل يكون تركه أفضل من فعله ، كما جعلتم الأمر منقسما إلى واجب وغير واجب .

قلنا الفرق بين الأمرين ظاهر ، لأن انقسام المأمور به في الشاهد إلى واجب وغير واجب غير مدفوع ، ولا خاف ، وليس يمكن أحد أن يدفع أن في الأفعال الحسنة التي يستحق بها المدح والثواب ما له صفة الوجوب ، وفيها ما لا يكون كذلك .
فإذا كان الواجب مشاركا للندب في تناول الإرادة له واستحقاق الثواب والمدح به ، فليس يفارقه إلا بكراهة الترك .
لأن الواجب تركه مكروه والنفل ليس كذلك . فلو جعلنا الكراهة تتعلق بالقبيح وغير القبيح من الحكيم تعالى ، وكذلك النهي .

كما جعلنا الأمر منه يتعلق بالواجب وغير الواجب ، لارتفع الفرق بين الواجب والندب مع ثبوت الفصل بينهما في العقول ، فإن قيل : فما معنى حكايته تعالى عنهما قولهما : ( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ) وقوله تعالى : ( فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) .

قلنا : معناه أنا نقصنا أنفسنا وبخسناها ما كنا نستحقه من الثواب بفعل ما أريد منا من الطاعة ، وحرمناها الفايدة الجليلة من التعظيم من ذلك الثواب ، وإن لم يكن مستحقا قبل أن يفعل الطاعة التي يستحق بها ، فهو في حكم المستحق ، فيجوز أن يوصف بذلك من فوت نفسه بأنه ظالم لها ، كما يوصف من فوت نفسه المنافع المستحقة . وهذا معنى قوله تعالى : ( فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) .

فإن قيل فإذا لم تقع من آدم عليه السلام على قولكم معصية ، فلم أخرج من الجنة على سبيل العقوبة وسلب لباسه على هذا الوجه ؟ ولولا أن الاخراج من الجنة وسلب اللباس على سبيل الجزاء على الذنب ، كما قال الله

- ص 28 -

تعالى : ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا ) ( 1 ) وقال تعالى في موضع آخر : ( فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ) ( 2 ) ؟ .

قلنا : نفس الإخراج من الجنة لا يكون عقابا ، لأن سلب اللذات والمنافع ليس بعقوبة ، وإنما العقوبة هي الضرب والألم الواقعان على سبيل الاستخفاف والإهانة .
وكذلك نزع اللباس وإبداء السوأة .
فلو كانت هذه الأمور مما يجوز أن تكون عقابا ويجوز أن يكون غيره لصرفناها عن باب العقاب إلى غيره ، بدلالة أن العقاب لا يجوز أن يستحقه الأنبياء عليهم السلام .

فإذا فعلنا ذلك فيما يجوز أن يكون واقعا على سبيل العقوبة ، فهو أولى فيما لا يجوز أن يكون كذلك ، فإن قيل فما وجه ذلك إن لم تكن عقوبة ؟ .

قلنا : لا يمتنع إن يكون الله تعالى علم أن المصلحة تقتضي تبقية آدم عليه السلام في الجنة وتكليفه فيها متى لم يتناول من الشجرة ، فمتى تناول منها تغيرت الحال في المصلحة وصار إخراجه عنها وتكليفه في دار غيرها هو المصلحة .
وكذلك القول في سلب اللباس حتى يكون نزعه بعد التناول من الشجرة هو المصلحة كما كانت المصلحة في تبقيته قبل ذلك ، وإنما وصف إبليس بأنه مخرج لهما من الجنة من حيث وسوس إليهما وزين عندهما الفعل الذي يكون عنده الإخراج ، وإن لم يكن على سبيل الجزاء عليه لكنه يتعلق به تعلق الشرط في مصلحته ، وكذلك وصف بأنه مبدئ لسوأتهما من حيث أغواهما ، حتى أقدما على ما سبق في علم الله تعالى بأن اللباس معه ينزع عنهما ، ولا بد لمن ذهب إلى أن معصية آدم عليه السلام صغيرة لا يستحق بها العقاب من مثل هذا التأويل ، وكيف يجوز أن يعاقب الله تعالى نبيه بالإخراج من الجنة أو غيره من العقاب ، والعقاب لا بد من أن يكون مقرونا بالاستخفاف والإهانة ، وكيف يكون من تعبدنا الله فيه بنهاية التعظيم والتبجيل

 

( 1 ) الأعراف الآية 20

( 2 ) البقرة الآية 36 ( * )  
 

- ص 29 -

مستحقا منا ومنه تعالى الاستخفاف والإهانة : وأي نفس تسكن إلى مستخف بقدره مهان موبخ مبكت ؟ وما يجيز مثل ذلك على الأنبياء ( ع ) إلا من لا يعرف حقوقهم ولا يعلم ما تقضيه منازلهم .

