|
- تنزيه
الأنبياء عليهم السلام - الشريف المرتضى ص 35 :
|
|
تنزيه نوح عليه السلام
تنزيه نوح عما لا يليق به
(
مسألة ) فإن سأل سائل عن قوله تعالى :
( وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي
مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ
أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ
لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ
فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي
أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ( 1 ) فقال : ظاهر قوله تعالى إنه ليس من
أهلك ، فيه تكذيب ، لقوله عليه السلام إن ابني من أهلي
.
وإذا كان النبي ( ع ) لا يجوز عليه الكذب فما الوجه
في ذلك ؟ قيل له في هذه الآية وجوه ، كل واحد منها
صحيح مطابق لأدلة العقل ( 2 ) .
( أولها ) أن نفيه لأن
يكون من أهله لم يتناول فيه نفي النسب ، وإنما نفى أن
يكون من أهله الذين وعده الله تعالى بنجاتهم ، لأنه عز
وجل كان وعد نوحا عليه السلام بأن ينجي أهله في قوله :
( قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن
كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن
سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) ( 3 ) فاستثنى من أهله من أراد إهلاكه
بالغرق .
ويدل على صحة هذا التأويل قول نوح عليه
السلام : إن ابني من
| |
( 1 )
هود الآية 45
- 46 . ( 2 ) راجع قصص الأنبياء - قصة نوح عليه السلام
- المسألة الخامسة . ( 3 ) هود الآية 40 ( * )
|
|
|
أهلي وإن وعدك الحق .
وعلى هذا الوجه يتطابق الخبران
ولا يتنافيان .
وقد روي هذا التأويل بعينه عن ابن عباس
وجماعة من المفسرين .
( والوجه الثاني ) أن يكون
المراد من قوله تعالى : (
لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) أي إنه ليس
على دينك ، وأراد أنه كان كافرا مخالفا لأبيه ، فكأن
كفره أخرجه من أن يكون له أحكام أهله . ويشهد لهذا
التأويل قوله تعالى على سبيل التعليل : (
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) فتبين أنه إنما خرج عن أحكام أهله بكفره وقبيح
عمله . وقد حكي هذا الوجه أيضا عن جماعة من أهل
التأويل .
( والوجه الثالث ) أنه لم يكن ابنه على
الحقيقة ، وإنما ولد على فراشه . فقال ( ع ) إن ابني
على ظاهر الأمر . فأعلمه الله تعالى أن الأمر بخلاف
الظاهر ، ونبهه على خيانة امرأته ، وليس في ذلك تكذيب
خبره ، لأنه إنما أخبر عن ظنه وعما يقتضيه الحكم
الشرعي ، فأخبره الله تعالى بالغيب الذي لا يعلمه غيره
.
وقد روي هذا الوجه عن الحسن ومجاهد وابن جريج . وفي
هذا الوجه بعد ، إذ فيه منافاة للقرآن لأنه تعالى قال
: ( وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ ) فأطلق عليه اسم البنوة . ولأنه
تعالى أيضا استثناه من جملة أهله بقوله تعالى : (
وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ
عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) . ولأن الأنبياء عليهم
السلام يجب أن ينزهوا عن هذه الحال لأنها تعبير وتشيين
ونقص في القدر ، وقد جنبهم الله تعالى ما دون ذلك
تعظيما لهم وتوقيرا ونفيا لكل ما ينفر عن القبول منهم
.
وقد حمل ابن عباس قوة ما ذكرناه من الدلالة على أن
تأويل قوله تعالى في امرأة نوح وامرأة لوط ، فخانتاهما
، أن الخيانة لم تكن منهما بالزنا ، بل كانت إحداهما
تخبر الناس بأنه مجنون ، والأخرى تدل على الأضياف .