حول إيحاء إبليس لحواء بتسمية ولدها عبد الحارث :

( مسألة ) فإن قال قائل فما قولكم في قوله تعالى ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ( 1 ) أو ليس ظاهر هذه الآية يقتضي وقوع المعصية من آدم ( ع ) لأنه لم يتقدم من يجوز صرف هذه الكناية في جميع الكلام إليه إلا ذكر آدم ( ع ) وزوجته ، لأن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء .
فالظاهر على ما ترون ينبي عما ذكرناه ، على أنه قد روي في الحديث أن إبليس لعنه الله تعالى ، لما أن حملت حواء عرض لها وكانت ممن لا يعيش لها ولد .
فقال لها أحببت أن يعيش ولدك فسميه عبد الحارث ، وكان إبليس قد سمي الحارث ، فلما ولدت سمت ولدها بهذه التسمية . فلهذا قال تعالى : ( جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا ) .

( الجواب ) : يقال له قد علمنا أن الدلالة العقلية التي قدمناها في باب أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر والشرك والمعاصي غير محتملة ، ولا يصح دخول المجاز فيها .
والكلام في الجملة يصح فيه الاحتمال وضروب المجاز ، فلا بد من بناء المحتمل على ما لا يحتمل ، فلو لم نعلم تأويل هذه الآية على سبيل التفصيل ، لكنا نعلم في الجملة أن

 

( 1 ) الأعراف 189 - 190 ( * )

 
 

- ص 30 -

تأويلها مطابق لدلالة العقل .
وقد قيل في تأويل هذه الآية ما يطابق دليل العقل ومما يشهد له اللغة وجوه .
( منها ) أن الكناية في قوله سبحانه : ( جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا ) غير راجعة إلى آدم ( ع ) وحواء ، بل إلى الذكور والإناث من أولادهما ، أو إلى جنسين ممن اشترك من نسلهما .
وإن كانت الكناية الأولى تتعلق بهما ويكون تقدير الكلام : فلما آتى الله آدم وحواء الولد الصالح الذي تمنياه وطلباه جعل كفار أولادهما ذلك مضافا إلى غير الله تعالى .
ويقوى هذا التأويل قوله سبحانه : ( فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) .

وهذا ينبئ على أن المراد بالتثنية ما أردناه من الجنسين أو النوعين ، وليس يجب من حيث كانت الكناية المتقدمة راجعة إلى آدم ( ع ) وحواء ، أن يكون جميع ما في الكلام راجعا إليهما ، لأن الفصيح قد ينتقل من خطاب مخاطب إلى خطاب غيره ، ومن كناية إلى خلافها .

قال الله تعالى : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ) ( 1 ) فانصرف من مخاطبة الرسول صلى الله عليه وآله إلى مخاطبة المرسل إليهم ، ثم قال : ( وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ) ( 2 ) يعني الرسول ، ثم قال ( وَتُسَبِّحُوهُ ) يعني مرسل الرسول .

فالكلام واحد متصل بعضه ببعض والكناية مختلفة كما ترى .
وقال الهذلي : يا لهف نفسي كأن جدة خالد * وبياض وجهك للتراب الأعفر ولم يقل بياض وجهه .
وقال كثير : أسيئ بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت فخاطب ثم ترك الخطاب .

 

( 1 ) الفتح الآية 8 - 9

( 2 ) الفتح الآية 9 . ( * )  
 

- ص 31 -

وقال الآخر : فدى لك ناقتي وجميع أهلي * ومالي أنه منه أتاني ولم يقل منك أتاني .

فإن قيل ، كيف يكنى عمن لم يتقدم له ذكر ؟ .

قلنا : لا يمتنع ذلك ، قال الله تعالى : ( حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ) ( 1 ) ولم يتقدم للشمس ذكر ، وقال الشاعر : لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بي الصدر ولم يتقدم للنفس ذكر .

والشواهد على هذا المعنى كثيرة جدا على أنه قد تقدم ذكر ولد آدم ( ع ) ، وتقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى : ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) ( 2 ) ومعلوم أن المراد بذلك جميع ولد آدم عليه السلام .

وتقدم أيضا ذكرهم في قوله تعالى : ( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً ) لأن المعنى أنه لما أتاهما ولدا صالحا . والمراد بذلك الجنس ، وإن كان اللفظ لفظ وحدة . وإذا تقدم مذكوران وعقبا بأمر لا يليق بأحدهما ، وجب أن يضاف إلى من يليق به .
والشرك لا يليق بآدم عليه السلام، فيجب أن ننفيه عنه ، وإن تقدم ذكره وهو يليق بكفار ولده ونسله فيجب أن نعلقه بهم.