والوجهان الأولان هما المعتمدان في الآية ، فإن قيل
أليس قد قال جماعة من المفسرين أن الهاء في قوله تعالى
: (
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ) راجعة إلى السؤال ؟ والمعنى أن
سؤالك إياي ما ليس لك به علم عمل غير صالح ، لأنه قد
وقع من نوح ( ع ) السؤال والرغبة في قوله : رب إن ابني
من
أهلي وإن وعدك الحق ، ومعنى ذلك نجه كما نجيته . قلنا
ليس يجب أن تكون الهاء في قوله إنه عمل غير صالح ،
راجعة إلى السؤال بل إلى الابن يكون تقدير الكلام : إن
ابنك ذو عمل غير صالح ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه
مقامه ويشهد لصحة هذا التأويل ، قول الخنساء ( 1 ) :
ما أم سقب على بو ( 2 )
تطيف به * قد ساعدتها على
التحنان أظئار
ترتع ما رتعت حتى إذا ذكرت * فإنما هي
إقبال وإدبار
وإنما أراد أنها ذات إقبال وذات إدبار ،
وقد قال قوم في هذا الوجه : إن المعنى في قوله : إنه
عمل غير صالح ، أن أصله عمل غير صالح من حيث ولد على
فراشه وليس بإبنه .
وهذا جواب من يرى أنه لم يكن ابنه
على الحقيقة .
والذي اخترناه خلاف ذلك ، وقد قرئت هذه
الآية بنصب اللام وكسر الميم ونصب غير ، ومع هذه
القراءة لا شبهة في رجوع معنى الكلام إلى الابن دون
سؤال نوح ( ع ) ، وقد ضعف قوم هذه القراءة فقالوا :
كان يجب أن يقول إنه عمل عملا غير صالح ، لأن العرب لا
تكاد تقول هو يعمل غير حسن ، حتى يقولوا عملا غير حسن
.
وليس هذا الوجه بضعيف ، لأن من مذهبهم الظاهر أقامة
الصفة مقام الموصوف عند انكشاف المعنى وزوال اللبس .
فيقول القائل : قد فعلت صوابا وقلت حسنا ، بمعنى فعلت
فعلا صوابا وقلت قولا حسنا .
وقال عمر بن أبي ربيعة
المخزومي ( 3 ) ؟ . أيها القائل غير الصواب * أخر
النصح واقلل عتابي
وقال أيضا : وكم من قتيل ما يباء به
دم * ومن علق رهنا إذا لفه الدما ( 4 )
| |
( 1 ) شاعرة عربية (
575 - 664 ه ) اشتهرت برثاء أخويها .
( 2 ) هكذا وردت في الأصل ولعلها ( بوق ) كما يدل سياق المعنى .
( 3 ) شاعر غزلي شهير ( 644 - 711 ه ) تزهد في آخر حياته .
( 4 ) ومن علق رهنا إذا ألفه غنما - خل . ( * ) |
|
|
ومن ما لي عينيه من شئ غيره * إذا راح نحو الحمرة
البيض كالدما أرادوكم من انسان قتيل .
وقال رجل من بجيلة : كم من ضعيف العقل منتكث القوى * ما أن له نقض
ولا إبرام أرادكم من انسان ضعيف العقل والقوى .
فإن
قيل : لو كان الأمر على ما ذكرتم فلم قال الله تعالى :
( فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ
الْجَاهِلِينَ ) فكيف قال نوح عليه السلام من بعد : (
رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ
أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ
تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ ) ( 1 ) .
قلنا ليس يمتنع أن
يكون نوح ( ع ) نهي عن سؤال ما ليس له به علم ، وإن لم
يقع منه ، وأن يكون هو ( ع ) تعوذ من ذلك ، وإن لم
يواقعه . ألا ترى أن نبينا صلى الله عليه وآله قد نهي
عن الشرك والكفر ، وإن لم يقعا منه ، في قوله تعالى :
( لَئِنْ أَشْرَكْتَ
لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) .
وإنما سأل نوح عليه
السلام نجاة ابنه باشتراط المصلحة لا على سبيل القطع .
فلما بين الله تعالى أن المصلحة في غير نجاته ، لم يكن
ذلك خارجا عما تضمنه السؤال .
فأما قوله تعالى : (
إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ، فمعناه لئلا تكون منهم .
ولا شك في أن وعظه تعالى هو الذي يصرفه عن الجهل
وينزهه عن فعله . وهذا كله واضح .
|