( ومنها ) ما ذكره أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني ، فإنه يحمل الآية على أن الكناية في جميعها غير متعلقة بآدم ( ع ) وحواء ، فيجعل الهاء في ( تَغَشَّاهَا ) والكناية في ( دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا ) و ( آتَاهُمَا صَالِحاً ) راجعين إلى من أشرك .
ولم يتعلق بآدم ( ع ) من الخطاب إلا قوله تعالى : ( خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) قال : والإشارة في قوله : ( خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) إلى

 

( 1 ) ص الآية 32

( 2 ) الأعراف الآية 189 ( * )  
 

- ص 32 -

الخلق عامة .
وكذلك قوله : ( وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ) ثم خص منها بعضهم ، كما قال الله تعالى : ( هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ) ( 1 ) فخطاب الجماعة بالتسيير ، ثم خص راكب البحر .
وكذلك هذه الآية أخبرت عن جملة أمر البشر بأنهم مخلوقون من نفس واحدة وزوجها ، وهما آدم وحواء .
ثم عاد الذكر إلى الذي سأل الله تعالى ما سأل فلما أعطاه إياه ، أدعى له الشركاء في عطيته . قال وجايز أن يكون عنى بقوله : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) المشركين خصوصا ، إذا كان كل بني آدم مخلوقا من نفس واحدة وزوجها ، ويكون المعنى في قوله تعالى : ( خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ) .
وهذا قد يجئ كثيرا في القرآن وفي كلام العرب .
قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ) ( 2 ) والمعنى فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة .
وهذا الوجه يقارب الوجه الأول في المعنى وإن خالفه في الترتيب .

( ومنها ) أن تكون الهاء في قوله : ( جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ) راجعة إلى الولد لا إلى الله تعالى ، ويكون المعنى أنهما طلبا من الله تعالى أمثالا للولد الصالح ، فشركا بين الطلبتين .
ويجري هذا القول مجرى قول القائل : طلبت مني درهما فلما أعطيتك شركته بآخر ، أي طلبت آخر مضافا إليه . فعلى هذا الوجه لا يمتنع أن تكون الكناية من أول الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم وحواء عليهما السلام .

فإن قيل : فأي معنى على هذا الوجه لقوله : ( فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) وكيف يتعالى الله عن أن يطلب منه ولد بعد آخر .

 

( 1 ) يونس الآية 22

( 2 ) النور 4 ( * )  
 

- ص 33 -

( قلنا ) لم ينزه الله تعالى نفسه عن هذا الإشراك ، وإنما نزهها عن الإشراك به ، وليس يمتنع أن ينقطع هذا الكلام عن حكم الأول ، ويكون غير متعلق به ، لأنه تعالى قال : ( أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) ( 1 ) فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك دون ما تقدم ، وليس يمتنع انقطاع اللفظ في الحكم عما يتصل به في الصورة ، وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب ( 2 ) ، لأن من عادة العرب أن يراعوا الألفاظ أكثر من مراعاة المعاني ، فكأنه تعالى لما قال جعلا له شركاء فيما آتاهما ، وأراد الاشتراك في طلب الولد ، جاء بقوله تعالى عما يشركون على مطابقة اللفظ الأول ، وإن كان الثاني راجعا إلى الله تعالى ، لأنه يتعالى عن اتخاذ الولد وما أشبهه .

ومثله قول النبي قد سئل عن العقيقة فقال : " لا أحب العقوقة ، ومن شاء منكم أن يعق عن ولده فليفعل " . فطابق اللفظ وإن أختلف المعنيان وهذا كثير في كلامهم .

فأما ما يدعي في هذا الباب من الحديث فلا يلتفت إليه ، لأن الأخبار يجب أن تبنى على أدلة العقول ، ولا تقبل في خلال ما تقتضيه أدلة العقول .
ولهذا لا تقبل أخبار الجبر والتشبيه ، ونردها أو نتأولها إن كان لها مخرج سهل .

وكل هذا لو لم يكن الخبر الوارد مطعونا على سنده مقدوحا في طريقه ، فإن هذا الخبر يرويه قتادة عن الحسن عن سمرة وهو منقطع ، لأن الحسن لم يسمع من سمرة شيئا في قول البغداديين .
وقد يدخل الوهن على هذا الحديث من وجه آخر ، لأن الحسن نفسه يقول بخلاف هذه الرواية فيما

 

( 1 ) الأعراف 191
( 2 ) في نسخة زيادة هكذا قال الشريف المرتضى في قوله تعالى : (
جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) . فايدة : إذا كان الثاني غير الأول لأن من عاده : الخ . ( * )

 
 

- ص 34 -

رواه خلف بن سالم عن إسحاق بن يوسف عن عوف عن الحسن في قوله تعالى : ( فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا ) قال هم المشركون .

وبإزاء هذا الحديث ما روي عن سعيد بن جبير وعكرمة والحسن وغيرهم ، من أن الشرك غير منسوب إلى آدم وزوجته عليهما السلام وأن المراد به غيرهما وهذه جملة واضحة .

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب